هل تحتاج اللوحة التشكيلية إلى عنوان؟

لا شك أن العنوان له أهميته في الأعمال الأدبية والدرامية بتنوعها، فلا قصيدة ولا رواية ولا فيلم ولا مسرحية بلا عنوان ، فأين تتجلى أهمية العنوان بالنسبة للعمل الإبداعي؟ وكيف نستقبل إبداعات بلا عنوان؟ وهل يمكن التمييز بين الإبداعات بلا استناد إلى عناوين تفصل بينها؟ أسئلة كثيرة تُطرح بصدد العنوان والغاية منه. وحين يتعلق الأمر باللوحة التشكيلية فإننا نكون أمام استثناء وخصوصية، فكثير من الأعمال التشكيلية تواجهنا بمفرداتها بعيدا عن عناوين تقاسمك وتقاسمها بعضا من مفاتيح مغاليقها. وقبل الخوض في الحديث عن اللوحة بعنوان أو بدونه، نرى من الأجدر ذكر بعض من فوائد العنوان للأعمال الإبداعية:
ـ إنه بمثابة البوابة المشرعة للتواصل مع التركيبة الإبداعية، يواجهك في الكتاب والجريدة والمجلة والفيلم وغيرها، وكأنه يأخذ بيدك للتجول في رحاب هذا العمل الإبداعي أو ذاك.
ـ يجذب المستهلك كي يقبل على المنتج الإبداعي برغبة وبفضول الباحث عن حقيقة فحوى هذا العنوان، وبذلك يصير مصيدة أحيانا، خاصة حين يكون لماحا دافعا بنا للغوص في إبداعات دون مستوى وقدر دلالته ، فيبقى إشهاريا كاذبا فحسب.
ـ إنه في الغالب عنصر ملخص لمعطيات المنتج الإبداعي، فهو معين على التلقي، ومعين على سبر أغوار التركيب الإبداعي.
ـ يلفت إلى جوهر العمل الإبداعي ومحوره الأساسي، وفي الوقت ذاته يدعو إلى الرؤية والتمحيص لمحتوى ما وضع له نصا، أو لوحة أو فيلما أو قصيدة إلخ..
ـ يدفعك للانخراط في صراع مع معطيات وأفكار العمل الإبداعي.
وما ذكرناه بصدد أهمية العنوان قليل من كثير، فالاعتماد على العناوين صار وسيلة دعائية في المجال الاقتصادي وحتى السياسي، وما يهمنا في هذا المقال يتعلق بعنونة اللوحات التشكيلية من حيث أهميتها وجدواها بالنسبة للقارئ والرائي، وبالنسبة للمبدع أيضا. وبدءا نتساءل:
ـ هل عنوان اللوحة التشكيلية يغنيها، أم يفقرها؟
ـ هل العنوان مساعد للمشاهد أم مضلل له؟
ـ هل اللوحة بلا عنوان خير من عكسها؟
ـ هل العنوان ضروري للوحة التشكيلية؟
أمام هذه التساؤلات وغيرها ، نرى مدى المقام الذي يمكن أن يتبوأه العنوان كقيمة ذات صلة وثيقة بالعمل الفني التشكيلي، وفي الآن نفسه نرى مدى الإفقار والصد لانفتاحات المضامين المركبة ضمن أشكال المنتج الإبداعي متصدرا بعنوان يحيل إليه. وفي اعتقادنا أن اللوحة التشكيلية بملمحها العام وتركيبتها الخاصة المتميزة تتشكل بتجدد دائم، بتجدد ناظريها، ذلك أننا نواجهها محملين بخلفياتنا المختلفة اختلاف ألواننا وأذواقنا وبصماتنا.
ولذا فالعنوان لن يكون سوى وجهة نظر منجز العمل الفني، هذا الأخير الذي ليس سوى متفرج كسائر المتفرجين بعد أن ينهي عمله الإبداعي. بعدها تتوالد وجهات النظر حوله، وحين يصير العمل الإبداعي بستانا تتوالد وتتعدد القراءات لمغروساته نحكم عليه بالإبداعية العميقة المتصدية للجمود والسكونية.
كثير من المبدعين يتركون لوحاتهم مفتوحة بلا عناوين مقتنعين بتعدد الرؤى، حذرين من تقزيم القامات، والإساءة إلى الجمال بعناوين قاصرة مهما كانت تركيبتها، ذلك أن العنوان لن يكون سوى تلخيص لوجهة نظر أحادية، يجب عدم فرضها على المشاهدين، هؤلاء الذين يجب إشعارهم بجدارة القراءة الشخصية لهم مستندين إلى ما يبدو لهم من رؤى، وما يتوصلون إليه بعيدا عن التسلح بعناوين قد تكون قاصرة أو مضللة أو فقيرة الدلالة، مقارنة بالعمل الفني ذاته، بل إن مبدعين آثروا إلا يوقعوا لوحاتهم لأن لهم بصمة خاصة بهم. هكذا يبدو العنوان المختار للوحة ما ـ في اعتقادنا ـ عنصرا لا أهمية له تشكيليا فاللوحة ذاتها وبكامل بنيتها هي العنوان، وهي المضمون، وهي المعاني المكتشفة من قبل هذا أو ذاك، وبالقدر الذي يحاول المبدع إشراك المشاهد للوحته وجهة نظره عبر العنوان الذي يقترحه، بقدر ما يحد من انطلاقة خياله وتصوراته مسافرا بين ثنايا مفردات العمل الفني متسائلا متأملا عاقدا لتواصل حميمي بينه وبين المنجز الإبداعي، ومن دون شك ستختلف نظرته وحكمه عن مشاهد آخر بثقافة ورؤى مختلفة باختلاف النشأة والموطن. أن تجعل عنوانا للوحتك يعني من بين ما يعنيه:
ـ أن تحتل الصدارة في توجيه مفردات اللوحة وفق فهمك الخاص.
ـ أن تقول للناس عنواني للوحتي ملخص لمعناها فلا تتعبوا أنفسكم في التفكير لكشف الجديد.
ـ أن تصير أنت الفنان وأنت القارئ الوحيد الذي يستطيع النفاذ في خريطة لوحتك مؤولا ومستكنها لجواهرها الدفينة.
ـ أن تقول لغيرك لقد أبحرت، وركبت أمواج لوحتي وعنواني لها يقربكم إلى معالمها وجواهرها الثمينة.
ـ أن تساعد المشاهدين لعملك الفني، وقد تكون مساعدتك لهم مضللة، وإن لم تكن كذلك فقد تكون مثبطة لحرارة وحماسة البحث والتقصي والتحليل.
ـ أن تثبت جدارتك وحدك على القراءة لمفردات عملك الفني، في الوقت الذي خاطبت الناس بالألوان والخطوط ليفهموك، فلماذا تشفع لوحتك بعنوان ليس سوى لغة أخرى، لغة الحروف وليس لغة التشكيل.
وباعتبار العنوان مدخلا يراه البعض ضروريا للنص لكونه عتبة من العتبات الميسرة للولوج إلى معالمه، فإنه في اللوحة التشكيلية قد يقزم من فساحة إيحاءاتها، ويضيق من أفق السياحة الخيالية في أجوائه ورموزها وعناصرها المتراكبة بصيغة إبداعية تحمل جمالية خاصة كما تحمل مقصدية صاحبها ليس إلا. فوظيفة العنوان مستبعدة ـ في نظرنا ـ إذا تعلق الأمر بلوحة تقول ما لا يمكن لعنوان أن يحصره ويهدي إلى جواهره. فعلاقته باللوحة التشكيلية لن يعدو أن يكون سوى وجهة نظر المبدع فحسب، لذا فاللوحة التشكيلية لا تحتاج إلى عنوان.

هل تحتاج اللوحة التشكيلية إلى عنوان؟

لحسن ملواني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية