هل تبذل أمريكا كل جهدها لدعم بوتين وخامنئي؟

حجم الخط
5

في سياق الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة قال المرشح الديمقراطي البارز بيرني ساندرز: إن البنوك والشركات الكبرى تتحكم بالكونغرس والإدارة والطبقة السياسية الأمريكية، على عكس المفروض، وهو أن تتحكم الحكومة بالبنوك والشركات.
هذا الكلام ليس اكتشافا وليس جديدا، لكن ترافقه مع الكثير من السياسات الداخلية والخارجية الأمريكية الغريبة وغير المفهومة، كان السبب فيما أحدثه من صدى شعبي جعل هذا المرشح العجوز «رغم أهمية عامل السن في الانتخابات الأمريكية»، يصعد ويشكل خطرا جديا على باقي المرشحين. وفي إحدى المناظرات صرح ساندرز: كل المرشحين باستثنائي تمول حملاتهم الشركات والبنوك الكبرى، قال ذلك وجها لوجه متحديا أن يجرؤ أي مرشح على تكذيبه، لكن بما أن هناك مؤشرات كافية ومقنعة على أن هذا الكلام فيه وجهة نظر، وإن هذه الكيانات المالية الكبيرة هي التي تحدد وترسم السياسات، وبالتالي لا يعود هناك دور لشعارات من نوع «القيم الأمريكية « وحقوق الإنسان، فرأس المال لا يأبه للاعتبارات الأخلاقية والإنسانية، لأنه يفضل الاستقرار الذي يؤمن الجو المناسب لنمو وازدهار الاستثمارات.
هذا الموضوع قد يقدم تفسيرا يساعدنا في محاولة فهم السياسات الأمريكية الحالية. فعلى ما يبدو أن أهم هدف للولايات المتحدة حاليا هو محاولة تجنب أو تأخير حالة الانهيار التي ستصيب يوما ما كيانات سياسية كبرى كروسيا الاتحادية، أو الصين الشعبية، أو كيانات متوسطة كإيران الإسلامية وغيرها. فهذه الأنظمة تقوم على القهر واستخدام القبضة الأمنية العارية بتجليات مختلفة لحقيقة واحدة هي جمهوريات الخوف. يعلم كل المتابعين أن هذا الوضع لن يستمر طويلا، ولكنهم يعلمون أيضا أن سيناريوهات التحول عند هذه المجتمعات تحمل مخاطر كبيرة على استقرار العالم سياسيا واقتصاديا، ولذلك فإن ما تقوم به الإدارة الأمريكية الحالية هو فعل ما تستطيع لدعم استقرار هذه الأنظمة. من الممكن أن نتفهم أن تقوم الولايات المتحدة بكل ما تستطيع لتجعل جمهورية الصين الشعبية ذات النظام الشيوعي وحكم الحزب الواحد، تتجاوز حالة الركود الحادة التي تمر بها اليوم فآلاف الشركات الأمريكية نقلت الكثير من معاملها للصين، وفي الوقت نفسه تستثمر الصين مئات المليارات من الدولارات في الأسواق والسندات الأمريكية، ولذلك من الواضح أنه ليس من الحكمة الحديث في الإعلام الأمريكي أو في الكونغرس عن اضطهاد للبوذيين التيبيتيين التابعين للدايلي لاما، أو حملات التطهير العرقي التي يتعرض لها ملايين المسلمين في الصين، وعلى أمريكا أيضا إغماض عينيها عن التمدد والسيطرة الصينية على البحر الجنوبي وثرواته الهائلة على حساب كل حلفاء الولايات المتحدة في تلك المنطقة، المصدومين من اللامبالاة الأمريكية. لذلك لن نستغرب كثيرا الموقف الرسمي والمعلن الأمريكي الحريص على استقرار الاقتصاد الصيني.
عند انتقال حديثنا إلى روسيا، أكبر دول العالم مساحة، وثاني قوة عسكرية ونووية في العالم، مع نظام ذي طبيعة ديكتاتورية مترافقة مع سجل إجرامي حافل: من اغتيال المعارضين الروس داخل روسيا وخارجها، إلى إسقاط الطائرة الأوكرانية وقتل ركابها، إلى قصف الأراضي الأوكرانية والسورية وقتل الآلاف من المدنيين، إلى الفساد والسرقات على طريقة المافيا، مع أزمة اقتصادية خانقة، بدون وجود أي مؤشرات أو دلائل على إمكانية تجاوزها، فحسب دراسة حديثة – بعد انخفاض أسعار النفط – توقع بعض الخبراء الاقتصاديين أن هناك ست دول في خطر انهيار اقتصادي إذا استمرت أسعار النفط المنخفضة الحالية خلال العام ونصف العام المقبل، أهم هذه الدول هي جمهورية روسيا الاتحادية «لا تتضمن هذه القائمة دول الخليج أو إيران». أما من النواحي الأخرى فالوضع في روسيا أكثر سوءا، فإدمان الكحول والمخدرات في مستوى يمكن تصنيفه كوباء، أما الأيدز فقد تجاوز الرقم الرسمي لعدد المصابين المليون في أكتوبر 2015من أصل 140 مليون عدد السكان. ومن المرجح حسب الخبراء أن الرقم الحقيقي أكبر من ذلك بكثير، وقد توفي نتيجة الأيدز في روسيا عام 2014 أكثر من 24 ألف شخص، أي بمعدل ألفين كل شهر، وعند معرفة أن أغلب ضحايا الأيدز من الشباب، ندرك حجم المشكلة التي نتكلم عنها. النظام الحالي في روسيا لديه أسباب كافية تجعله معرضاً للانهيار في أي وقت، خصوصا مع عدم وجود مؤسسات حقيقية للدولة، مع تطور سلطات بوتين كحاكم فرد خلال الستة عشر عاما الماضية. ما الذي تفعله الإدارة الأمريكية والطبقة السياسية الأمريكية الحالية والإعلام الأمريكي؟ إنها تفعل ما في وسعها لإطالة عمر الدولة البوتينية، ومن الطرق التي وجدتها لذلك هي مساعدة الإعلام الروسي على الترويج لقيصر جديد يعيد أمجاد روسيا العظمى، واتخاذ مواقف في السياسة الخارجية تساعد على إظهار هذه الدولة ذات الاقتصاد المتخلف مقارنة مع أغلب دول العالم كقوة عظمى، وكأنه لا يمكن حل أي مشكلة في العالم من دونها؟ هذا الترويج الإعلامي الموجه والمقصود ساعد بوتين حتى اليوم على الظهور في شكل بطل قومي تاريخي على شاكلة بطرس الأكبر، مع تجاهل تام لشبهات الفساد المحيطة به وبعائلته.
هذا بالنسبة لروسيا فماذا عن إيران، من الناحية الاقتصادية الوضع الإيراني كارثي حتى قبل انخفاض أسعار النفط، ولا حاجة للاستفاضة في الحديث حوله، أما من الناحية الاجتماعية فالمخدرات كارثة وطنية
حقيقية كمتنفس للشباب الذين لا يوجد ما ينتظرهم في المستقبل سوى الإحباط والطرق المسدودة. ومن الناحية السياسية تعيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية فوق برميل بارود حقيقي من الناحية القومية بين
المكونات المختلفة والمتناحرة التي تشكل اليوم الجمهورية الإسلامية كالفرس والأذربيجانيين «الأتراك» والأكراد والعرب والبلوش. أما من ناحية معارضة النظام السياسي، فهذا يشمل أغلبية سكان إيران ومن
مختلف القوميات، ولذلك ترى الحرس الثوري والتشكيلات الأمنية الأخرى هي التي تحكم إيران، من خلال نشر الرعب والإعدامات والاعتقالات. ما الذي تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية تجاه هذه الدولة المسؤولة عن نشاطات إرهابية حول العالم كان من ضحاياها مئات الأمريكيين؟ يبدو أن أمريكا تقوم بكل ما تستطيع لإطالة عمر النظام الإيراني لأن انهياره يحمل مخاطر لا يمكن التنبؤ بحجمها على المنطقة والعالم. من الناحية الاقتصادية حرصت أمريكا أكثر من إيران نفسها على إسعاف الاقتصاد الإيراني بعشرات المليارات من الدولارات بذرائع مختلفة، ومن الأمثلة الغريبة أن الولايات المتحدة أعادت بعض الأموال المجمدة لإيران، بعد إزالة العقوبات عقب الاتفاق النووي، مضاعفة عدة مرات لإضافة فوائد مركبة للمبلغ الأصلي! كمثال نادر للنزاهة.. أما من الناحية السياسية فقد جعلت الإدارة والإعلام الأمريكيين من أشخاص ينتمون لزمن ماض ولعصور الظلام مثل، خامنئي وروحاني أبطالا ورموزا وطنيين، على أمل المساعدة في إطالة عمر نظام لا يملك أيا من مقومات الاستمرار. الأمثلة كثيرة لكنها تدور حول أن توجهات الطبقة السياسية الأمريكية، إن كان في الإعلام أو في سياسات كلا الحزبين تدور حول العمل على إطالة عمر أنظمة ديكتاتورية مارقة لا تخضع لأي اعتبارات أخلاقية أو إنسانية، والتفسير (حسن النية) لهذه السياسات هو أنها تهدف لتجنب حدوث خضات اقتصادية وسياسية قد لا يستطيع العالم تحملها.
يبقى تساؤل أخير، هل باستطاعتهم الاحتفاظ بمثل هذه الأنظمة المنتهية الصلاحية السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية لفترة طويلة؟ هذا ما ستجيب عنه السنوات القليلة أو حتى الأشهر المقبلة.

٭ كاتب سوري

د. عماد بوظو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية