هكذا يتم تغيِّيب الضمير

حجم الخط
0

الجريمة الأخلاقية والإجحاف الفظ ليست أمور بسيطة أبداً. لذلك ليس من الصعب التساؤل كيف أن كثيراً من الإسرائيليين يُغيِّبون ضمائرهم ويسمحون لأنفسهم بالاعتداء لسنوات طويلة على الفلسطينيين في المناطق، ويصادرون الأراضي الخاصة من السكان المحليين لصالح المستوطنين اليهود.
الفرضية الأساسية هي أن لهذا التصرف غير الأخلاقي لا توجد أي جذور عنصرية، دينية أو قومية. وهذا لسببين: الأول مبدئي يقول أن الإسرائيليين اليهود هم بشر مثل باقي البشر، يولدون مع الأخلاق والأحاسيس الأساسية. والثاني هو من ناحية الحقائق أن كثيراً من الإسرائيليين الصهاينة، مثل اليهود في أرجاء العالم، يعبّرون في مناسبات كثيرة عن الحساسية الضميرية العالية والفعالية الإجتماعية والسياسية من أجل إصلاح العالم وتحقيق العدالة الإجتماعية. ومن أجل ذلك سأقوم باقتراح عدة تفسيرات لمصادر ومميزات هذا الضرر الشخصي: تغيّيب الضمير الذي أخطأ فيه كثير من الإسرائيليين، والذي جعل كثيراً من الفلسطينيين ضحايا له.
في معركة اليمين الآيديولوجي التبشيري ـ قادة سياسة سرقة الأراضي وتخليد الإحتلال وتطبيع «الأبرتهايد» ـ التفسير بسيط نسبياً: الضمير القيِّمي بالنسبة لهم لا يتساوى مع الضمير الأخلاقي، بل هو مناقض له. أي أن قناعتهم اليهودية القومية حول «الشعب المختار» حسب التوراة المقدسة، و بالتالي فالبلاد موعودة لهم، وهذا يحظى بالتفوق المطلق على الموقف الإنساني الأخلاقي حول الحفاظ على الصفات الإنسانية، أي احترام الإنسان والمساواة في قيمة حياة الانسان. مثل الحسد العاطفي والرومانسي ـ «الوحش ذا العيون الخضراء»، كما قال شكسبير ـ الذي يشوش ويصيب الناس بالجنون في العلاقات الشخصية، فإن الأصولية الإيمانية والفكرية تعمي أيضاً الضمير وتُضحي بالاعتبارات الأخلاقية الإنسانية على مذبح الأصولية الدينية والشوفينية القومية المتطرفة.
في أوساط الجمهور الواسع، العقلاني والبراغماتي، يمكن تفسير تغيّيب الضمير في الرواية الثقافية التي تربينا عليها، والتي تضعنا فوق كل الشبهات. حسب هذه الرواية، فنحن الإسرائيليون الصهاينة لا يمكن أن نكون غير عادلين في كل ما يتعلق بالصراع القومي في أرض اسرائيل: لأن هذه هي أرض أجدادنا وتعود لنا، لنا فقط، إنطلاقاً من الوعد الإلهي. وأيضا لأننا كنا ضحايا للأغيار ولا يمكننا التسبب بالضرر للآخرين. كما ظهر لي في نقاشات كثيرة مع الطلاب، هذا الوعي يتبنّاه أيضاً من يعتبرون أنفسهم علمانيين، ويمنحون الشرعية لأفعال لا يمكنهم قبولها من أي جماعة قومية أو دينية أخرى. وهذا يشمل أيضا تحمّل العنصرية اليهودية ضد العرب، ولكن ليس معاداة السامية في الشتات، والموقف الذي يقول إن هجومنا دائماً هو دفاع عن النفس في وجه هجوم الآخرين، وإعطاء الشرعية لروايات الأجداد قبل 3 آلاف سنة، ولكن رفض شرعية النكبة الفلسطينية من الماضي القريب.
تفسير آخر ينطبق على أي جمهور، بما في ذلك الإسرائيلي، يعتمد على تشخيص الفيلسوف الإسباني خوسيه أورتيغا في كتابه «تمرد الجمهور»، بين «أولئك الذين يطلبون من أنفسهم مطالب كبيرة ويضعون على أنفسهم صعوبات وواجبات، وأولئك الذين لا يطلبون من أنفسهم أي شيء خاص، وبالنسبة لهم يريدون العيش كما هم، دون أن يفرض عليهم أي جهد من أجل التقدم نحو الكمال». أي تفضيل الغالبية العظمى التسليم بما هو موجود والإنجرار وراء التيار والبحث عن الطرق المعروفة والمريحة».
هذه هي الحقيقة النفسية للأنانية والمصلحة، وضمن ذلك تفضيل الأكاذيب على الحقائق التي تفرض التحدي، إجابات بسيطة بدل المفارقات المعقدة والمقلقة وخداع الذات بدلاً من محاسبتها وانتقادها.
إن تشخيص الكاتب ديفيد بوستر والاس ينطبق على اليهود في اسرائيل بشكل عام، وعلى الجيل الشاب بشكل خاص. وهو أنه عندما يتم سؤالهم «ما هي المياه»، يجيبون بصدمة «ما هي المياه، بحق الجحيم؟». فمن المريح أكثر بالنسبة لهم عدم رؤية الإحتلال و«الأبرتهايد»، وهم يعتبرون أنفسهم لا يتحملون أي مسؤولية، ومنطقي بالنسبة لهم عدم الإعتذار أبداً، والتنازل عن الحقوق القومية الزائدة لا يناسبهم. إنه يفضلون الصورة الشخصية الحالية لهم، و التي تجعل حياتهم أفضل.

هآرتس 8/2/2017

هكذا يتم تغيِّيب الضمير
تربّينا على أنه يمكننا تحمّل العنصرية ضد العرب لكن لا يمكننا القبول بمعاداة السامية
نمرود ألوني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية