هل بدأت المواجهة المؤجلة بين بغداد وأربيل؟

حجم الخط
5

بغداد ـ «القدس العربي» من مصطفى العبيدي: كل المؤشرات في المشهد العراقي، تؤكد ان المخاوف وتوقعات بروز نزاع جديد في العراق، في مرحلة ما بعد الانتهاء من تنظيم «داعش» هي حقيقة عززتها المواجهة المتصاعدة بين حكومتي بغداد وأربيل.
والمتتبع لنبرة التهديدات والتحدي المتبادل عبر سلسلة العقوبات والإجراءات المتسارعة الصادرة من بغداد ضد حكومة الإقليم، ومنها نية الحكومة فرض سيطرتها على المناطق المتنازع عليها، ومحاكمة مسؤولي الإقليم وغلق المنافذ الحدودية والمطارات وقطع مرور النفط من الإقليم عبر تركيا، وغيرها من القرارات، تؤكد كلها حتمية وقوع التصادم، لأنها لا يمكن ان تنفذ إلا بالقوة.
ان إجراء الاستفتاء وتأكيد انه خطوة نحو إعلان الدولة الكردية في أمد لا يتجاوز السنتين حسب تصريحات رئيس الإقليم مسعود بارزاني، وفر المبرر لبغداد لإعلان إجراءاتها العقابية المتنوعة التي لا يختلف أحد على انها تدخل ضمن سياسة فرض الحصار الخانق وعزل الإقليم من خلال قطع كل الموارد والصلات الاقتصادية والمالية والدبلوماسية مع دول العالم، وهو ما يذكرنا بالحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق عقب احتلال الكويت عام 1991.
ومع تصاعد نبرة التحدي وضجيج التهديدات من قوى متشددة من الطرفين تصر على تأزيم الموقف، ومنها قوى معروفة في التحالف الشيعي، تستغل الأزمة لتوجيه المزيد من الضغوط على رئيس الحكومة حيدر العبادي، لا يبدو ان لصوت العقل والحكمة التي تصدر من هنا وهناك عبر مبادرات ودعوات الحوار، أي تأثير في ايقاف تدهور العلاقة بين الحكومتين في الإقليم وبغداد.
وجاء رد حكومة إقليم كردستان، على قرارات بغداد العقابية، ليزيد الطين بلة، عندما أعلنت رفضها قرارات برلمان وحكومة العراق بشأن استفتاء استقلال كردستان، واصفة اياها أنها «غير دستورية وغير قانونية، وان عملية الاستفتاء لا تتعارض مع الدستور العراقي ولا مع القوانين الدولية» مع اعلان الاستعداد للحوار والتفاوض.
وعلى الجانب الآخر، رفض مكتب رئيس الوزراء حيدر العبادي، وصف حكومة الإقليم، الإجراءات العقابية، بأنها «عقوبة جماعية ضد شعب كردستان» مؤكدا ان حكومة بغداد لا تريد الحاق الضرر بالمواطنين الكرد، ولكن الجميع يتفقون على ان المواطن الكردي سيكون هو المتضرر أكثر من حكومة أربيل أو الأحزاب المتحمسة للاستفتاء، خاصة وان الضائقة الاقتصادية التي يمر بها الإقليم منذ سنوات، تركت أثرها الواضح على أوضاع المواطنين الكرد المعيشية، فكيف إذا ازدادت هذه الضغوط عليهم؟
ويؤكد مطلعون في الإقليم، ان الشارع الكردي يعيش في قلق حقيقي وهو يراقب سريان تنفيذ الإجراءات العقابية على الإقليم، بدءا بقطع الطرق البرية واغلاق مطاري أربيل والسليمانية، وإعلان تركيا انها ستتعامل مع بغداد بخصوص الصادرات النفطية من الإقليم والمنافذ الحدودية، ما يعني حرمان حكومة الإقليم من أهم مورد للعملة، إضافة إلى سلسلة طويلة من الإجراءات التي ستلحق الضرر بالوضع الاقتصادي.
إلا ان أكثر ما يثير المخاوف، هو ان الطرفين في أربيل وبغداد، ورغم تأكيدهما التمسك بالحلول السلمية في إدارة الأزمة الجديدة التي فجرها الاستفتاء، إلا ان العقوبات والإجراءات الصادرة من البرلمان الاتحادي والحكومة العراقية ومنها فرض سيطرة القوات العراقية على المناطق المتنازع عليها، وتبادل التهديدات وخلق الأجواء المشحونة، تؤكد ان المواجهة المسلحة بين الطرفين متوقعة وليست بعيدة كما يتمنى معظم العراقيين.
‏وعن العامل الخارجي في الأزمة، أشارت حكومة الإقليم إلى أنها «طمأنت دول الجوار ودول المنطقة حول مرحلة ما بعد الاستفتاء مؤكدة على ان هذه العملية لن تؤثر على الأمن القومي لأي دولة «. إلا ان الواقع الإقليمي يخالف هذا التطمين، وهو ما رأيناه من خلال تشجيع الاستفتاء، أكراد سوريا على الحديث عن إقامة الفدرالية أو الانفصال، اضافة إلى خروج أكراد إيران في تظاهرات مؤيدة لاستقلال كردستان العراق، عدا التمرد الكردي المسلح في تركيا. ولا يمر يوم دون صدور تصريحات من تركيا وإيران تلوح بالعقوبات، بالتزامن مع اتصالات وزيارات بين القادة السياسيين والمسؤولين العسكريين في البلدان الثلاثة، مصحوبا بتحشيد إيران وتركيا لقواتها على حدود الإقليم وإجراء المناورات والقصف لأراضي الإقليم.
وفي خضم هذه المعمعة، طرحت الأمم المتحدة والجامعة العربية، إضافة إلى نائب رئيس الجمهورية اياد علاوي، مبادرات للوساطة بين بغداد وأربيل، لحل هذه الأزمة الخطيرة، وسط موقف أمريكي غامض وغير حاسم. وهو ما يؤكد ان هذه الأزمة فتحت أبوابا إضافية للتدخل الخارجي في شؤون العراق الذي يعاني أساسا من الصراع الدولي والإقليمي للهيمنة عليه.
والمؤكد في الأزمة الجديدة، ان الاستفتاء والاحتمالات المفتوحة أمامه، زاد من الانقسامات بين الشعب العراقي والقوى السياسية، ونسف التحالف الشيعي الكردي، وسط وقوف الطرف السني مترددا في اتخاذ موقف نتيجة تخوفه من ان تكون مدنه المدمرة ساحة المعركة الجديدة المفتوحة الآفاق، مع قناعة الجميع ان المواجهة المسلحة بين أبناء الوطن الواحد، يكون الجميع فيها خاسرا. فهل تستطيع الحكمة ان تسكت طبول الحرب في الوقت المناسب؟ نأمل ذلك.

هل بدأت المواجهة المؤجلة بين بغداد وأربيل؟

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية