هل اقتبس الأمريكيون فكرة المجمع الانتخابي من المسلمين؟

حجم الخط
4

 بقيت أسابيع قليلة على تنصيب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية. واللافت للنظر أنه ليس هناك نظام سياسي اليوم يشبه نظام الحكم في أمريكا، فهو فريد من نوعه. وينعكس هذا التفرد في كيفية انتخاب الرئيس عندهم، فيما يعرف بالمجمع الانتخابي، ثم في كيفية تنصيبه.
كيف يعمل المجمع الانتخابي؟ 
يتحدد عدد أعضاء المجمع الانتخابي لكل ولاية حسب عدد سكانها. وجميع هذه المقاعد هي وحدة واحدة لا تتجزأ، فإما أن تذهب الى هذا المرشح أو ذاك، دفعة واحدة. ولو افترضنا أن مرشحا حصل على 51% من اصوات الناخبين فانه يحصل على كامل المقاعد الانتخابية في الولاية الواحدة، بينما منافسه الذي حصل على 49% من الأصوات لا يحصل على أي مقعد انتخابي، ويخسر الولاية بالكامل. يلتقي أعضاء المجمع الانتخابي من كل الولايات، في العاصمة واشنطن، في العشرين من الشهر الاول من السنة التي تلي الانتخابات، ويدلون بأصواتهم، كتلة واحدة، إلى المرشح الفائز في ولايتهم. ومن يحصل على أعلى الأصوات في المجمع الانتخابي يصبح هو رئيس البلاد. ويصوت أعضاء المجمع الانتخابي يوم التنصيب، في واشنطن، حسبما صوت أغلبية الناخبين في ولاياتهم. وهكذا جرت العادة، أن لا يغيروا الولاء، إلا إذا حدث تغيير الولاء هذه المرة على حظ ترامب، كما يتردد. 
التأثير الاسلامي على أمريكا والظرف التاريخي
هذه الطريقه في اختيار الرئيس هي الاقرب لفكرة «أهل الحل والعقد» الذين يوكل اليهم اختيار الحاكم شرعا، كما كان نظام الحكم عند المسلمين في الماضي. وربما اقتبس مؤسسو أمريكا هذه الفكرة من المسلمين، وانعكست في نظامهم السياسي على شكل المجمع الانتخابي. فالدولة العثمانية كان لها تأثير كبير على أمريكا عند تأسيسها، لكن الناس اليوم لا يلتفتون الى هذا الجانب. وهناك قوانين كثيرة اخذها الأمريكيون من الدولة العثمانية، الدولة الاولى في العالم انذاك، كنظام الضمان الاجتماعي الذي اقتبسوه من نظام مماثل كان معمولا به في الدولة العثمانية، وقوانين أخرى كثيرة. سبب اقتباس الأمريكيين من العثمانيين، هو الظرف التاريخي، حيث كانت بلادهم قد استقلت للتو من الاستعمار الاوروبي، وكانت حانقة على الاوروبيين، فلم يأخذوا من القانون الفرنسي، ولا من القانون الإنكليزي، ولم يكن أمامهم إلا قوانين الدولة العثمانية، فأخذوا ينهلون من قوانينها واحدا تلو الآخر، وهذا ربما يشكل أحد أسرار القوة في تلك البلاد. الأدلة كثيرة على تأثير المسلمين على نظام الحكم والقوانين في امريكا. من ذلك اللوحة الرخامية المعلقة في أروقة محكمة العدل العليا في واشنطن، منذ عام 1935، التي كرمت فيها المحكمة النبي محمد، عليه السلام، (كواحد من أعظم المشرعين في العالم) ما يدلل على أن حجم القوانين التي اقتبسوها من المسلمين كان كبيرا جدا. لم يأخذ الأمريكيون قوانينهم فقط من المسلمين، بل أيضا حصلوا على مساعدات علمية وهندسية. فالزائر لواشنطن لا بد أن يمر على جسر عريض على «نهر البوتامك»، ولو توقف عند أحد طرفي الجسر لوجد هناك لوحة مكتوب عليها الآتي: «شُيد هذا الجسر عام 1840 بمعونة فنية من الدولة العثمانية». 
المجمع الانتخابي ومفهوم «أهل الحل والعقد»
تعريف «أهل الحل والعقد»، في التاريخ الاسلامي، أنهم «أهل الشأن من الأمراء والعلماء والقادة والساسة ووجوه الناس» الذين تتوفر فيهم شروط العدل والعلم والرأي والحكمة. ويبدو أن هناك شبها كبيرا بين المجمع الانتخابي الأمريكي ومفهوم أهل الحل والعقد، إذ أن طريقة اختيار هذا المجمع، حسب النظام الأمريكي، هي أن يُسمّي كلٌ من الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، عددا من كبار أعضائه في كل ولاية على حدة، ليصبحوا هم أعضاء المجمع، فيما لو فاز مرشحهم بأغلبية أصوات الولاية. وعندما يتم فرز أصوات الناخبين في الولاية يتحدد المرشح الرئاسي الحاصل على أعلى الأصوات الشعبية، فيصبح الأعضاء الذين حددهم حزبه هم أعضاء المجمع الانتخابي، الذين سيصوتون له يوم تنصيبه. وبالتالي يتم وضع عددهم في خانة مرشحهم. وعندما يتوالى ورود النتائج، من جميع الولايات، يُعتبر فائزا بمنصب الرئيس من يكون قد حصل على أكبر عدد من أصوات المجمع الانتخابي في عموم البلاد. تذهب كل أصوات أعضاء المجمع، في الولاية الواحدة، معا الى الحزب الفائز، ويصبح هؤلاء الأعضاء هم وفد الولاية، في يوم تنصيب الرئيس، يزكونه ويمنحونه الشرعية القانونية. فانتخابات الولاية هي انتخابات ليس لاختيار الرئيس مباشرة، بل هي لانتخاب ممثلين يشكلون «المجمع الانتخابي»، الذي ينتخب الرئيس، وينقل أعضاؤه ارادة الناخبين، الى واشنطن، فيختارون الرئيس الجديد، كممثلين للشعب، ويضفون عليه الشرعية. 
إذا كان مؤسسو النظام الامريكي قد اقتبسوا فكرة المجمع الانتخابي من المسلمين، فماذا عن فكرة «البيعة»؟ معروف تاريخيا أن البيعة معناها أن يختار أهل الحل والعقد رجلا من المسلمين يتولى الأمر والحكم. فيصبح السؤال هو: هل اقتبس الأمريكيون أيضا فكرة «البيعة» وانعكست عندهم في ما هو معروف بيوم «تنصيب» الرئيس الجديد؟ 
الخلاصة إذن، يبدو أن تأثير العرب والمسلمين على النظام السياسي في أمريكا كان كبيرا. فالأمريكيون أخذوا من حضارتنا ما يفيدهم، ويطبقون الان قوانين كان معمولا بها لدينا، فارتقوا بواسطتها إلى أعلى مراتب الإنسانية، بينما نحن للاسف تركنا هذه الحضارة، واستغنينا عنها، وها نحن نقبع في أسفل سلم البشرية. فماذا يقول العرب والمسلمون في حالهم اليوم؟ ولينظروا كيف كانوا وكيف أصبحوا، علهم يفيقون من سباتهم العميق.
كاتب أردني

هل اقتبس الأمريكيون فكرة المجمع الانتخابي من المسلمين؟

داود عمر داود

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية