هل المحكمة الجنائية الدولية في طريقها للتفكك؟

حجم الخط
0

تمر المحكمة الجنائية الدولية هذه الأيام بأزمة وجودية بعد قرار ثلاث دول أفريقية الانسحاب منها، فقد أعلنت بورندي بتاريخ 7 أكتوبر الانسحاب أولا تلتها جنوب أفريقيا ثم غامبيا. كما أن كينيا وناميبيا لمحتا إلى أنهما تدرسان إمكانية اتخاذ قرار الانسحاب. ولا نشك أن انسحاب هذه الدول ستليه انسحابات أخرى قد تطال دولا أخرى خارج القارة الأفريقية.
وحسب القانون الأساسي للمحكمة يجوز للدولة أن تنسحب بطلب خطي ويصبح الانسحاب ساري المفعول بعد سنة من تقديمه. ومع أن المحكمة جهاز منفصل عن الأمم المتحدة إلا أن الأمين العام بان كي مون اتصل برئيس جنوب أفريقيا، جاكوب زوما، يتمنى عليه أن يعيد النظر في قرار بلاده والعدول عن القرار، خاصة أن جنوب أفريقيا كانت من الدول المؤسسة والمتحمسة للمحكمة كونها تختزن في ذاكرتها الجمعية ذكريات سنوات الأبرثايد الطويلة التي تصنف على أنها جرائم ضد الإنسانية.
ولكي نتفهم الموقف الأفريقي علينا أن نراجع عملية إنشاء المحكمة وما تضمنه نظامها الأساسي من مثالب ونواقص ومطبات استطاع مجرمو حروب الأقوياء أن يحتموا منها وأن يقع فيها مجرمو حروب الضعفاء والمهمشين والفقراء.
جاءت فكرة المحكمة الجنائية الدولية للمجتمع الدولي بعد المجازر التي ارتكبت في يوغسلافيا السابقة، خاصة في البوسنة وكرواتيا وعمليات الإبادة الجماعية في رواندا. اضطرت الأمم المتحدة عندها أن تنشئ محاكم دولية خاصة بجرائم الحرب في كلتا المنطقتين (1993 و 1994). لكن تبين أن هناك مجازر أخرى ترتكب في كثير من بلدان العالم مثل سري لانكا والكونغو والشيشان وليبيريا والصومال وسيرا ليون وغيرها الكثير. بدأت المفاوضات الطويلة والمضنية بين ممثلين عن المجموعات الجغرافية بقيادة خبراء قانونيين حاولوا أن يضعوا وثيقة متطورة للقانون الأساسي تلاحق مجرمي الحرب الذين لا يحاكمون في بلادهم. ويسد ثغرة في القانون الدولي كانت تفغر فاها خلال الحرب الباردة، تمكن من خلالها عشرات الطغاة أن يلغوا في دماء شعوبهم دون خوف أو محاسبة، حيث تمكن بعض المجرمين أن يفلتوا من أي عقاب رغم أن ضحاياهم بالملايين مثل بول بوت في كمبوديا أو عيدي أمين في أوغندا وبينوشيه في تشيلي وشارلز تايلور في ليبيريا، ولا نريد أن نعرج الان على طغاة العرب وهم كثر حتى نحافظ على سياق الموضوع.
عقدت الجمعية العامة مؤتمرا في روما في يونيو 1998 لاعتماد النظام الأساسي المقترح المسمى «نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية». وقد اكتملت كتابة النظام الأساسي والمراجعات والتعديلات وتم التصويت عليه بتاريخ 17 يوليو 1998 ونجح بـ 120 «نعم» و 7 «لا» و21 «امتناع». اكتمل النصاب القانوني المطلوب بعد وصول عدد التصديقات إلى 60 فدخلت المحكمة حيز العمل والنفاذ بتاريخ 1 يوليو 2002. وقد بلغ عدد الدول الأعضاء المنضمة لنظام روما الأساسي 124 دولة كان آخرها فلسطين. وتتكون المحكمة من جهاز إداري ورئاسة وقسم قانوني يضم القضاة الثمانية عشر ومكتب المدعي العام ومقرها في لاهاي التي تستضيف أيضا مقر محكمة العدل الدولية.
العيوب العضوية التي يحملها نظام المحكمة
أولا- كانت العضوية اختيارية مما سمح لمجموعتين من الدول أن تتملص من الالتزام بقانون روما الأساسي. مجموعة الدول القوية مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين والهند وباكستان ومجموعة دول الطغيان والقهر والانتهاكات الجسيمة وأولها إسرائيل وكوريا الشمالية وإيران وجميع الدول العربية ما عدا تونس والأردن وفلسطين وكثير من الدول الأفريقية وبليروس وأرمينيا وأذربيجان.
ثانيا- كي تتم محاكمة أحد مجرمي الحرب ينتمي لبلد ليس عضوا في المحكمة لا بد أن يكون هناك تحويل من مجلس الأمن، كما ينص على ذلك البند 13 من النظام، أي أن الدول الثلاث الكبرى التي لم تدخل المحكمة أصلا تتحكم في من يحول إلى المحكمة أو لا يحول. وقد وجدت الولايات المتحدة نفسها في وضع محرج عندما طرح موضوع تحويل ملف الرئيس السوداني إلى المحكمة عام 2007 فإن هي أيدت فيعني أنها دولة منافقة تبقى خارج المحكمة وتؤيد قراراتها، وإن هي صوتت ضد مشروع القرار فستقوم عملياً بإنقاذ البشير من المساء،لة فاختارت أن تصوت بـ»امتناع» وهو موقف أقرب إلى موقف اللاموقف. بينما لم تتورع روسيا والصين أن تستخدما الفيتو المزدوج في مايو 2014 عندما عرض على مجلس الأمن ملف بعض مجرمي الحرب في سوريا، من بينهم بعض رموز النظام وقادته الميدانيين، وقتل مشروع القرار ليستمر مسلسل المذابح في سوريا ليومنا هذا.
ثالثا- التركيز على أفريقيا أساسا ليس لأن أفريقيا خالية من مجرمي الحرب، بل لأن العالم يزخر بالمجرمين الخطيرين من خارجها. لقد فتح مكتب المدعي العام عشر حالات تحقيق رسمية ويتعامل الآن مع تسع حالات في بداية مرحلة التحقيق الأولية. وقد بلغ من وجهت له تهم رسمية 39 فردا كلهم بلا استثناء من القارة الأفريقية من بينهم الرئيس السوداني عمر البشير والرئيس الكيني أوهورو كنياتا ورئيس ساحل العاج السابق لورا غباغبو والرئيس الليبي السابق معمر القذافي وجوزف كوني، قائد مجموعة مسلحة في أوغندا.
اقترحت جزر القمر عام 2009 أن يقوم الأفارقة بالانسحاب الجماعي، لكن الموضوع تأجل، خاصة بعد تعيين الغامبية فاتو بن سودا أول أفريقية تحتل منصب المدعي العام. بعد أن استبشر الأفارقة خيرا إلا أن بن سودا لم تغير في التوجه نحو ملاحقة الأفارقة، بل اتخذت غطاء رخيصا لاستهداف الأفارقة دون غيرهم. فحتى يناير 2016 كانت المحكمة تفتح ملفات تسع حالات كلها في القارة الأفريقية.
رابعا- بناء على ضغوطات، تم استبعاد جريمة العدوان من مجموعة الجرائم التي تعتبر من اختصاص المحكمة وهي: جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وجريمة الإبادة الجماعية. وتم تفصيل هذه الجرائم وتفكيك مركباتها إلى العناصر المتقاربة أو المتجانسة فتحت بند الإبادة الجماعية هناك خمسة أنواع تندرج تحت هذا التصنيف، وتحت الجرائم ضد الإنسانية هناك 16 فرعا يفصلها النظام الأساسي جيدا، ثم تضمن القانون الأساسي تعريفا لجرائم الحرب. ويعدد النظام الأساسي 11 جريمة حرب تعتبر انتهاكا صارخا لاتفاقية جنيف الرابعة على أن تكون ضمن سياق حرب خارج الحدود وليس في الحروب الداخلية.
بالنسبة لجريمة العدوان استثنيت من النظام حيث يقول البند 8 تعريف جريمة العدوان – المحكمة ليست جاهزة لمحاكمة أشخاص ارتكبوا مثل هذه الجريمة إلى أن يتم التوافق حول المعنى القانوني للمصطلح. ولكن تم تعديل هذه البند في كمبالا عاصمة يوغندا أثناء اجتماع بتاريخ يونيو 2010 والتعديل سمح للمحكمة أن تتعامل مع الجريمة بعد حصول 30 تصديقا على الاقتراح أو قبل حلول 1 يناير 2017.
سيضع العالم ثقته في المحكمة الجنائية الدولية عندما يرى أنها تحاكم مجرمي الحرب الإسرائيليين الذي فتكوا بالشعبين الفلسطيني واللبناني ومجرمي الحرب الأمريكيين الذين جندلوا الآلاف من أبناء الشعب العراقي في حرب يعترفون بأنها غير شرعية وغير مبررة، وكذلك مجرمي الحرب من طغاة العرب الذين ارتكبوا المجازر في الحويجة والفلوجة وبروانة في العراق وجرائم ضرب الأعراس وقتل آلاف المجدنين ومجازر الحولة وحلب وإدلب والغوطة الشرقية ودير الزور والرقة في سوريا وميدان رابعة في القاهرة والكثير من المذابح في صعدة وصنعاء وعدن باليمن وسرت وطرابلس وبنغازي ودرنة بليبيا. ستعود الثقة للمحكمة عند اعتقال مجرمي الحرب الذين يرتكبون أبشع الجرائم الآن ضد مسلمي الروهينغا في ميانمار ومسلمي جمهورية أفريقيا الوسطى والقرم والشيشان وكشمير ومجرمي سري لانكا والقرم. كل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية هذه ارتكبت بعد أن دخل نظام روما الأساسي حيز الإلزام وبدأت المحكمة الجنائية الدولية تباشر عملها فلماذا الانتقائية؟ عندما نرى خلف القضبان ثلة من المجرمين من دول في الشرق والغرب، من الدول القوية والضعيفة، من الحكام الطغاة ومن جنرالات الموت وتجار الحروب والمستهترين بدماء شعوبهم ستقول أفريقيا والعالم نعم للمحكمة الجنائية الدولية وقبل ذلك سنبقى نتهكم على محكمة أقيمت للقارة الأفريقية بدلا من إنشاء محكمة خاصة صغيرة لكل مرتكبي هذه الجرائم في كل بلد على حدة.
ولا نعتقد أن تيار الانسحاب سيتوقف على جنوب أفريقيا وبوروندي وغامبيا، بل سيتعداه إلى جميع دول القارة وستلحق بالركب دول من آسيا ثم أمريكا اللاتينية ثم يأتي يوم تدفن فيه المحكمة مثلما دفنت عصبة الأمم بعد الحروب البينية التي لم تستطع السيطرة عليها. ولكن لم يفت الوقت بعد وبإمكان المحكمة أن تراجع خطة عملها بشكل واسع وتعدل نظامها ليضمن عالمية المحكمة وعدم الانتقائية أو التساهل في ملاحقة مجرمي الحروب أيا كانوا ولأي بلد ينتمون.
محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجرسي

هل المحكمة الجنائية الدولية في طريقها للتفكك؟

د.عبد الحميد صيام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية