فوجئت حين شاهدت تلك النجمة الفرنسية التلفزيونية الشهيرة «ميمي ماتي» تقف إلى جانبي بانتظار أن ينجز البائع خدمة السيدة التي سبقتنا.. فقد شاهدت لها في الأسبوع الماضي فيلمين من بطولتها في التلفزيون.
كنت في حانوت «لافاييت غورميه» في جادة (هوسمان) الباريسية أشتري خضرتي وفاكهتي حين شاهدت من ظننته في البداية صبيا في العاشرة من العمر يجر عربة خضار أمه.
نظرت إلى وجهها وعرفتها.. إنها «ميمي ماتي» هكذا ببساطة وبتواضع وهي النجمة الشهيرة في فرنسا، تجر عربة التسوق وتقوم بذلك بمفردها بلا مساعدة وهي «القزمة» شبه المعاقة جسديا أمام رفوف شاهقة في السوبرماركت.
القزمة العملاقة ليست «حيوان سيرك»..
لعل القارئ غير المقيم في فرنسا يتساءل: من هي «ميمي ماتي»؟ ولماذا ظننتها في البداية (حين لم أحدق فيها) صبيا في العاشرة؟
لأنها قزمة جدا من حيث طول القامة، ولكنها استطاعت في أفلامها التلفزيونية تبديل نظرة ملايين الفرنسيين إلى «الأقزام» وذلك ليس سهلا ويتطلب الشجاعة والإصرار والصمود في وجه المتحاملين الذين لا يخطر ببالهم أن الأقزام ليسوا ببساطة «حيوانات سيرك». إنهم كالبشر جميعا. كل ما في الأمر أن الله تعالى خلقهم هكذا، أقل طولا بكثير من المعدل العام البشري.
ما الاستثنائي الذي فعلته «ميمي ماتي»؟ لقد أعلنت بشجاعة حقيقتها كإنسانة مكتملة المشاعر والأحاسيس والخير والشر، واقتحمت مجالات إعلامية تتزاحم عليها الجميلات، ووجدت في نفسها الجرأة على تجسيد صورة القزم بدلا من الاختباء في الظلمة، وأعلنت نفسها كإنسانة في أفلام تلفزيونية يراها ملايين الناس في فرنسا ويحبونها.
ولا أدري ما إذا كان عالمنا العربي يستوردها أسوة بعشرات المسلسلات الغربية (غير الصحية نفسيا) العامرة بالدم والشر والقتل والجنس والسادية.
قبلها، كانت صورة القزم بائسة. في أحد أفلام جيمس بوند نرى القزم متخلفا وشريرا يتلذذ بالقتل خدمة لسيدة (شيطان) الفيلم التي تريد تدمير العالم.. وهو بالتالي يزعزع طمأنينتنا ويخرب حتى برنامج شفقتنا اللاواعي. ثمة عامل شخصي لانحيازي.
اعترف بأنني منحازة للشجاعة ومنحازة مرتين لها حين تقدم عليها امرأة، كما فعلت مثلا «سيدة الضاحية»، و«ميمي ماتي» الفرنسية (والفلسطينية ريم البنا) وسواهن. ومن الجميل أن تكون القزمة (التي تقوم بتوعية الملايين على إنسانية الناس الأقل طولا) امرأة.
تحية إلى الفلسطينية ريم البنا
أنتقل الآن إلى نموذج آخر للشجاعة. نموذج عربي رائج أتمنى أن يساهم في تبديل النظرة العربية العامة إلى مرض السرطان.. فقد قرأت أن فنانة جميلة شابة فلسطينية هي ريم البنا نشرت في صفحتها الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» أنها في مرحلة علاجية ثانية بدواء كيميائي جديد، ضد مرضها: السرطان. ونشرت صورة لها وقد «حلقت» شعر رأسها معلنة أنها ليست موضة ولا «صرعة» بل ضرورة علاجية.
ذلك رائع في مجتمع عربي ما زال معظم الناس فيه يسمون السرطان «ذلك المرض» كي لا يلفظوا اسمه، هذا مع العلم أنه يصيب نسبة مئوية كبيرة من النساء (بسرطان الثدي) وما يرادفه لدى الرجال أيضا سرطان (البروستات). وتضيف الرائعة ريم البنا: «الشفقة تجوز على العاجزين.. أما أنا فإرادتي كالصوان».
امرأة كهذه ستنتصر على السرطان ـ بإذن الله ـ لكنها انتصرت على ما يحيط به من كتمان، فاسم السرطان من المحرمات العربية و(التابو) الأول إلى جانب الدين والجنس والسياسة!
الطفل الجميل للشجاعة سميرة
في زيارتي إلى بيروت قبل أربعة أعوام قال لي البقال دامعا إن سميرة كريمته، ابنة العشرين، مريضة بالسرطان (في الثدي) وخطيبها تخلى عنها لذلك… والأب يخشى عليها من الانتحار.
في زيارتي الأخيرة قال لي بسعادة إن الله مَنّ عليها بالشفاء بعد العلاج الأليم الذي خضعت له طويلا، وإنها تزوجت وحملت وأنجبت صبياَ من الطبيب الذي عالجها وأحبها وتزوج منها.
تلك حكاية إنسانة لبنانية عادية تطلبت من صاحبتها الشجاعة في وجه الضربات وغدر حبيبها وغدر المرض. ولكنها قاومت.. ونجت.. وصارت أما.
«ملكة الرشاقة» لم تغفر أيضا وشاهدتها في بيروت على شاشة التلفزيون وهي تروي حكايتها: كانت بدينة واشترط عليها خطيبها فقدان الوزن الزائد وإلا، لا زواج، ونجحت بإرادتها في تحقيق ذلك، لكنها هجرته لأنه كان يحب قشرتها (الجسد) لا الروح التي تقطنه.
اللواتي يقمن بإعلان أحزانهن وصراعهن مع المرض أو البدانة أو القصر المفرط في القامة وإصرارهن على هزيمة ذلك هنّ نسمة تفاؤل في حياة الناس ويقمن بتوعيتنا على «قلة إنسانيتنا» وبتحريضنا على النظر حولنا بعمق والخجل من غرورنا اللاواعي، وثقتنا الهزلية بأن تلك الأمور لا تحدث إلا «للآخر».
والأمثلة لا تعوزنا على شجاعة المرأة العربية خاصة، والنساء عامة، في مواجهة أقدارهن.. فهل المرأة هي «الجنس الضعيف» حقا؟
غادة السمان