إسطنبول ـ «القدس العربي»: يتزايد اعتماد حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا على «الخطاب الديني» لكسب أصوات الناخبين في الانتخابات البرلمانية المقبلة، وذلك بعد أن نجح الحزب «الإسلامي المحافظ» بحكم البلاد التي يشكل المسلمون 98٪ من عدد سكانها لمدة 12 عاماً متتالية.
ويقدم الحزب الذي كان يتزعمه رجب طيب أردوغان قبيل تقديم استقالته ليصبح رئيساً للبلاد في انتخابات عامة نفسه على أنه حامي الحريات الدينية لشريحة المحافظين في المجتمع وذلك بعد عقود من التضييق التي تعرضت هذه الشريحة الواسعة من الشعب في ظل الأنظمة العلمانية التي حكمت البلاد.
ويتزعم الحزب حالياً رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو لكن أردوغان ما زال يمتلك نفوذاً واسعاً داخل أروقة الحزب كونه أحد المؤسسين الأوائل وزعيمه لقرابة 12 عاماً، بالإضافة إلى الكاريزما التي يتمتع بها من بات يوصف بأنه «الرجل الأقوى في تاريخ البلاد» بعد الزعيم التاريخي مصطفى كمال أتاتورك.
ومن المقرر أن تجري الانتخابات العامة في السابع من شهر يونيو/حزيران المقبل، لاختيار 550 نائباً في البرلمان، حيث يسعى «العدالة والتنمية» للفوز بالفترة الرابعة على التوالي من أجل الاستمرار بالحكم، وتحقيق رؤية أردوغان بكتابة دستور جديد للبلاد البالغ عدد سكانها 78 مليون نسمة، وتحويل نظام الحكم إلى رئاسي. وأعلنت الأحزاب المشاركة في الانتخابات قوائمها النهائية للمرشحين في إشارة لانطلاق السباق الانتخابي المتوقع أن يشهد منافسة حميمه بين «العدالة والتنمية»، وأحزاب المعارضة الرئيسية متمثلة في حزب الشعب الجمهوري والحركة القومية، والحزب الممثل للأكراد.
وتؤيد شريحة واسعة من الشعب التركي الإجراءات التي اتخذها حزب العدالة والتنمية طوال سنوات حكمه الماضية على صعيد منح مزيد من الحريات الدينية التي كانت ممنوعة في السابق، ومنها السماح بارتداء الحجاب في جميع مرافق الدولة والتوسع في بناء المساجد وفتح مراكز تحفيظ القران وإدخال مواد اختيارية وإجبارية من الدين الإسلامي في المناهج التعليمية للمراحل الأساسية بالتعليم.
في حين يعترض حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة على هذه الإجراءات ويعتبرها محاولة من قبل أردوغان وحزبه لـ«أسلمة الدولة» وفرض رؤيته للحياة الاجتماعية على المواطنين، حيث رفعت الحكومة من الضرائب على المشروبات الكحولية وسن البرلمان قوانين تعاقب من يشرب الكحول في الأماكن العامة.
وطغت المظاهر الإسلامية على الدولة الرسمية خلال السنوات الأخيرة بشكل كبير، حيث باتت زوجات كبار قادة الجمهورية يظهرن بالحجاب الذي أُدخل إلى البرلمان للمرة الأولى أيضا، في حين يحرص أردوغان وداود أوغلو ووزرائه على المشاركة في صلاة الجمعة بشكل دوري، وباتت تلاوة آيات من القرآن الكريم الفقرة الأولى في افتتاح المشاريع الضخمة في الدولة، فيما يستدل كبار قادتها في خطاباتهم بالآيات الأحاديث النبوية.
والسبت، قال أردوغان: «نحن لا نريد شبابا يتجول مسلحا بسكاكين، وزجاجات المولوتوف الحارقة، ونبالٍ ليقذف بها كراتٍ حديدية. نحن نريد الاحترام والحب، وجيلا يسير على هدي النبيّ الحبيب محمّد صلّى الله عليه وسلّم».
وأضاف في الكلمة التي ألقاها خلال حفل توزيع جوائز مسابقة «السيرة النبوية» في مدينة اسطنبول: «نحن نريد جيلا يمسك بقلم في يده ليكتب لنا سيرة نبى الهدى، ورسول السلام، على ورقة، ليقتدي بها في حياته. نريد جيلا يعرف كتابه ونبيه، يعيش دينه كما ينبغي، وأن يكون على دراية بتاريخه وثقافته. وإنني سأشعر بالفخر باسمي وباسم الأمة والشعب التركي، إذا حصلنا على جيل بهذا الشكل، لأنه سيكون الضامن لبقاء أمته، واستمرارها».
وعن الانتخابات، قال: «بعضهم يخرج ليتحدى القرآن، وآخرون يتحدون سنّة النّبيّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم وهديه. ولا جرم أنهم يفعلون ذلك بذريعة الديمقراطية والحرية. لكن من المؤكد أن شعبنا سيلقنهم الدرس اللازم في الزمان المناسب»، مضيفاً: «هناك أشخاصاً تزعجهم أصوات الأذان بتركيا، ولا شك أن المكان المناسب للرد على أولئك هو صناديق الانتخابات الديمقراطية».
وقبل قرابة العام وفي مهرجان انتخابي في مدينة إسطنبول وأمام قرابة 2 مليون من أنصاره، عاد أردوغان ليكرر قصيدة «مساجدنا ثكناتنا، قبابنا خوذاتنا، مآذننا حرابنا، والمصلون جنودنا، هذا الجيش المقدس يحرس ديننا»، وهي الكلمات التي دفعت الجيش للزج به إلى السجن عام 1998 بتهمة التحريض على الكراهية الدينية.
وتشير آخر استطلاعات الرأي إلى أن حزب العدالة والتنمية سيفوز بنسبة أقل بقليل من 50٪ من أصوات الناخبين، في حين تتقاسم أحزاب المعارضة النسبة المتبقية، الأمر الذي يؤشر إلى أن العدالة والتنمية سيتمكن من تشكيل حكومة جديدة بمفرده لخمس سنوات مقبلة.
إسماعيل جمال