نجد مصطلح الغنائية يتردد بقوّة في مجال النقد إلى حد أن صار ملتبساً في ذهن النقاد قبل القراء العاديين؛ بحيث تتضارب الآراء في تلقّي الشعر الغنائي، من حيث خصيصته النوعية ووضعه تجاه باقي أنواع القول الشعري والبليغ عامة، تضارُباً ملحوظاً. فهو يُعرف بتحديدٍ موضوعيٍّ غالباً ما يكون ترجمة للأحاسيس والعواطف، ولم تُحدَّد له – بخلاف الملحمة والدراما- صيغة خاصة أكثر منها عائمة وسلبية (كلّ ما ليس سرديّاً أو دراميّاً). وأكثر من ذلك وجدنا بعض المعاصرين ينظر إلى الغنائية على أنّها «مصطلح مستنفد»، أو يُصرّح أحدهم بـ»احتراق الغنائية» أو «أفولـها» في ظلّ صعود الشعر الدرامي.
في المجال العربي، للغنائية وضع خاص يكاد يفوق غيره التباساً وتعقيداً، وذلك منذ تماهت الغنائيّة بالشعر، وهو ما لمح إليه جمال الدين بن الشيخ بقوله: «إن الأدب العربي ظلَّ إلى حدود القرن العشرين ينسب في جوهره إلى الشعر، ويلتبس تطوُّر الغنائيّة مع تاريخ الشّعر، تلك الّتي تجدها تعبيرها الأكثر تمثيلاً في القصيدة «. ولا نعثر على ذكر للغنائية كغرض أو نوع في تصنيفات القدماء في الشعر العربي، إلا ما كان يتّصل بالغناء في حالة إنشاد القصيدة؛ فإنّ تصوّرهم لم يكون مبنيّاً على مقولة الأنواع أكثر مما قام على مقولاتٍ أغراضية وعروضية. وإذا كانت مقولة الغنائي انتسبت إلى الثلاثية اليونانية (ملحمي، تراجيدي، غنائي)، إلا أن أرسطو لم يدمجها في استراتيجية بنائه للأنواع التي بدت له واضحة في عصره مثل المأساة والملهاة والملحمة. ولذلك، فإن تاريخ تداول «الغنائيّة» و«النوع الغنائي» في الشعر بدأ فعليّاً مع الإرث ما بعد الأرسطي. وفي العصر الحديث، ومنذ الرومانسية تحديداً، استعمل مصطلحا (الغنائية) و(الغنائي) بشكل سيئ وغامض لوصف الشعر، ما حال دون تحديدهما، فظلّا يلتبسان مع التعبير العفوي عن العاطفة وبثّها شعريًّا. كما ساهمت الدراسات التي كُرِّست لبحث الصوت السردي في حجب أوضاع «الأنا» الغنائي، عدا الصراع الذي كان ينشأ بين الشعراء أنفسهم إن كانوا مع عودة الغنائية أو ضدَّها. وفي سياق تمييز الأنواع أو تطوُّر الأشكال، وجدت علاقة الذات بفعلها الشعري في قلب إشكالية الغنائية.
حُجّية الكينونة
ما هي الذات الغنائية؟ هل تتعلق الغنائية بنمطٍ تلفُّظيٍّ خاص؟ كيف تتموضع «الشخصية» الغنائية؟ وأي علاقةٍ تحتفظ بها مع السيرة الذاتية؟
مثل هذه الأسئلة فكّر فيه النقد الأدبي الألماني المعروف بـاسم (تأويل العمل) الذي كان يتشكل غداة الحرب العالمية، ابتداءً مع إميل ستايجر وفولفغانغ كايزر، ثُمّ مع كيت هامبورغر التي أولت اهتمامها بالذات الغنائية في ما تسميه »الأنا- الأصل«، وتشرع في التفريق جذريّاً بين صيغتين من التلفُّظ الأدبي: من جهة النوع التخييلي الذي يُبنى من ملفوظات مختلقة، ومن جهة أخرى النوع الغنائي الذي يندرج، كما السيرة الذاتية، في »ملفوظات حقيقية«. فالنوع الغنائي، إذن، هو «غير خيالي»، لأنَّ »الأنا- الأصل« الذي يتولى التعبير عنه عبر ملفوظاته ينتمي إلى التلفُّظ التاريخي والمرجعي، وهو ما يجعل من كلام الشاعر ملفوظًا حقيقيّاً، ومن الأنا الغنائي مُتعيَّنًا لا كائنًا وهميًّا.
ومن الرومانسية إلى القضايا التي يثيرها الشعر المعاصر بموازاة مع »العودة إلى الغنائية«، لم يتوقف التساؤل حول مفهوم الذات الغنائية، أو بالأحرى حول مفهوم النوع الغنائي بحدّ ذاته، بعد النقاش النظري الذي أثارته كيت هامبورغر واستعاده بالمصطلحات نفسها عددٌ من الأبحاث المعاصرة التي تحاول أن تحسم فيه عبر اقتراحها لحلول نظرية. فقد غدا الطابع المفارق للغنائية، الحديثة تحديدًا، في صميم الجدل النظري، تبعاً لما يركز عليه النقد من هذا الوجه أو ذاك في الظاهرة نفسها (جيرار جينيت، دومينيك كومب، دومينيك راباتي..).
وفي واقع الممارسة الشعرية، منذ بودلير وتهكُّمه من الرومانسية، وما عبر عنه نيرفال أو رامبو من أنّ »الأنا هو الآخر«، أو مالارميه عن »الاختفاء الخطابي للشاعر«، أو فيرناندو بيسوا بخصوص تجربة الأنداد، أو ما كتبه أراغون عن ميتافزيقا ضمير المتكلِّم المفرد ،»لم تعد الذاتية لا نرجسية، ولا شأنًا خاصًّا، ولا هي الأنا « كما يقول هنري ميشونيك. ولم يعد من الممكن أن يقتنع مثل هؤلاء الشعراء، عبر حدوساتهم النظرية، بما يمليه عليهم التعبير عن عاطفة مغنّاة وجدوى قولها شعريًّا؛ فوضعوا الذات، من الآن فصاعدًا، موضع سؤال بشكلٍ حدد مصير الشعر الحديث ووجّهه نحو خاصية اللاتشخصن، ونحو الصوت الأبيض. وهو ما أثاره هيغو فريدريش بحديثه عن نزع الطابع الشخصي للذات في الشعر الحديث، بعد أن انعطف رواد الحداثة أكثر من أي وقت نحو لا تَشَخْصُن الصوت الشعري، بل إنّه استنتج أن الشعر الحديث، في نظره، يتغذى على المفارقة التالية: بقدر ما يكثر من قول «أنا» بقدر ما يتطلع أكثر إلى نفي الطابع الشخصي للذات.
فالمشكلة التي تطرح نفسها عند الشعراء منذ قطيعة الحداثة هي أن يكسروا العلاقة التي كانت للقصيدة في ما سبق مع الغناء، وأنّ ما ينبغي التغني به ليس الذات أو الشخص، بل الكينونة. وقد جسد هذا التحول اشتغالًا جديدا للخطاب لن يعرضه إلا الشعر ليس باستعمال الضمائر الشخصية، كأيّ خطاب آخر، بل بـ«حالة الذاتية« التي تتحقق فيه وعبره.
رهان الغيريّة
لم يعد من الممكن، حتى داخل الغنائية نفسها، النظر إلى الذات بمصطلحات نابعة من داخل الشاعر وهويته، لأنّها لا تتأسس إلا في علاقتها بالخارج الذي يُغيِّرها (من الغيرية). ولذلك، يقترح جان- ميشيل مولبوا تعريفًا جديدًا للغنائية يقوم على مبدأ الغيرية: »اختبار الغيرية، تغيير الذات، عطش الكائن للغيرية: سيكون مثل هذا هو الغنائية، بشكلٍ قاطعٍ يلاحظ من الكيفية التي تبتعد بها عن الـ»أنا «وتزيحها عن المركز أكثر من الطريقة التي »تُعبِّر عنها« بها.. «. بخلاف الغنائية التقليدية التي تعدُّ بمثابة إسقاط لمشاعر الـ«أنا»، فنظرية الغنائية الحديثة لا تعتبر الذات كحجّةٍ تعبر عن نفسها بنفسها بكثير من الامتلاك، وإنَّما هي بالأحرى نتيجة الحوار الذي تحافظ عليه مع غيريّتها الخاصة. ومثل هذه الأطروحة هي ما نجد إيميل بنفنيست يؤكد عليه من خلال لسانيّاته التي أولت قيمةً خاصة لاشتغال الـ»أنا» داخل اللغة، قائلًا: «إنَّ ما نجده في العالم هو الإنسان المتكلم، الإنسان المتكلم إلى إنسان آخر، وترشد اللغة إلى التعريف نفسه للإنسان».
وإذن، فإنّ التمظهرات الخاصة بالذات والذاتية التي ينتجها الأنا الغنائي ويبلورها داخل نظامه التلفُّظي، يجب أن تُحلَّل بناءً على مبدأ نسق الخطاب كاشتغالٍ للُّغة يثوي فيه «بُعْد الحياة» من لدن هؤلاء الذين يتكلمون. ومن ثمة، تبقى الغنائية الميدان المُميَّز لعمل الذات وتعبيريّتها في انحيازها للغناء كشرط لشفافية التعبير في الشعر، وتكمن في داخلها قائمة العواطف العظيمة التي تمثل قانون الإنسانية المشترك الذي يلهمها ويمنحها أبعاداً قادرة على حمل دلالات جديدة في مرايا التاريخ واللغة، الذاكرة والمُتخيّل.
٭ كاتب مغربي
عبد اللطيف الوراري