هل تتحالف أمريكا مع «الاسلام الجهادي» ضد روسيا وإيران؟

حجم الخط
5

تكشّفت الحروب في سوريا والعراق واليمن ومصر (سيناء) وليبيا وتونس والجزائر عن حقيقة صارخة: «الإسلام الجهادي»، بمختلف أركانه وتنظيماته، بات قوة ثالثة، سياسية وعسكرية، في مجتمع دولي متعدد الأقطاب.
لا يقتصر حضور «الإسلام الجهادي» على حروب يشنّها ضد دول وحكومات في بلاد العرب، بل يقود حروباً وعمليات إرهابية وعنفا أعمى في افغانستان وباكستان وتركيا، كما في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة واستراليا، ناهيك عن روسيا الاتحادية.
أبرز اركان «الإسلام الجهادي» وتنظيماته اثنان :»القاعدة» و»الدولة الإسلامية في العراق والشام ـ داعش». تنظيم «القاعدة» له حضور قوي في اليمن الجنوبي (عدن وحضرموت) كما في شمال غرب سوريا (محافظة ادلب). تنظيم «داعش» باتت له دولة فاعلة في غرب العراق (محافظات نينوى «الموصل» والأنبار وصلاح الدين) وفي شرق سوريا (مناطق من محافظات الرقة والحسكة ودير الزور وحلب).
الولايات المتحدة أدركت قبل غيرها قوة «الإسلام الجهادي» وحضوره، فحرصت على التسلل باستخباراتها إلى بعض تنظيماته، كما لم تتورع عن التعاون مع بعضها الآخر، ولاسيما مع «داعش» في العراق وسوريا، ومع «جبهة النصرة» في سوريا. التعاون مع هذين التنظيمين اتخذ صيغة إجارة الخدمات عند التقاء المصالح السياسية والاهداف الميدانية في الصراع مع خصوم مشتركين.
التعاون الميداني بين الولايات المتحدة و»داعش» انحسر مؤخراً نتيجةَ توسع «الدولة الإسلامية»، ولا سيما في العراق، ما هدد مصالح واشنطن وحلفائها المحليين. لكنه مرشح إلى العودة والتجدد حيال بروز تطور جديد وخطير: وثوب روسيا إلى سوريا وتكثيف وجودها العسكري فيها وتوسيع مشاركتها القتالية إلى جانب الجيش السوري في الحرب ضد مختلف تنظيمات «الإسلام الجهادي»، ولاسيما جناحه الإرهابي التكفيري.
تبدو الولايات المتحدة مرتبكة حيال «الهجمة» الروسية السريعة والواسعة الممتدة من بحر قزوين إلى البحر المتوسط، ناهيك عن اجواء سوريا في العمق، وفي محاذاة حدودها مع تركيا والعراق. ذلك أن تداعيات ومفاعيل عدّة نجمت عن «هجمة» روسيا، يمكن تلخيصها على النحو الآتي:
دعم الجيش السوري لوجستياً ونارياً وتمكينه من الانتقال من حال الدفاع إلى حال الهجوم في مناطق عدّة في وسط البلاد وشمالها الغربي.
رفع معنويات الشعب السوري وعودة شبّانه إلى تلبية نداء خدمة العلم أو التطوع في كتائب «الدفاع الوطني» المؤازرة للجيش.
انتعاش القوى المناهضة للولايات المتحدة في العراق وارتفاع أصوات المطالبين بأن يمدّ سلاح الجو الروسي نشاطه لضرب «داعش» في مواقعه العراقية، بعدما تكشّف هزال ضربات «التحالف الدولي» الذي تقوده أمريكا.
تراجع دور تركيا وفعاليتها في الساحة السورية، ولاسيما بعد اضطرار التنظيمات الإسلاموية الأجنبية (الشيشانية والتركستمانية والايغورية) المتحالفة معها إلى التقهقر باتجاه حدودها مع سوريا.
انتعاش قوى المقاومة اللبنانية والفلسطينية المتحالفة مع سوريا، خصوصاً قوى المقاومة ومناصريها في الضفة الغربية وغزة، وحتى في المناطق المحتلة عام 1948، وارتباك حكومة نتنياهو حيالها ناهيك عن عجزها عن السيطرة على انتفاضاتها الشعبية المتعاظمة.
إعلان مصر دعمها للتدخل العسكري الروسي في سوريا ضد «داعش»، ووضوح اغتباطها من انعكاس ذلك سلباً على «غريمتها» السياسية والإستراتيجية: تركيا.
تزايد مشاركة إيران ميدانياً في الحرب ضد الإرهاب في سوريا بدلالة إعلان الحرس الثوري الإيراني عن استشهاد أحد أركانه الجنرال حسين همداني، العامل كمستشار لدى الجيش السوري في منطقة حلب.
كل هذه الواقعات والتطورات تدرسها واشنطن بعناية، فماذا عساه يكون قرارها؟ هل تردّ ميدانياً على روسيا أم سياسياً ام بكليهما؟
تطور ذو دلالة أن يصرح وزير الدفاع الأمريكي اشتور كارتر محذراً روسيا في اجتماع وزراء الدفاع في دول حلف شمال الاطلسي بقوله: «خلال الأيام المقبلة سيبدأ الروس بتكبد خسائر بشرية». التصريح يحتمل تفسرين: تحذير موسكو من قيامها بدعم الجيش السوري بكتائب قتال برية، أو أن تكون واشنطن بصدد تزويد تنظيمات «الإسلام الجهادي» في سوريا اسلحةً فتاكة، من شأنها إلحاق خسائر فادحة بالقوات المحاربة، سواء كانت سورية أو روسية.
بعض مؤشرات التحذير الامريكي سرعان ما تبدّى على الارض: وحدات من «جبهة النصرة» قامت باستعمال صواريخ «تاو» المضادة للدروع، وأعلنت تحقيق «مجزرة دبابات» في الجانب السوري. القيادة السورية كذبت مزاعم «النصرة» ودعمت تكذيبها بسرد اسماء المواقع التي تمكّن الجيش السوري من السيطرة عليها في سهل الغاب وشمال محافظة حماة. إلى ذلك، أكدّ مصدر عسكري سوري أن صواريخ «تاو» التي استعملتها «النصرة» هي جزء من «كدسة» لا تقل عن الف صاروخ مضاد للدروع كانت تركيا زودتها «النصرة» عشيةَ السيطرة على بلدة جسر الشغور قبل اشهر.
الارجح أن قرار واشنطن النهائي في طبيعة الرد على موسكو سيُتخذ بعد تقويم احتمالات واعتبارات معينة، والإجابة عن الاسئلة التي تثيرها:
هل تدخّلُ روسيا العسكري مرده ومسوّغه دعمُ حضورها ونفوذها في سوريا، كما اختبار بعض اسلحتها الجديدة المتطورة؟ أم أنه ينطوي على أهداف أخرى أبعد مدى وخطورة؟
هل يؤدي دعم روسيا لسوريا إلى نجاح محور قوى المقاومة في طرد تنظيمات الإرهاب من بلاد الشام، وبالتالي تكريس وجود إيران على حدود فلسطين المحتلة من جهة ووصولها إلى مياه البحر المتوسط من جهـة اخرى؟
هل يؤدي التطوران السالفا الذكر إلى إضعاف، إن لم يكن إلى طرد نفوذ أمريكا من المشرق العربي، كما إلى تهديد أمن «اسرائيل»؟
في ضوء الإجابة عن هذه الاسئلة سيتقرر الرد الامريكي، سواء بصيغة سياسية أو عسكرية. اذا ما تبيّن أن التدخل الروسي ستكون له مفاعيل استراتيجية سريعة وقوية، فإن رد واشنطن سيكون، على الارجــــح، عسكرياً وذلك باعتماد صيغة متقدمة لحرب بالوكالة تتحـــقق بإقامة تحالف مرحلي مع قوى»الإسلام الجهادي» وتنظيماته الاقوى («داعش» و»النصرة» وغيرهما) وتزويدها أسلحةً فتاكة متطورة لكسر حدّة الهجمة السورية – الروسية المتعاظمة، والحؤول دون قيام رديف لها في العراق، والسماح لتركيا بمباشرة دور لوجستي وعسكري أوسع في شمال سوريا، والإيعاز إلى «اسرائيل» بأن تلعب دوراً مماثلاً في جنوب سوريا.
أما إذا كان تقدير واشنطن أن بإمكانها احتواء مفاعيل الحضور الروسي المتعاظم في سوريا (وربما في العراق) ضمن حدودٍ لا تؤذي نفودها ولا أمن اسرائيل، وتتضمن توافقاً على تسوية سياسية تحدد حصص الاطراف المتصارعة ليصار إلى تظهيرها واعتمادها في مجلس الامن الدولي أو في «مؤتمر جنيف -3»، فإنها سوف تستبعد (او تؤجل) أي ردٍ عسكري من الطراز المشار اليه آنفاً. أياً ما سيكون عليه قرار واشنطن وحظوظه من النجاح أو الفشل، فإن الحرب في سوريا وعليها ليست مرشحة لنهاية قريبة.

٭ كاتب لبناني

د. عصام نعمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية