يبدو لي أن المشهد الانتخابي في الولايات المتحدة الأمريكية مضطرب إلى حدّ كبير، والصراع بين المعسكرين سيكون على أشدّه، فبينما ترأس المعسكر الديمقراطي هيلاري كلينتون المرأة الأولى إن فازت في الانتخابات الأمريكية المقبلة، يرأس المعسكر الجمهوري متطرف حدّ النخاع دونالد ترامب، ولم يكن متوقعا أن يحدث هذا التناقض العجيب التي تعيشه أمريكا اليوم، إذ لم يشهد تاريخها أن ترأس البيت الأبيض أسود إلا باراك أوباما الذي حطّم القيود العنصرية ووصل إلى سدّة الرئاسة بكل قوّة مخلّفا انتقادات حادّة من العنصريين الذين باتوا يخشون سيطرة فصائل أخرى على الحكم في أمريكا، في حين تمثّل المرأة الحاضرة الغائبة عن المشهد السياسي الأمريكي طوال عقود من الزمن مما يفتح المجال والباب أمام أي فصيل يمكن أن يحكم أمريكا مستقبلا حتى لو كان مسلما.
غير أن السياسات الأمريكية في الكواليس والدهاليز ترفض رفضا قاطعا أن تتجدّد تجربة أوباما مرة أخرى، لأنها تجربة في نظرهم مُرّة، انحازت إلى المسلمين ولم تصنع المجد لأمريكا القوية خاصة بعد الاتفاق النووي الذي حصل بينها وبين إيران وتعامل أوباما مع الحرب السورية وموقفه من بوتين صاحب العيون الروسية الحادة، ولذلك تبدو تجربة هيلاري كلينتون على المحكّ لأنها أولا امرأة، وثانيا لأن المعسكر الديمقراطي قد اكتفى بولايتين متتاليتين، وكأن الناخب الأمريكي يبرمج بطاقته الانتخابية بين المعسكرين لا ثالث لهما، ويريد في كل مرّة أن يغيّر نمط الحكم إلى أن يأتي الوقت ربما ليظهر حزب ثالث ينشقّ من أحد الحزبين أو يُولد من جديد.
وإن حصل وانتخب الأمريكيون كلينتون في انتخابات الرئاسة الأمريكية المقبلة فتلك أعجوبة هذا الزمان الذي تغيّر فيه كل شيء، ورغم أنها ذات حظّ عظيم إلا أن الناخب الأمريكي لا يثق كثيرا في حكم امرأة، ولم يتعوّد أن تحكمه امرأة، لأنه ما زال ينظر إلى المرأة بانتقاص وأنها غير قادرة على الإمساك بتلابيب الحكم المركزي، فإذا كانت هذه أحوال المجتمع الأمريكي فكيف ينتخب امرأة؟
هيلاري كلينتون هل تبدو المرأة الحديدية التي تخلف مارغريت تاتشر التي حكمت بريطانيا، أو المرأة الخطيرة التي حكمت إسرائيل؟ وهل يعيد التاريخ نفسه ولكن هذه المرة في أمريكا الدولة العظمى والكبرى في العالم وتحقق للحزب الديمقراطي أسبقيته التاريخية في توالي ريادته في الرئاسة أم أنها مجرد لعبة سياسية تفتح بها أمريكا شهيّة الناخبين والعالم من ورائهم ليتابعوا خطوات الانتخابات لحظة بلحظة وتحصل على أكبر مشاهدة في العالم، وهل ما يجري مسرحية كلاسيكية تمتدّ فصولها لأشهر كل ثلاث سنوات أو هي شرّ لا بدّ منه رغم أنها لا تقدّم ولا تؤخّر شيئا في السياسة الأمريكية سواء في الداخل أو الخارج.
ومن المعلوم أن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية مكبّل في قراراته المصيرية إذ لا يمكنه أن يتخذ قرارا فرديا إلا بعد مروره بمجلسي النواب والشيوخ ويحظى بأغلبية وإلا فلن يكون، كما أنه مكبّل أيضا باللوبي الصهيوني الذي له اليد الطولى في أكثر القرارات التي تصدر من البيت الأبيض خاصة تلك المتعلقة بالسياسة الخارجية، ومن ثم سواء كان الرئيس رجلا أو امرأة فهو يتصرف ضمن إطار محدد وله سلطات محددة ووقت محدد وولاية محددة، وما يرافق الحملات الانتخابية من برامج واتهامات أحيانا تكون جارحة إنما هي للدعاية فقط، لأن الواقع يفرض على الرئيس المنتخب التمهّل واستشارة كل من المراكز التي ذكرناها آنفا.
وعلى أي حال فالمشهد الأمريكي هذه السنة سيدخل التاريخ ربما من بابه الواسع، حيث تصارع امرأة على كرسي الحكم، وهي سابقة في التاريخ الأمريكي، وحيث إن منافسها أكثر خطورة على الولايات المتحدة الأمريكية نفسها قبل أن يكون خطرا على العالم الآخر بتوجهاته المتطرفة سلوكيا وعقائديا وتعامليا، مما يجعل التكهن بفوز أحدهما أمرا معقدا، ولكن يبدو لي أن الكفّة ستترجح للمتطرف لأن الناخب الأمريكي لا يزال مذبذبا هو الآخر ويتوجّس خيفة من أن تحكمه امرأة قد تفشل في إبقاء الولايات المتحدة الأمريكية قوة عظمى بعد أن اهتز عرشها في عهد حليفها أوباما.
فوزي بن يونس بن حديد