هل تحب السباحة في بركة التماسيح؟

في لبنان تكاد تتوهم أنك تعيش في بلد آمن متحضر لأنه يفور بالإبداعات الراقية المسرحية والغنائية والفنية التشكيلية وسواها. تغادر مثلاً حفلاً بدعوة رئيس المعهد الوطني العالي للموسيقى يحييه الطلاب في «الكونسورفاتوار»/جامعة القديس يوسف وبالتعاون مع «الاوركسترا الفيلهارمونية اللبنانية» وتمضي ثملاً بالفن الراقي صوب وكرك البيروتي.
أوهامك الحضارية يدمرها صوت إطلاق الرصاص الكثيف.. تتساءل بنصف هلع: أهو رصاص احتفالي أم أن الحرب المتوقعة قد انفجرت؟
وإذا كان بيتك يقع قرب «مربع أمني» أي قرب قصر يقطنه «لاعب» سياسي لبناني كبير، فالشوارع المحيطة به (مقطوعة) والمرور فيها ممنوع حماية له. حتى صعود مصلح هوائي التلفزيون إلى سطح بيتك ممنوع بدون إذن حراسه.
تحار: هل تغامر بالعودة إلى بيتك للنوم أم تنام في سيارتك على شاطئ البحر، فأنت المسالم العاشق للحياة العادية المعافاة لا تريد أن تجد نفسك فجأة في قلب معركة حربية محلية في بركة التماسيح البيروتية اللبنانية. ومما يزيد طين القلب بلة إنك تجهل: أهذا رصاص احتفالي بأنياب تمساحية أم أنه رصاص حربي بين تماسيح المغانم اللبنانيين؟

موجة كراهية ضد الاستعلاء والترويع

لا بد من الاعتراف بأنه ما كل أهل السياسة في لبنان من فصيلة التماسيح. وعادة «إطلاق النار» الذميمة احتفالاً أو استعراضاً للقوة تمرد عليها العديد من أهل السياسة (الأوادم). وها هو نائب المتن غسان مخيبر يطالب بسن قانون ضد إطلاق الرصاص الاحتفالي تحت طائلة العقاب وينضم إليه سياسي كبير آخر.. ولكن، على من تتلو مزاميرك يا ابن مخيبر؟ يا عزيزي الحالم كالأدباء بأن قانوناً يكفي لمنع الرصاص الاحتفالي، أنت تعلم في قاع نفسك أن معظم فئات إطلاق الرصاص تعتبر نفسها فوق قانون الجمهورية، والحل ممكن في ميثاق شرف بين (تماسيح) البركة اللبنانية بمنع أنصارهم من إطلاق الرصاص وتوفيره للعدو الإسرائيلي الذي يزعمون جميعا أن سلاحهم مكرس لمواجهته، العدو الحقيقي والأوحد الذي يسعده نسياننا له في غمرة حروبنا الأهلية الكبيرة وحماقاتنا الصغيرة. وكثير من الأقلام نزف حبراً حول تلك العادة الذميمة. يكتب رائف نادر:
«من حق ابن البلد.. أن يغيب رصاص الابتهاج في حفلات الزفاف وفي المآتم»… ومؤخراً قتل الرصاص الطائش شاباً، وضحايا الرصاص (الاحتفالي) كثر… يدفنهم النسيان واللامبالاة بهدية الخالق لنا: حياتنا.
والمطلوب من الذين يتم إطلاق الرصاص احتفاء بكلمة قالوها أو بتشييع منع أنصارهم من تلك الممارسة الكريهة التي تبعد الناس عنهم. وثمة بلدان عربية عالجت هذه المأساة بحزم وقيل لي إن المراجع الرسمية في الأردن اهتمت بتلك المأساة ومنعتها.. وفي حضرموت شرقي اليمن في «المكلا» تقرر احتجاز العريس إذا تم إطلاق الرصاص في عرسه. ولكن أين رئيس الجمهورية اللبناني (الممنوع انتخابه) ليقف في وجه ذلك الهول كله في لبنان؟

أخلاق الحرب في السلم الملتبس

من المفروض أن لا حرب معلنة تدور في لبنان اليوم.. وفي أيام الحرب الأهلية انفجرت قذيفة (آر.بي.جي) في موقف السيارات المجاور لمبناي وتبين أن السبب ولادة زوجة أحد المسلحين المحتلين لمبنى مجاور: ولادتها لصبي!!.. وبالرفاه والبنين والقذائف والرصاص على الآمنين!!
كمقيمة في باريس منذ أكثر من ثلاثين عاماً لم أعتد على صوت الانفجارات حتى بسبب الألعاب النارية.. وفي يوم 14 تموز/يوليو العيد الوطني الفرنسي أشعر بالهلع حتى وأنا أرى من نافذتي الألعاب النارية الجميلة الضوئية تكلل برج ايفل ومحيطه.. فالملدوغ من صوت الرصـــاص والانفجــــارات لا يشفى يوماً.. لكنه يظل يعود إلى لبنان.. فالعاشق الصغير يرى عيوب وطنه الحبيب ويهاجر بلا عودة بعد انتظار طويل على أبواب السفارات في معاناة مُذلة تسولاً للتأشيرة السحرية. أما العاشق الكبير فيظل يحن إلى لبنان ويصمم على العودة إليه وهو يعرف علله.. والحب هو أن تعرف المحبوب على حقيقته وتظل تعشقه، بل تزداد عشقاً له وأنت ترى التماسيح تغلي في بركته الجميلة!.. وتلك حالي!..

بيروت مدينة المعاقين إنسانياً!

في بركة التماسيح (المعاقة إنسانياً) يتم مضغ حقوق المعاق جسدياً. ثمة كلام كثير لطيف يلقى في المنابر حول (إنسانيتنا) والاهتمام بالضعيف المعاق واحترام حاجاته الخاصة، وثمة جمعيات خيرية عديدة مخلصة تبذل ما بوسعها لتسهيل حياته، لكنها لا تستطيع أن تقوم عوضا عن البلديات بتحويل الأرصفة في الشوارع إلى أماكن غير محرمة على المعاق.. وما من رصيف لبناني تقريبا إلا ويخلو من انحدار خاص بكرسي المعاق، وهكذا فالمعاق جسدياً محروم من التجول!
الجمعيات المدنية والنشاطات الخيرية كثيرة لحسن الحظ في لبنان. وحين بدأت الكتابة منذ الف عام كنت ضدها لأنني كنت وما زلت أعتقد أن ما تقوم به هـــو من واجب الدولة دونما (تمنين) أحد. ولكن الدولة مخطوفة والحياة يجب أن تستمر ولذا صرت معجبة بالنشاط المدني في حقل الأعمال الإنسانية.. أذكر، على سبيل المثال لا الحصر، عبد الحميد ناصر ابن بيروت و«طريق الجديدة» و«راس النبع» والذي تقاعد من رئاسة صندوق المهجرين ولم يتقاعد من حقل العمل الإنساني والتنويري فهو الآن عضو في النادي الثقافي العربي ونائب رئيس جمعية الكشاف المسلم وساهم في إعادة تعمير جامع «البسطة التحتا» ـ بيروت ـ وعضو في المركز الثقافي الإسلامي وأمين سر نادي الغولف وغير ذلك… وهو يحب التعامل مع الناس لا من خلف (الطاولة) ويكره التنظير الكسول الذي يقضي الوقت في الحوار العقائدي ولا يقوم بشيء.
من طرفي أتمنى على النشاط المدني الاهتمام بقضية المعاق والأرصفة البيروتية (إن وجدت) ليشعر المعاق أنه ما زال مواطناً.. وليشعر الضعفاء باحترام الوطن لهم حتى في بركة أنياب التماسيح!

هل تحب السباحة في بركة التماسيح؟

غادة السمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية