فرحتنا بتحرير الموصل لا يمكن أن يكون لها مثيل، كسر ظهر الارهاب في المدينة التي أعلنها عاصمة لخلافته المزعومة، واختفى خليفتهم هاربا من قبضة أسود العراق. الفرق كبير بين يونيو الهزيمة المرة 2014 ويونيو النصر والخلاص 2017، الخذلان الذي كتم أنفاسنا فأستحال علينا التقاط النفس. عصابات الارهاب تعيث تدميرا في اثارنا ومدننا، تقتل الرجال وتسبي النساء والاطفال، واليوم نصحو على اخر امتار تتحرر من «داعش»، ولا نريد أن تعكر فرحتنا بالنصر الكبير والخطوة المهمة في القضاء عليه وما تبقى له من جيوب في الحويجة وتلعفر وغرب الانبار، لكن يجب أن نفتح جرد حساب لنعي أهمية الدرس الذي دفعنا ثمنه غاليا.
معركة استعادة الموصل ابتدأت في 2016 واستمرت 260 يوما، حيث تمت محاصرة المدينة من كل الجهات، دون ترك منفذ لهروب عناصر التنظيم، ما ادى إلى استماتتهم في القتال واتخاذهم المدنيين دروعا بشرية فارتفع عدد الضحايا، شاركت قوات عراقية من الجيش وجهاز مكافحة الارهاب والبيشمركة الكردية والشرطة الاتحادية، بالاضافة إلى جهود ساندة من فصائل الحشد الشعبي وقوات حرس نينوى، ووصل عديد هذه القوات إلى حوالي 110 آلاف مقاتل، كما أسندت هذه القطعات بغطاء جوي من قوات التحالف الدولي، الذي نفذ اكثر من 20 ألف طلعة جوية، دكت دفاعات «داعش» في المدينة، من جانبه حشد تنظيم «داعش» اكثر من ستة الاف مقاتل اجنبي من تشكيلات النخبة لديه، بالاضافة إلى حوالي عشرة الاف مقاتل من المقاتلين المحليين الذين يتمتعون بخبرات قتالية جيدة، كونهم كانوا ضباطا ومنتسبين في الجيش وقوى الأمن في عهد النظام السابق، وقد استخدمت بغداد نصف ترسانتها الحربية من دروع ومدرعات ومدفعية في هذه المعركة.
الخسائر البشرية كانت بحسب تسريبات من مصادر رسمية، بين المدنيين 16 الف قتيل و30 الف جريح، أما القوات العراقية فقد كانت خسائرها 18 ألف قتيل و22 الف جريح، بينما وصلت اعداد النازحين بحسب لجان غوث اللاجئين إلى 90 ألفا في المخيمات المحيطة بالمحافظة، وتعرض 50%من شبكة الطرق الداخلية والخارجية إلى الدمار، و90% من المستشفيات والمستوصفات والمراكز الصحية دمرت، و5 جسور على نهر دجلة قطعت نتيجة القصف أو تفجيرها، عندما انسحب التنظيم من الساحل الايسر إلى الايمن من المدينة، جامعة الموصل واكثر من 300 مدرسة تعرضت لدمار أخرجها من الخدمة، كما دمر اكثر من 10 الاف منزل في المدينة، و4 محطات كهرباء و 6 محطات تحلية مياه وجميع ابراج الاتصالات، و63 دارا للعبادة تشمل الكنائس والمعابد والجوامع والحسينيات كان التنظيم الارهابي قد فجرها، والنتيجة محافظة منكوبة وفق المعايير الدولية لاعلان المناطق المنكوبة التي تحتاج إلى جهود الدول المانحة والمنظمات الدولية لتقديم يد العون في الاصلاح والترميم.
لكن هل من تسبب في كل هذا الدمار والقتل والخسائر تم تشخيصه ونال جزاءه؟ وهنا يجب أن نحدد المعطيات المتاحة عن الكارثة، ففي البدء يقف في مقدمة المسؤولين عن الكارثة سياسيون من الكتل السنية، التي اعلنت تمردا خفيا مرة ومعلنا مرات، حتى وصل إلى اعتصامات مفتوحة تدعي السلمية رفعت شعارات (قادمون يا بغداد) لاسقاط العملية السياسية برمتها، ووجدت دعما لدى طيف سني سياسي واسع. وقد رفعت ساحات الاعتصام أعلام تنظين «القاعدة»وأعلام «داعش»جهارا دون اعتراض من أحد. والساسة الذين سموا ما حصل في 10 يونيو 2014 ثورة العشائر التي ستزحف إلى بغداد وتسقط العملية السياسية موجودون اليوم وتتم إعادة تدويرهم في مؤتمرات القوى السنية للدخول للعملية السياسية من جديد.
اما من الكتلة الشيعية في الحكومة المركزية، فقد فتح تحقيق في البرلمان العراقي بعد سقوط الموصل، واصدر تقريره في اغسطس 2015 حيث احيل هذا التقرير إلى القضاء العراقي لاتخاذ الاجراءات القانونية بحق من يدان من المسؤولين عن كارثة انهيار الجيش وسقوط المدن الواحدة تلو الاخرى بيد التنظيم الارهابي، البرلمان العراقي احال للقضاء تقريرا يطالب بمحاكمة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، ومسؤولين بارزين آخرين، وحمل التقرير المالكي وأكثر من 30 مسؤولا آخر المسؤولية عن سقوط الموصل في أيدي التنظيم المتشدد، ويُتهم المالكي بأنه لم تكن لديه صورة دقيقة للخطر الذي يهدد الموصل، لأنه اختار قادة غير مناسبين وفشل في مساءلتهم.
ومن أهم نتائج التقرير ذكره أسماء شخصيات عديدة متهمة بالتورط في سقوط الموصل، على رأسها نائب رئيس الجمهورية نوري المالكي (كان رئيس الوزراء وقت السقوط)، ووكيل وزارة الداخلية السابق عدنان الأسدي، والمحافظ السابق لنينوى التي تتبعها مدينة الموصل أثيل النجيفي، ووزير الدفاع بالوكالة سعدون الدليمي. كما تضمنت لائحة تقرير الموصل أسماء مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة السابق الفريق فاروق الأعرجي، ورئيس أركان الجيش بابكر زيباري، ومعاونه عبود قنبر، وقائد القوات البرية علي غيدان، وقائد الشرطة في نينوى خالد الحمداني، إضافة إلى قادة عسكريين سابقين وحاليين.
اذن القائد العام للقوات المسلحة نوري المالكي ووزير دفاعه وكالة سعدون الدليمي ووزير داخليته وكالة عدنان الاسدي ورئيس اركان الجيش الفريق أول بابكر زيباري وقائد القوات البرية الفريق اول علي غيدان، ونائب رئيس الاركان قائد العمليات الفريق عبود قنبر، وقائد عمليات نينوى الفريق مهدي الغراوي كل هؤلاء لم يدن منهم احد، ولم يطرد أو حتى يجبر على تقديم الاستقالة طوال فترة بقاء المالكي في رئاسة الوزراء، ولم يتم إخراجهم من مناصبهم إلا بعد استلام حيدر العبادي لرئاسة الوزراء. لكن ماذا حصل بعد أن أقرت اللجنة النيابية بمسؤولية هذه الشخصيات عن الكارثة؟ الجواب لم يحصل أي شيء، ولم يتخذ القضاء اي اجراء قانوني تجاه اي فرد من الافراد المشار لهم في التقرير، بل إن المالكي رفض الاتهامات التي وجهت له بالمسؤولية عن سقوط مدينة الموصل بأيدي «داعش»، ووصف النتائج التي خلص إليها التقرير بأنها «لا قيمة لها»، وقال – عبر حسابه على فيسبوك – أن سقوط الموصل سببه مؤامرة حاكتها تركيا، كما هدد بشكل مبطن رئيس لجنة الامن والدفاع البرلمانية النائب حاكم الزاملي الذي ترأس اللجنة البرلمانية التي حققت في الامر، بملفات فساد وتجاوزات قانونية قديمة، يمكن أن يثيرها ضده، اذا استمر في اثارة موضوع الموصل، كما أن كتلة المالكي البرلمانية (دولة القانون) سرعان ما عملت على خلق التكتلات البرلمانية الجديدة (جبهة الاصلاح) والدعوة باسم الاصلاح الحكومي والبرلماني، حيث قادت انقلابا ابيض كاد يطيح بالعملية السياسية برمتها، عبر إقالة الرئاسات الثلاث من خلال ما عرف باعتصام نواب الاصلاح، والتصويت على إقالة الجبوري رئيس البرلمان الذي روج لتقرير سقوط الموصل قبل اشهر، لكن كتلة الاحرار بقيادة مقتدى الصدر افشلت المسألة في لحظاتها الاخيرة. من جانبهم الساسة الكرد لعبوا الجزء الخاص بهم من الكارثة، من خلال سيطرتهم على المناطق المتنازع عليها في سهل نينوى وكركوك وديالى وحصلوا على الدعم المباشر من الغرب، اسلحة ومعدات حديثة للوقوف بوجه «داعش» الذي هدد عاصمتهم اربيل، وبذلك تقوى وضعهم التفاوضي حول الاستقلال مع المركز، وهذا ما سنشهده عبر الاستفتاء على تقرير المصير في سبتمبر المقبل، إن كارثة انسحاب بيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني من سنجار، وترك الايزيديين لقمة سائغة للافتراس من قبل «داعش»، لا احد يجرؤ على طرحها اليوم، بل يتهم رئيس الاقليم مسعود بارزاني من جانبه المالكي مدعيا انه عرض عليه المساعدة لمنع سقوط الموصل بيد داعش، الا أن المالكي كان متخوفا من تمدد الاكراد في المناطق المتنازع عليها فرفض ذلك، بينما نحن نشاهد كل يوم ما يناقض ذلك من خلال امتناع الاكراد عن زج البيشمركة في اي نقطة يمكن أن ينسحبوا منها لاحقا لانهم يعتبرون ذلك خسائر غير مبررة.
اذا هل سنضع كل ذلك نصب اعيننا ونحن نحتفل بانتصارنا الباهر على داعش؟ اتمنى ذلك.
كاتب عراقي
صادق الطائي