هل الانقلابي التائب من الذنب كمن لا ذنب له؟

حجم الخط
1

قد يكون من الممكن حقا أن يغدو التائب من الذنب كمن لا ذنب له، شريطة أن تكون توبته توبة حقيقية نصوحا من جهة، وأن يكون على استعداد تام وشجاع وصادق ومتواضع لدفع الثمن، ولو الرمزي والمعنوي على الأقل، لضحايا الجرم الذي اقترفه، من جهة أخرى. وخلاف ذلك، تغدو التوبة المزعومة مجرد فهلوة وتمثيل وضحك على الذقون.
هذا الكلام، الأخلاقي المنطقي، يطال كل الذين تجمهروا وتحمسوا لإسقاط الحكم الشرعي في مصر عبر مساندة مؤامرة 30 يونيو/حزيران، التي شكلت حصان طروادة الخبيث الذي تسلل الانقلاب العسكري الدموي للهيمنة على البلد من خلاله، والذين يزعمون اليوم أنهم ندموا على ما جنته أيديهم، ويودون العودة إلى صفوف المعارضة بمنتهى البساطة كأن شيئا لم يكن، متوقعين بأن عودتهم كفيلة بأن تجعلهم بمنجاة من اللوم والتثريب!
فقبل أن يحاول أحد التبرؤ من الانقلاب، عليه أن يقدم اعتذارا علنيا صريحا واضحا لا لبس فيه لجماعة الإخوان المسلمين، لأنه مسؤول بشكل أو بآخر عن النكبة الفظيعة التي حاقت بهم، مسؤول عن قتلاهم وجرحاهم وأسراهم ومشرديهم، ومسؤول عن حرمانهم من الحكم الذي وصلوا إليه بطريقة سلمية شرعية بعد عقود مضنية من التضحيات والعمل الشاق.
إن عليه أن يعتذر من الإخوان عن كل التهم الملفقة التي كالها لهم، وعن تشويه صورتهم وشيطنتهم في عيون الناس. مع وجوب الاعتراف بأن الأخطاء التي ارتكبها الإخوان إبان حكمهم، مهما كثرت، لا تبرر بتاتا إسهامه الآثم في الإطاحة بهم، وأنه لا علاقة لتلك الأخطاء من قريب أو بعيد بتلك التهم المغرضة المفبركة التي شارك، ولو عن جهل وانخداع، في اختلاقها وتضخيمها وترويجها، في سياق السعي لإسقاطهم!
وقبل الإعتذار من الإخوان وبعده وأهم منه، فإن عليه الاعتذار من الشعب المصري كله. ففعلته النكراء كانت سببا أساسيا في سلب حرية ذلك الشعب البائس، بعد أن بدأ يتنفس عبيرها على استحياء لأول مرة منذ قرون، وفي التطويح به مجددا أبعد وأبعد على دروب الاستعباد والذل والاضطهاد، وفي إجهاض تجربته التحررية الوحيدة غير المسبوقة بكل قسوة وابتذال!
وبعد كل ذلك، عليه أن يعترف بأنه كان على خطأ وضلال، وأنه أسذج وأجهل من أن يمتلك الحق في الاستمرار في التحليل والتنظير والتفلسف والتبجح ورفع الشعارات. إذ إن أكثر ما من حقه فعله على أمل قبول توبته، أن ينضم إلى صفوف المعارضة وهو أخرس مطأطئ الرأس ملثم الوجه، خجلا من جريمته الشنعاء التي لا تغتفر، لعل في ذلك ما قد يكفر عن شيء منها!
فالتوبة عن دعم الانقلاب، مهما خلصت، لا تجبّ ما قبلها، ولا تبيض صحيفة صاحبها، ولا تغفر له الدماء المظلومة التي سالت بسببه، ولا الدموع المقهورة التي انهمرت برخصة منه. على الأقل ما دام الانقلاب حيا يرزق، وما دام يتفنن في البطش والإجرام وتدمير البلد، بفضل سفاهة وعماء صاحبنا التائب وأمثاله من الذين مهدوا الطريق لتمكن الطاغية السيسي وتوحشه، عندما فوضوه وسلموه رقاب الناس!

د. خالد سليمان
أكاديمي عربي مقيم في كندا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية