هل أصبحت الصورة تشكل تهديدا حقيقيا وخطرا على الكتاب؟

حجم الخط
0

هل يمكن أن يصبح المكتوب- أو الكتاب- شيئا هامشيا في ظل الثورة الإعلامية والصحون المقعرة والسيل الكبير للقنوات الدولية المختلفة التي تبث لكل الأذواق والميول والنزعات، وبالصوت والصورة؟ وهل تغطي سهولة الضغط على جهاز التحكم عن بعد (الزابينغ) على جدوى تقليب الصفحات وإجهاد الفكر والعين والمخيلة؟ وهل يتغلب الاستهلاك السهل المريح الذي يكتفي بتلقي ما هو جاهز على فعل القراءة المجهد والإيجابي الساعي لتشكيل الصورة في المخيلة وتحويل الحروف والكلمات إلى سياقات تدور في فلك الفكر في الوقت نفسه الذي يتحرك بها اللسان، وتتراءى للعين بعكس الصورة المشاهدة على الشاشة التي تنتقل بيسر للمتلقي، من دون أن يبذل مجهودا يذكر نحوها.
إن جيل اليوم وأجيال الغد هي أجيال السمعي البصري بدرجة أولى. جيل وأجيال تتألف يوما عن يوم مع عوالم الثورة التكنولوجية في المجال الإعلامي الذي لا حدود له، مسار ربما سيفتح آفاقا جديدة أمام عوالم التعليم ونقل المدرسة إلى البيت ليتراجع دور المعلم، ذلك الملقن التقليدي أو الكلاسيكي في عرف المستجدات الإعلامية، وهذا موضوع ستبث فيه الأيام المقبلة، ولكن كيف يكون حال الثقافة والكتاب في وضع كهذا؟
إن الأجيال الماضية التي تفاعلت مع دنيا الكتب وانقسمت في عوالم الثقافة المكتوبة لا تستطيع هي نفسها الانفصال عن جاذبية القنوات المختلفة، وتجد نفسها مدفوعة نحوها بدعوى مشاهدة الأخبار، أو بعض الأشرطة الوثائقية فيجرها ذلك لبرامج تحليلية أو علمية وربما أيضا رياضية، إنه سحر الصورة والتلقي الجاهز فالصورة كما يقال بألف كلمة، سواء في بعدها الإيجابي أو في جوانبها السلبية، حسب نوعية المتلقي، وإن كانت دواعي الانجذاب مختلفة.
إن التلقي الجاهز يجمع شتى الشرائح حول المشاهدة، لأن الذات البشرية تميل بطبعها ـ وإن كان الأمر بدرجات ـ إلى الاستهلاك المريح الذي ليس فيه إجهاد. والكتاب كما هو معروف عالم إبداعي يجهد المتلقي فيه مخيلته ويشحذ ذهنه ويتوجب عليه أحيانا أن يعيد لمرات قراءة السطور نفسها لمزيد من الاستيعاب، وإذا أضفنا إلى ما سبق ما تعرفه القراءة من تراجع لصالح الصورة، بفعل عوامل مختلفة منها، ارتفاع أثمان الكتب، وكون الكتاب يتطلب من الوقت أكثر مما يتطلب فعل المشاهدة، فالكتاب الذي تقضي لقراءته أسبوعا أو أكثر سيتلقى المشاهد في المدة نفسها أو أقل سيلا من البرامج المتنوعة والمختلفة، وقد تقارع خصمك بمختلف الحجج ويقارعك أيضا حول الأجدى والأنفع، وقلة هم الذين سيقفون إلى جانبك بدعوى أن أمسية واحدة تنتقل فيها حول العالم بواسطة الضغط على (الزابينغ) تجعلك تتلقى الأخبار من وجهات نظر مختلفة، وتستمتع بمشاهدة أشرطة وثائقية تنقلك إلى أدغال الأمازون أو القطب الشمالي أو أعماق البحار، وتستمتع بتحليل سياسي لقضايا الساعة …إلخ. كل هذا في ليلة واحدة في وقت ما زال الزمن متجمدا عند قارئ الكتاب في قضية معينة أو وصف معين لأحداث ما زالت لم تبارح مكانها بعد.
ولكن التساؤل الواجب طرحه بحدة هو هل يمكن للصورة أن تكون بديلا للكتاب؟ إن كان الجواب هو «نعم»، فنعم الإعلام وبالأحضان أيتها القنوات المتعددة، لأن الكتاب ما هو إلا وسيلة لامتلاك الثقافة والمعرفة وإثراء المخيلة وتحقيق المتعة الأدبية. فإن حلت وسيلة أخرى سهلة ومريحة تنقل هي الأخرى المعرفة والثقافة، أفلا يجدر بنا احتضانها ولو على حساب الكتاب؟
لنجب على السؤال الأساسي الآتي هل التلفزة تنقل الثقافة؟ وللإجابة عن هذا السؤال يجب طرح الأسئلة الآتية:
■ هل تستطيع التلفزة بكل ما يتاح للصورة من وسائل التبليغ والإيحاء أن تغوص في أعماق النفس البشرية لتصوغ الأحلام والانفعالات والعواطف كما تفعل القصة والرواية؟
■ هل يستطيع المشهد التمثيلي أن يتيح لنا من الوقت ما نسجل فيه جزئيات وتفاصيل الصورة أو الحدث، من دون أن يمارس الاختزال (يظهر هذا بالخصوص في الأعمال الفنية المأخوذة عن أعمال أدبية، خصوصا إذا كانت غنية بالأبعاد النفسية والذهنية).
■ هل تستطيع التلفزة أن تناقش النظريات العلمية أو القضايا اللغوية في تفاصيلها وخصوصياتها، من دون أن تنفر منها المتلقين الذين لا يسعون من ورائها في الغالب إلا التسلية، ولتغامر أي قناة شاءت بتجربة من هذا النوع ليتأكد انفضاض المشاهدين من حولها.

هذا العنصر الأخير وحده يعطينا الجواب في كون الصورة هي لمن يطلب التسلية والترفيه في المقام الأول، وربما الفضول المعرفي في المقام الثاني، وهو فضول من الدرجة الثانية يوازي الخاصية البشرية التي تطلب التعرف السطحي على العوالم المجهولة. هذا مع الإقرار طبعا بالأبعاد الجمالية في كثير من الأعمال الدرامية الجيدة، وبالآفاق المعرفية في كثير من الأشرطة الوثائقية والنسمات الروحية في كثير من الأعمال الموسيقية، ولكن هذه الأمور مجتمعة محكومة في إطار الصورة /التلفزة بعوامل تجارية وبمقص الرقيب وبكون المبرمج هو الذي يفرض نوعية المشاهدة، وبالانسياب السريع الذي لا يترك فرصة للتأمل المتأني أو الرجوع إلى المشهد السالف، كما هو الشأن في المكتوب، حيث الكتاب يرادف الحرية عند القارئ في التوقف عند أي جزئية أو مشهد أو إيقاف الأحداث إن شاء أو تسريعها، وكون هذا القارئ هو الذي يفرض نوعية المقروء وزمن قراءته، من دون تدخل رقيب أو مبرمج… وهذه هي الأجواء الحقيقية للثقافة الأصيلة. ونحن هنا لا نقلل من التأثير الكبير للصورة على جمهور واسع ودورها في تشكيل ذوقه ووعيه وتوجهاته المختلفة، إلا أن الصورة لا يمكن أن تكون بديلا عن الكتاب أو تلغيه، لأنها لا يمكنها تحقيق المناخ الفكري الذي يخلقه المكتوب.
إن الشيء الأساسي عندنا هو أن الكتاب يجب أن يكون بمثابة طعام المرء وهوائه وإلا فاته الشيء الكثير، وأن تكون الصورة كذلك وبالمثل عند قارئ الكتاب بمثابة نافذته على الحاضر وما يعتمل فيه من حركة دائبة قد لا يتاح للمكتوب أن يصوغها بالسرعة والحيوية المطلوبتين.
وتبقى القراءة أو الكتاب لمن يطلبون الإجهاد للمناطق الرمادية في أدمغتهم، أولئك المهووسين بمتعة القراءة، حيث يجدون لذتهم التي لا تعادلها أو تساويها لذة. ولكل فردوسه الخاص يقيم حوله سياجا من الولاء والإخلاص والتعبد.

كاتب مغربي

المصطفى سالمي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية