ربما كان السؤال مفاجئاً، وجوابه دائماً ما يكون عبارة عن رد فعل سريع رافض، شيء ما يشبه رد فعل تجاه لسعة النار، فننكر ذلك بالقول مباشرة «لا طبعاً لا أحبه».
لقد دار هذا النقاش مع سيدة من المغرب العربي سألتني عن سبب حب شعبها لدكتاتورنا، فأجبتها بدوري بسؤال؛ يهمني ان اعرف وجهة نظرك أنت، فأنت أدرى بطبيعة شعبك، وأتمنى أن تجيبيني أنتِ على هذا السؤال المحير، فقلبت شفتيها وقالت، حقاً لا اعلم، لكن ربما رأوه مثالاً او نموذجاً للقوة والمقاومة، بطلاً ضرب اسرائيل في وقت عز فعل ذلك، والكثير من هذه الافكار التي بات سوقها رائجاً بعد ان انتهى عصر الايديولوجيات الكبرى وحل مكانه عصر التحسر وجني نتائج الانكسارات المتلاحقة.
وحدث ان كنت ضيفاً في احد البرامج التلفزيونية في عاصمة عربية كبيرة، وسألني المحاور: اذا كان ما تقوله صحيحاً فلماذا شهدت أغلب العواصم العربية مجالس عزاء لما تسميه «دكتاتوراً»؟ هل كل هذه الشعوب العربية تحب الدكتاتور؟ أجبته حينها، أن الانسان العربي يعيش حالة انكسار وإذلال لذلك تجده يبحث عن أيقونة أو رمز حتى وإن كان كاذباً، ويضفي عليه صفات البطولة المتخيلة ليتعبد في محراب شهادته عبر ما رأيناه من مجالس العزاء، إضافة الى أمر مهم وهو حب الجماهير الواسعة التي رأت الجانب الحسن من وجه الدكتاتور ولم تكتوِ بنيران طغيانه كما اكتوينا نحن – واعني شعبه – بها، وهنالك الامر الاخير في هذه المعادلة الصعبة، وهو انتهازية وازدواجية الكثير من النخب العربية التي تحارب الطغيان والدكتاتورية في بلدانها وترتمي في أحضانها في المهاجر.
في معرض متابعته لردود فعل العراقيين تجاه السلوك الدكتاتوري، رصد باحث تعليقاتهم في شبكات التواصل الاجتماعي على صور ومواقف رئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون، فوجد ان اكثر من 70 % من التعليقات كانت إيجابية، او انها تتمنى ان يحكم هكذا رئيس بلدهم، وقرأ تعليقات كثيرة من نوع «هذا الرئيس الذي ينفع العراق»، او «هذا الرجل الذي سيضع حداً لفساد البرلمان والحكومة» او «هذا الدواء الناجع لحالة العراق»، كما أن هنالك تعليقات تجمع بين التمني للخضوع لسلطة الدكتاتور مع وصفه بأوصاف ذات إيحاءات جنسية، مثل «هذا الزلمة الزين»، او «هذا الفحل»، او «هذا الرجل الحقيقي»، في مماهاة بين الحكم والعملية الجنسية، ومن هذه النقطة تحديداً انطلق بعض الباحثين لوصف ما يصيب الشعوب التي تمر بتجارب الخضوع للدكتاتورية بأنها تصاب بمتلازمة ستوكهولم حينما تشعر بالحنين للدكتاتور بل وتدافع عنه.
متلازمة ستوكهولم، هي عارض نفسي بات معروفاً على نطاق واسع ومن اعراضه الارتباط العاطفي بين الضحية ومضطهدها، وقد اطلق على هذه المتلازمة هذا الاسم من قبل عالم النفس السويدي المختص بسلوكيات الإجرام (نيلز بيجيرو)، الذي شخّص حالة ضحايا حادثة في ستوكهولم عاصمة السويد حيث سطا مجموعة من اللصوص على بنك كريديت بانكين عام 1973، وأخذوا بعضاً من موظفي البنك رهائن لمدة ستة أيام، خلال تلك الفترة بدأ الرهائن يرتبطون عاطفياً مع الجناة، وقاموا بالدفاع عنهم بعد إطلاق سراحهم. وقد تكرر ظهور اعراض متلازمة ستوكهولم في حوادث اخرى في مختلف دول العالم، الا ان علماء النفس اشاروا الى ان نسبة لا تتجاوز 8 % فقط ممن يتعرضون لصدمة الاختطاف او الاغتصاب او التعرض للعنف المفرط في المعتقلات هم من تظهر عليهم اعراض المتلازمة عبر التماهي مع جلادهم او المعتدي عليهم، كما شخص علماء النفس أسباب المتلازمة بما يعرف بالحيل النفسية التي تحاول الضحية من خلالها الحفاظ على كينونتها ووجودها من خلال الخضوع والتماهي مع الجلاد، حيث تقتنع الضحية بأن أي فعل مقاوم قد يؤدي الى القتل، كما أن أي تعاطف او تسامح حتى إن كان بسيطاً من قبل الجلاد تعتبره الضحية مكرمة كبيرة، لذلك تسعى حتى بعد زوال الخطر الى الاستمرار في هذه الحيلة النفسية عبر تناسي ما تعرضت له من ألم وتذكر الاشياء الجيدة القليلة وتنطلق منها للدفاع عن مضطهدها.
لكن بالرغم من تشابه أعراض متلازمة ستوكهولم، مع ما يظهر من سلوكيات الشعوب التي مرت بفترات من حكم الانظمة الشمولية، إلا انني لا اتفق مع توصيف الحالة الاجتماعية بأنها متلازمة ستوكهولم لأسباب عدة، أولها واهمها ان الاصابة بمتلازمة ستوكهولم تستوجب التعرض لصدمة عنيفة مباشرة تؤدي الى الاحساس الفعلي والمباشر بالالم المفرط والتهديد بالموت بالمعنى الحرفي للكلمة، وهذا لا يتم إلا في حالات مثل الاختطاف أو الاغتصاب او التعذيب في المعتقل. ثانياً يميز علماء النفس بين اعراض هذه المتلازمة القريبة او المشابهة لما يعرف بعملية غسيل الدماغ، بالرغم من التشابه بين الحالتين، لأن الحالة الثانية تحتاج الى فترات زمنية اطول والتعرض لآليات مختلفة تماماً عما يحدث في متلازمة ستوكهولم، والامر الثالث هو أن كل الدراسات العلمية والطبية التي تناولت متلازمة ستوكهولم بالدراسة تناولتها كحالات تغير سلوكي فردي او في بعض الحالات النادرة كسلوك مجموعة صغيرة تتكون من بضعة افراد كما يحدث في التشكيلات العصابية العنيفة التي تضم أفراداً جدداً لتشكيلها بالقوة، اما التأثيرات الاجتماعية على مجاميع واسعة على مستوى المجتمعات فلم تثبت الدراسات العلمية انها متلازمة ستوكهولم حتى الان رغم التشابه في الاعراض، لكن يبقى المرض والانحراف النفسي حالة فردية يصعب تعميمها لتكون حالة اجتماعية.
وهنا لا بد من ان نشير الى ان السؤال بات ملحاً ومطروحاً بشدة، خصوصاً ونحن نشهد ان الترحم على زمن الدكتاتور اصبح امراً طبيعياً في العراق بعدما كان في بداية التغيير امراً مخيفاً او مرفوضاً او على الاقل مخجلاً، والسبب المباشر باعتقادي هو مأساة ما يعيشه الناس على يد من جاؤوا بعد الدكتاتور، كما ان ميكانزمات الاشتغال عبر ثنائيات حلزونية لانهائية الدوران اصابت الناس بحالة من التخبط وعدم فهم ما يجري، وولدت الكثير من المنافذ التي يمر من خلالها القتلة والفاسدون والمجرمون الذين طرحوا انفسهم كنخب سياسية. ثنائيات تبرر السيئ بالاسوأ الذي حصل قبل ذلك او العكس، فإذا قال أحد ما أننا قد ظلمنا وانتهكت حقوقنا على يد الدكتاتور، يجيبه من يتبنى وجهة نظر الثنائيات الغبية؛ وهل الحال الان أفضل؟ يجيبه منافسه الأغبى منه: إننا نعيش بخير حتى ان كان وضعنا سيئاً جداً، لأن التخلص من الدكتاتور له ثمن يجب ان يسدد.
فيجيبه الأول: اتفق معك إننا كنا نعيش تحت ظل الدكتاتورية لكننا كنا نعيش بأمان. وهذا سيجر الكلام الى التحدث عن القتل المنفلت في الشوارع سواء عبر الاقتتال الطائفي او المفخخات او الحرب الرسمية وشبه الرسمية والقصف وتدمير المدن، كل ذلك مشاكل حقيقية ملموسة يعيشها الناس بشكل يومي ويدفعون ثمنها من دمهم ودم أحبابهم، لكن الإجابة المواربة والمخاتلة تأتيك كالآتي؛ وهل كان القتل أقل ايام الدكتاتور؟ أم ان من يقوم بذلك اليوم هم اتباع الدكتاتور وفلول نظامه …الخ من ذكرلاسباب مل الناس من سماعها لكثرة ترديدها دون ان توضع لها حلولاً جذرية. أما اذا تحدثت عن الفساد وانه اصبح مستشرياً بشكل غير مسبوق، يأتيك الجواب هل كان الوضع أيام النظام السابق افضل؟ او ان جذور الفساد نبتت ايام النظام السابق وما نراه اليوم ليس سوى ثمار له. فهل ينبغي علينا ان نقضي اعمارنا بين سيئ واسوأ وان نفاضل بين شرير واقل شراً، ألا يحق لنا ان نحيا حياة طبيعية مثل بقية خلق الله؟
كاتب عراقي
صادق الطائي