هل تتحالف الولايات المتحدة مع «جبهة النصرة» في سوريا… ومع طهران وروسيا؟ ظهور الأمير بندر في اجتماع الملك عبدالله ـ كيري أغضب الأمريكيين

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: بدون السعودية وتركيا لن ينجح التحالف الأمريكي الدولي ضد داعش، تناقش صحيفة «التايمز» البريطانية حيث وصفت مؤتمر باريس الذي وافق فيه وزراء 30 دولة مع الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند على أن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» يمثل تهديدا دوليا ويحتاج لرد دولي.
ومع ذلك ترى الصحيفة أن هذا التحالف الدولي يشبه «حلوى» قابلة للإنهيار في أي وقت خاصة أنه يواجه واقعا صعبا ناتجا عن تداخل حربين أهليتين. وفي الوقت الذي ترى فيه الصحيفة إن أمريكا وبريطانيا لن ترسلا قوات برية للعراق إلا أنها دعت لإقناع السعودية وتركيا لعب دور مهم في الحملة.
مشيرة إلى صعوبة مساعدة تركيا حملة عسكرية ستؤدي إلى تقوية النظام السوري، وصعوبة مشاركة السعودية في حملة ستعمل على تعزيز الحكومة التي يسيطر عليها الشيعة في العراق وبالتالي تقوية إيران.
ولكن «التايمز» ترى أنه بدون مشاركة قوية من هاتين الدولتين اللتين تعتبران عماد الأمن في المنطقة فلن يؤدي التحالف لثماره المنشودة منه. وتعتقد الصحيفة أن استراتيجية لمحو «داعش» الذي قدرت المخابرات الأمريكية تعداد قواته بحوالي 31.000 جندي لن تنجح حالة اكتفت بالغارات الجوية. وبالتالي هناك حاجة لنشر القوات البرية.
فلم يعد بالإمكان الإعتماد على القوات العراقية التي انهارت أمام قوات من «داعش» رغم ما أنفق عليها من أموال لتدريبها (25 مليار دولار أمريكي). وفي سوريا يبحث الجيش السوري الحر عن دور في الحملة لكنه بدون عتاد ومنهك بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب ضد النظام السوري لبشار الأسد و»داعش». وفي حالة أٌقر الكونغرس ميزانية 500 مليون دولار التي طلبها الرئيس باراك أوباما في شهر أيار/مايو فيمكن للمعارضة السورية لعب دور.
ومن هنا فلا بد من تجنيد الدعم السعودي والتركي. فالسعودية لديها قوات جوية جيدة ونادرا ما استخدمت في حروب، وتواجه تهديدا لشرعيتها ورعايتها للحرمين الشريفين من التنظيم . وفي المقابل تقتضي التزامات تركيا والحماية الجماعية لدول الناتو بصفتها عضوا في الناتو وجيشها ثاني أكبر الجيوش في هذا الحلف، فتح قاعدتها الجوية في إنشريليك، ولديها مصلحة في حماية أراضيها وحدودها مع سوريا الممتدة على طول 650 ميلا. فمن خلالها يمر الجهاديون الراغبون في القتال في سوريا ويتم تهريب الأسلحة ل «داعش». وبناء على هذا فأي حل لا تشارك فيه السعودية وتركيا مآله الفشل.

تحالف ضعيف

وفي الإطار نفسه ترى صحيفة «واشنطن بوست» أن التحالف الأمريكي الحالي يظل ضعيفا مقارنة مع تحالف جورج بوش الأب عام 1990 الذي جمع عددا كبيرا من الدول لإخراج صدام حسين من الكويت.
ومقارنة مع تحالف جورج بوش الإبن الذي استطاع تجميع 39 دولة رغم الطبيعة الفردية التي شابت قرار غزو العراق عام 2003. وقالت إن مؤتمر باريس لم يؤد إلا لمجموعة من الدول التي التزمت بالمشاركة بالهجمات الجوية وقلة منها وافقت على المشاركة في سوريا أو إرسال قوات برية.
وتعكس نتائج مؤتمر باريس المتواضعة الطبيعة المعقدة لقتال «داعش»، فتركيا والأرن تخشيان من المشاركة العلنية حتى لا تتعرضان لهجمات مباشرة من تنظيم الدولة الإسلامية.
و في المقام نفسه أشارت لمخاوف الدول السنية وعدم ارتياحها للقتال إلى جانب نظام الأسد وإيران ضد «داعش». ولعل التردد نابع من تردد الرئيس أوباما نفسه الذي رفض نشر القوات الأمريكية الخاصة للقتال إلى جانب القوات العراقية، كما رفضت أمريكا عرض بعض الدول إرسال قوات برية.
وترى الصحيفة أن حديث كيري عن هزيمة «داعش» بمبادرات غير عسكرية مثل مواجهة أيدلوجيتها ودعم الحكومة العراقية مهم مثل أهمية تدريب السعودية لقوات المعارضة السورية، لكن استراتيجية الإدارة بهزيمة «داعش» من خلال القوات العراقية والمعارضة السورية لن تنجح، فالجيش العراقي يحتاج لإعادة تأهيل قبل استعداده للقتال وكذا المعارضة التي تعاني من ضعف. وترى الصحيفة أن محاولة أوباما تعزيز قوة الجيش العراقي والجيش السوري الحر مهمة وكذلك البحث عن حلفاء إقليميين. لكن «داعش» لن تهزمه سوى قوات برية في ساحة المعركة وبهذه المثابة فالتحالف الذي تبحث عنه الإدارة لا يزال ضعيفا.

مشاركون في الخفاء

وكان وزير الخارجية الأمريكي جون كيري قد تحدث عن مشاركة جوية لدول الخليج في الحملة على «داعش»، فيما تشارك إيران عبر حرسها الثوري المندمج في الميليشيات العراقية. ووافقت طهران على تقديم الدعم العسكري لقوات البيشمركة.
ولم تحضر إيران مع ذلك مؤتمر باريس حيث انتقد إبراهيم الجعفري، وزير الخارجية العراقي عدم دعوة إيران للمؤتمر.
وترى صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» أن الدور الروسي والإيراني «الخفي» في الحرب تفضل الدول العربية التكتم عليه. ومع تحول الحرب من العراق إلى سوريا قد تجد الولايات المتحدة نفسها تقاتل جنبا إلى جنب مع جبهة النصرة لأهل الشام وذلك حسب ما يتكهن محللون ودبلوماسيون في الشرق الأوسط. ويرى المحللون أن هذا يعود لكون جبهة النصرة من أشد أعداء داعش ، ومشكلتها إنه ممثل القاعدة في سوريا.
يأتي هذا في وقت استبعدت فيه بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا أي دور للنظام السوري الذي يرفض أي غارات جوية على الأراضي السورية بدون تنسيق معه، مع أنه يتعامل مع الهجمات الجوية المحتملة كشريان حياة جديد له.
ويرى جيمس فيليبس من «مؤسسة التراث» الأمريكية في واشنطن «سينتفع الأسد من الهجمات الأمريكية على تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا لكن ليس لأن إدارة اوباما تريد هذا» ويضيف «هذا مثال عن الكيفية التي سينفع فيها العمل العسكري الأمريكي الذين يعملون لأهداف متداخلة مع ما نريد عمله»، و «هذا لا يعني أننا نتعامل معهم كحلفاء تكتيكيين أو في الخفاء».
وترى الصحيفة التكهنات المتعلقة بتوسيع التحالف المعادي ل «داعش» تركز على إيران. فقد أثار كيري النقاش بتصريحاته حول استعداد الولايات المتحدة مناقشة التهديد الذي يمثله داعش لكنه استبعد ضمها للتحالف.
وجاء رفض مشاركة إيران في اجتماع باريس بسبب اعتراض عدد من الدول السنية بمن فيها السعودية. ولكن واشنطن لا تعارض مناقشة الوضع في العراق مع الإيرانيين في مكان آخر، وإن كان على هامش المفاوضات حول الملف النووي الإيراني. ورفضت مشاركة إيران بسبب تأثيرها في العراق ودعمهما للنظام السوري.

روسيا

وعلى خلاف إيران شاركت روسيا في المؤتمر لكنها رفضت الإنضمام للتحالف مع أنها قد تنتهي داعمة له بطريقة أو بأخرى.
وفي الإسبوع الماضي ذكر كيري أن لروسيا مصلحة في المشاركة وهزيمة «داعش». وقال إن روسيا قد تواجه عودة جهاديين من سوريا مثلما تواجه الدول الغربية نفس الخطر حالة نهاية الحرب هناك، بل وقد تواجه روسيا «إرهابيين محليين يستلهمون أساليبهم من تنظيم الدولة الإسلامية».
وفي المؤتمر دعا سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي للتعاون مع كل من إيران وسوريا «كحلفاء طبيعيين» في القتال ضد «داعش». ويعتقد فيليبس من «مؤسسة التراث» أن روسيا قد تتحول لشريك مهم في العراق ومساعدة القوات الأمنية العراق.
ولكنه حذر من وقوع أمريكا في مصيدة الفكرة التي تقول إن روسيا وإيران مفيدتان لقتال «داعش» في سوريا قائلا «أحيانا عدو عدوي يظل عدوي» وليس صديقي، فمهما دعمت روسيا وإيران قتال «داعش» لكنهما يظلان الداعمان الأكبر للأسد.
وعلق فيليبس قائلا «لا أعتقد أنه يمكن هزيمة داعش طالما بقي الأسد» مضيفا أن الأخير «استخدم داعش كوسيلة مفيدة لدعم روايته عن المعارضة وأنها كلها إرهابية».

الصورة

وفي هذا الإطار أشار سايمون هندرسون في مقال نشرته مجلة «نيوريباليك» الأمريكية لصورة تلخص كما يقول طبيعة العلاقة السعودية – الأمريكية وعلاقتها بإيران ووضعت على «فليكرز» وأظهرت لقاء لجون كيري في 11 أيلول/سبتمبر في جدة مع الملك عبدالله. وتساءل هندرسون الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى عن سبب اختيار الصورة التي كانت غير مركزة وبعيدة تظهر كيري والملك عبدالله في القاعة الطويلة وأمامهما أعضاء العائلة الحاكمة السعودية والأمراء.
واحد من الأسباب التي دفعت لاختيار الصورة هو غضب الأمريكيين على حضور الأمير بندر بن سلطان، مدير المخابرات السعودي السابق اللقاء، فصورة غير واضحة ربما غطت على حضوره حسب الكاتب.
فقد اختلف الأمير بندر مع إدارة أوباما في الفترة ما بين 2012- 2014 بسبب موقفه من دعم المعارضة السورية حيث كان يريد من الإدارة المشاركة وبحماس ولهذا السبب نظرت الإدارة إليه كشخص لا يمكن السيطرة عليه ورفضت التعامل معه.
وهو ما قاد الملك في نيسان/إبريل هذا العام واستجابة للضغوط الأمريكية لعزله من منصبه كمدير للمخابرات ولكن سمح له بالإحتفاظ بمنصبه كمدير للأمن القومي.
وبعد ثلاثة أشهر عاد للأضواء وقام بعدد من الأدوار كمبعوث خاص في عدد من اللقاءات عالية المستوى. ويشير هندرسون إلى أن السعودية تنظر لنفسها كقائدة للعالم الإسلامي وهي في صراع وجودي مع إيران. وترافق الصراع السني ـ الشيعي الذي زاد بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 مع الإسلام السياسي ممثلا بالإخوان المسلمين الذي يرى في الملكيات مثل آل سعود رجعية.
وبالنسبة للولايات المتحدة فعلاقتها الأولى مع السعودية تقوم لحماية دور المملكة كمصدر اول للنفط في العالم والحفاظ على استقرار سعر النفط العالمي.
وهذا ما دفع الولايات المتحدة لعملية عسكرية بعد احتلال صدام حسين الكويت عام 1990 والحفاظ على وجود عسكري- جوي وبحري- في منطقة الخليج رغم أن السعودية لا يوجد فيها قواعد عسكرية أمريكية.
ومع ذلك تسامحت الولايات المتحدة مع محاولات الرياض الحفاظ على قيادتها للعالم الإسلامي بعدد من الطرق منها دعم الجماعات المتشددة حيث كانت تعتقد أن هذه الجماعات لن تهاجمهما، ففي الفترة ما بين 1996- 2003 دفع وزير الدفاع الأمير سلطان ووزير الداخلية الأمير نايف لأسامة بن لادن حتى لا تستهدف القاعدة المملكة حسبما جاء في تقرير صحافي أمريكي في حينه، خلافا لليوم حيث تنفي السعودية دعمها للإرهاب.
وقامت باتخاذ سلسلة من الإجراءات التي تجرم من يشارك في الحرب السورية، وحظرت عددا من الجماعات واعتبرتها إرهابية منها «جبهة النصرة» و»داعش» و»جماعة الإخوان المسلمين».
وهذا الموقف يتناقض مع ما فعلته في الماضي حيث سمحت للسعوديين بالمشاركة في الجهاد الأفغاني والبوسنة والشيشان، وهو موقف يتناقض مع ما قاله الأمير بندر عندما تحدث عن التعليمات التي تلقاها من الملك عندما عينه مديرا للمخابرات: التخلص من نظام بشار الأسد واحتواء حزب الله اللبناني وقطع رأس الحية أي إيران. وأكد الأمير بندر أنه سيقوم بتجنيد أي جهادي في سوريا للتخلص من الأسد وتنفيذ ما طلبه الملك عبدالله.
ويشير هندرسون هنا إلى أن صناع السياسة في واشنطن لا يعتقدون أن السعودية دعمت الجماعات المرتبطة بالقاعدة. لكن المشكلة هي أن منظور الجماعات المقاتلة في سوريا من الصعب التفريق بينها، وهذا يفسر السبب الذي جعل الأردن يرفض طلبا من الأمير بندر لفتح معسكر يتدرب فيه مئات إن لم يكن الآلاف من مقاتلي المعارضة السورية خشية أن لا تتأثر الجماعات الجهادية وتؤثر على الشباب الأردني وتدفع بشار الأسد لغمر الأردن بموجات من اللاجئين ليس بقدرته احتمالها.
وبرغم الحراك الدبلوماسي الذي شهدناه في الأيام الأخيرة فستحاول السعودية حسب هندرسون موازنة تهديد الجهاديين في الوقت الذي تعمل فيه على ضرب إيران من خلال الإطاحة بنظام دمشق. فمن وجهة نظر السعوديين فقد كان تحرك» داعش» في العراق سببا في تنحية نوري المالكي الذي تعتبره الرياض لعبة في يد إيران، ورغم الدعم الرسمي للحكومة الجديدة في العراق إلا أن الكثير من السعوديين الذين يكرهون الشيعة يعتقدون أن «داعش» يقوم بعمل جيد.
ويعتقد الكاتب إن السعودية كما فعلت مع التهديد الذي مثله تنظيم «القاعدة» الوليد في التسعينيات من القرن الماضي فستقوم بالتعامل مع خطر «داعش» والتهديد النووي بحس الحفاظ على النفس حتى لو أثر هذا على الولايات المتحدة، أي تبني سياسة منافقة تجاهها. فمن وجهة نظر السعودية فهي ساخطة من حذر أوباما الشديد، وسترى في تعيين الجنرال جون ألين كمبعوث خاص لأوباما في العراق وسوريا «قوات على الأرض» وليس «قواتا محدودة على الأرض».
ففي الحد الأدنى سيتسم تعاون السعودية بالتحفظ في التعاون، وعلى الأسوأ سيقومون بتحديد مصالحهم بطريقة ضيقة حتى لو أدى هذا للإضرار بأمريكا.

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية