لندن ـ «القدس العربي»: تنتظر الأوساط السياسية في بريطانيا يوم الأربعاء صدور التقرير الذي طال انتظاره في حرب العراق. فمن المنتظر ان يقدم سير جون تشيلكوت ولجنته الحكم النهائي على مشاركة بريطانيا في حرب كارثية في العراق.
وبعد 13 عاماً لا يزال البلد يعاني من تداعيات قرار رئيس الوزراء الأسبق توني بلير المضي مع جورج بوش، الرئيس الأمريكي السابق وتغيير النظام في العراق بشكل حرف ميزان القوى في المنطقة لصالح إيران وشيعة العراق وأدى لدخول البلاد منعطفاً لم تخرج منه بعد.
وتفجيرات بغداد التي قتل فيها 140 شخصاً كانوا يتسوقون ويأكلون ويتابعون كرة القدم في الأيام الأخيرة من رمضان تذكير بقرار بوش – بلير الكارثي.
وتعلق صحيفة «ديلي تلغراف» في افتتاحيتها أن نتائج التقرير لن تغير من «بؤس» العراق «فبعد 13 عاماً من الغزو الذي شارك فيه هذا البلد لا يزال العراق بلداً مضطرباً» وقدمت الصحيفة حصيلة التفجيرات التي تعرضت لها العاصمة بغداد منذ بداية الشهر الحالي والتي أعلن تنظيم «الدولة» مسؤوليته عنها.
ما العمل؟
وترى الصحيفة «أن التنظيم الذي يواجه ضغوطاً على أكثر من جبهة وخسر مدينة الفلوجة المهمة يحاول التعويض عن خسائره بإثارة المشاعر الطائفية.
ويبدو أنه نجح حيث تعرض موكب رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي للحجارة من سكان منكوبين وغاضبين».
وتتساءل عن الطريقة التي يجب فيها وقف كل هذا العنف؟ والجواب هو سحق تنظيم «الدولة» لكن ما الذي يضمن أن لا يخرج تنظيم يأخذ مكانه.
فهو يواجه اليوم حملة في معقله القوي في مدينة الموصل بعد خسارته الفلوجة ومدناً أخرى كانت تحت سيطرته.
وتعتقد الصحيفة أن الحل يكمن في التصدي لمظالم العرب السنة «فحتى يشعر سنة العراق بأنهم ممثلون بطريقة عادلة ولا يتعرضون للاستعباد من الحكومة الشيعية التي تسيطر عليها إيران فسيظل هذا البلد يواجه هجمات مجرمة تستخدم الدين».
وتعتبر تفجيرات بغداد الثالثة التي ينفذها التنظيم أو تحمل مسؤوليتها في ثلاثة بلدان بالأيام القليلة الماضي. ويبدو أن هجوم بغداد هو رد منه على مزاعم الحكومة بأن سيطرتها على الفلوجة سينهي حملات التفجيرات الانتحارية التي عانت منها العاصمة خلال السنوات الماضية.
وتعلق صحيفة «التايمز» أن الحرب ضد الجهاديين خضعت لعدد من الأشكال التي تركت آثارها المدمرة على سكان العاصمة، فكلما خسر التنظيم مناطق حاول تأكيد نفسه في منطقة أخرى مستخدماً حروب المدن والعمليات الإرهابية. فقد خسر خلال العام الماضي نصف المناطق الخاضعة لسيطرته في العراق.
استراتيجية جديدة
ويعلق إريك شميدت في «نيويورك تايمز» أن العمليات الإرهابية تمثل تحولاً قاتلاً لدى التنظيم. ففي يوم الثلاثاء الماضي قالت السلطات التركية إن مهاجمين وجههم تنظيم «الدولة» استهدفوا الميناء الجوي الرئيسي للبلاد في مدينة اسطنبول. وتبع هذا الهجوم آخر يوم الجمعة قام مهاجمون موالون للتنظيم بقتل أجانب ومحليين بمطعم في العاصمة البنغلاديشية، دكا.
ويعلق الكاتب على أن الهجمات الثلاث التي يدرسها المسؤولون الأمنيون وأجهزة حفظ النظام تمثل مرحلة في عمر التنظيم الذي كان أول التنظيمات الجهادية يسيطر على مناطق ويعلن «دولة» وتحوله إلى نسخة قاتلة من تنظيم القاعدة المنافس له.
وفي الوقت الذي جفت فيه منابع الجهاديين المتوجهين صوب أرض «الخلافة» المتداعية فإن عدداً منهم ممن تدربوا في المعسكرات وقاتلوا في صفوفه جندوا وأرسلوا إلى الغرب حيث أصبحوا جزءاً من خلايا قوية تنتظر الأوامر من قادة الجهاديين في الرقة.
وبحسب أندرو ليبمان، النائب السابق لمدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب ويعمل حالياً محللاً بارزاً في مؤسسة «راند» فالهجمات لا تعبر عن شكل واحد فبعضها خططت لها القيادة المركزية وأخرى لديها صلة معينة مع تنظيم «الدولة» أما البقية فهي خيارات محلية لمن قام بتنفيذها.
ويعترف المسؤولون الأمريكيون بأن مواجهة هذا الطيف من الهجمات التي يخطط لها وينفذها مثل بغداد أو يلهمها مثل بنغلاديش يقتضي عملاً يتجاوز الغارات الجوية التي تقودها الإدارة الأمريكية حالياً في العراق وسوريا.
وعليه أصبح الهدف هو منع ومواجهة هجمات باتت تستهدف مدنيين في مناطق بعيدة. وأخبر السناتور آدم شيف، العضو الديمقراطي البارز في لجنة الأمن التابعة للكونغرس محطة «سي بي أس» ان التركيز في الحملة الدولية للإرهاب يتغير بشكل يكشف عن نقاط ضغف جديدة يستغلها الإرهابيون.
وكان مدير وكالة الإستخبارات الأمريكية- سي آي إيه- جون برينان قد حذر في تصريحات له من بطء الحملة ضد تنظيم «الدولة» الذي تكيف مع الضغوط المفروضة عليه.
وقال في كلمة له أمام مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي إن «الطريق طويل قبل أن نتمكن من القول إننا حققنا تقدما متميزا ضدهم».
وأشار إلى التباين في المسار الديني لما يطلق عليها الخلافة والعنف العالمي الذي يمارسه «فكلما زاد الضغط على تنظيم «الدولة» في العراق وسوريا، فإننا نتوقع زيادة حملة الإرهاب الدولية من أجل الإحتفاظ بالسيادة على أجندة الإرهاب العالمي».
وكان المتحدث الرسمي باسم التنظيم أبو محمد العدناني قد أشار في شريط مسجل له بث يوم 21 أيار/مايو قد تحدث عن العودة للعمليات الخارجية كبديل عن الخسائر الميدانية ودعا الجهاديين في كل أنحاء العالم لاستغلال شهر رمضان والقيام بعمليات ضد «الكفار».
وأشار مدير الأمن القومي جيمس كلابر في تصريحات له بشهر نيسان/إبريل أن تنظيم «الدولة» يدير خلايا سرية في بريطانيا وألمانيا وإيطاليا مشابهة للخلايا التي نفذت هجمات بروكسل وباريس.
ويقول مسؤولون أمنيون إن لديه خلايا سرية في تركيا والتي من المحتمل أنها قامت بتنفيذ هجوم يوم الثلاثاء الماضي.
ويرى خبراء أمنيون ان استراتيجية التنظيم الهادفة لتقسيم أعدائه قد ترتد سلباً عليه. فعوضاً عن شرذمتهم يقوم الجهاديون باستفزازهم حسب رأي ويليام ماكانتس، المسؤول السابق بوزارة الخارجية والباحث حاليا بمعهد بروكينغز.
ويتوقع ماكانتس تصعيد تركيا لحربها ضد تنظيم «الدولة» مثلما فعلت فرنسا بعد هجمات باريس في تشرين الثاني/نوفمبر 2015.
ومع توسع التنظيم خارجيا يتحدث المسؤولون الأمريكيون من الرئيس باراك أوباما إلى المسؤولين الأمنيين والعسكريين عن التقدم الذي تم تحقيقه منذ بداية الغارات الجوية في آب/أغسطس 2014 فقد تحسنت عملية جمع المعلومات الأمنية بشكل أصبح فيه من السهل تحديد الأهداف وضربها.
وتم قتل قيادات واستهدف آبار نفط وخزائن مال. ومع أنخفاض موارده المالية لكن التنظيم لا يزال يحصل 150 مليون دولار في العام.
و«هي أموال كثيرة» حسب المتحدث باسم القوات الأمريكية في العراق الجنرال كريستوفر غريفر. وأضاف إن التنظيم بهذا المال يمكنه تمويل الكثير من الهجمات الإرهابية حول العالم.
وفي شهادة أمام الكونغرس قدمها بريت ماغريك، المبعوث الخاص للتحالف الدولي ضد التنظيم قال فيها إن الأخير خسر نسبة 40%من أراضيه في العراق و 20% في سوريا. ويعتقد ليبمان من مؤسسة «راند» أن جاذبية التنظيم تنبع من كونه «دولة» ويقدم رؤية حالمة عن دولة سنية دفعت الكثيرين للسفر والبحث عنها.
وعندما ينتهي هذا الملمح يتلاشى كل شيء. وحذر ليبمان من أن انهيار «الخلافة» يعني عودة عشرات الألوف من المقاتلين الذين صهرتهم المعارك إلى بلدانهم وسيكون هذا بمثابة تحد جيلي للأردن وتونس وفرنسا والولايات المتحدة «كيف يمكن التعامل مع المقاتلين العائدين والمواطنين الميالين للتشدد؟».
وشهد التنظيم منذ العام الماضي تراجعا في عدد المقاتلين القادمين من الغرب بسبب تشديد الرقابة على الحدود التركية. ومع أنه توجه عدد منهم نحو قاعدته الجديدة في سرت إلا ان قواته انخفضت من 33.000 مقاتل إلى ما بين 18.000 ـ 22.00 مقاتل.
وهناك 20.000 مقاتل موال له في مصر ونيجيريا وليبيا والباكستان وأفغانستان. ويقول المسؤولون الأمريكيون إنهم لا يستطيعون مواجهة مهارة عناصر تنظيم «الدولة» وبراعتهم في استخدام التكنولوجيا الحديثة والرسائل المشفرة للتواصل مع مؤيديهم.
وفي كلمة لوزير الخارجية جون كيري، تحدث فيها عن مكالمة مع نظير له في دولة إفريقية حيث أخبره هذا أن دعاية الجهاديين تقوم بتجنيد الأطفال في عمر الخامسة.
وقال كيري «تعرفون أن لديهم خطة لـ30 أو 35 عاما» و «لا يوجد لدينا خطة حتى لخمسة أعوام».
عمليات جماعية
وفي السياق نفسه كتبت كارول موريللو وجوبي واريك في صحيفة «واشنطن بوست» تقريراً قالا فيه إن هجمات التنظيم ضربت أربع قارات هذا العام بشكل يعكس توسع أيديولوجيته مع تقلص سيطرته على مناطقه في العراق وسوريا.
وتقول الصحيفة إن الهجمات الأخيرة تعبير عن قيام أفراد بعيدا عن مقر «الخلافة» بأفعال دون الحصول على إذن منها. وأكثر إثارة للقلق أن الهجمات نفذت عبر مجموعات وليس أفراداً.
ويعلق بروس ريدل، المسؤول السابق في «سي آي إيه» والمحلل المتخصص في شؤون القاعدة وما يطلق عليها «الدولة الإسلامية» بمعهد بروكينغز «ما يثير دهشتي حول تفجيري اسطنبول ودكا هي أنهما ليسا من تنفيذ ذئب متوحد» و»كلاهما نفذتهما مجموعة من الإرهاب تصرفت بناء على خطة محكمة وأطلق عليهما «رزمة الذئاب» وأصبح هذا وبشكل متكرر توقيع تنظيم الدولة».
ففي الأسبوع الماضي أصدرت «الخلافة» وبمناسبة مرور عامين على الإعلان عنها خريطة أظهرت فيها مناطق تأثيرها التي تمتد من الفليبين وإلى فرنسا وبينهما 15 دولة وصل تأثير التنظيم إليها.
وحتى الدول التي لم يصلها تأثير التنظيم عبرت عن مخاوفها من وصول التأثير الجهادي إلى مناطقها وقالت إنها تراقب عشرات من المسلمين الهنود.
وتقول إن مقاتلي التنظيم انتشروا في تركيا وبنغلاديش ونيجيريا والكويت وليبيا وتونس والسعودية وحتى في الولايات المتحدة عندما نفذ «ذئب متوحد» هجوماً على ناد للمثليين بمدينة أورلاندو وقبله هجوم نفذه زوج وزوجته في سان بيرناندينو.
ويقول المسؤولون الأمنيون الأمريكيون إن النكسات التي تعرض لها الجهاديون في العراق وسوريا دفعت قادتهم للتسريع بعملياتهم في الخارج. وعمليات بروكسل وباريس واسطنبول ودكا هي تعبير عن هذه الإستراتيجية.
وبالعودة إلى ما بدأنا به فحظوظ الجهاديين ارتبطت عملياً بتفكك العراق والحرب الطائفية فيه وتشرذم سوريا والحرب الأهلية فيها. وفي العراق تحديداً لا يزال أهله يدفعون ثمن الحرب الكارثية التي شنها التحالف الأنكلو- أمريكي والتي سيعلن تشيلكوت حكمه عليها.
وفي الوقت الذي تركت فيه الحرب على تنظيم «الدولة» مدن السنة مدمرة وأهلها مشردون فإن بغداد تواجه اضطرابات سياسية ونخبة سياسية حاكمة فاسدة أثرت على حساب شعب يواجه يومياً مفخخات تنظيم «الدولة».
وبعيداً عن بغداد ومدن السنة تمثل مدينة البصرة، جنوب العراق، رغم حالة الاستقرار فيها صورة عن الإرث الذي تركه البريطانيون خلفهم.
قصة البصرة
وفي تقرير أعده غيث عبد الأحد لصحيفة «الغارديان» جاء فيه أن العراق بعد 13 عاماً لا يزال يواجه الحرب والفساد ومزقته الجماعات السياسية والدينية التي تتصارع على شخصيته. ويضيف أن كدمات الحرب ظاهرة في البصرة، أكبر مدن الجنوب والتي خضعت مدة سنوات لسيطرة البريطانيين.
ويقول إن ميراث الغزو واضح في كل مكان من المدينة. وينقل عن كابتن قارب صيد لقبه أبو كرار قوله «عمري 52 عاماً، وأعمل مذ كنت في سن الـ12 عاماً»، «وكنت اجمع الفواكه وعملت بحاراً واستاذاً وجندياً في الحرب مع إيران وأعمل الآن كابتن، وفي كل هذه السنوات لم أواجه حياة أصعب مما عشته منذ عام 2003 حتى هذه الساعة».
ويقول الكاتب إن حياة ابو كرار تمتد على أربعة عقود من الحروب والنزاعات التي عاشها العراق منذ صدام حسين، «هو الذي بدأ بتدمير هذا البلد».
ويقول أبو كرار إنه قضى في الجندية سبعة أعوام حيث راقب موجات الجنود الذين عبروا مياه شط العرب ليقتلوا فيه.
ومن هنا فقد حملت الإطاحة بنظام صدام نوعاً من الأمل. ويتذكر أبو كرار «عندما بدأت الحرب الأخرى وشاهدنا الدبابات البريطانية تدخل المدينة قيل لنا إن الحياة ستكون جميلة جداً. وقالوا «ستتغير الأمور».
ومع أنه يئس من البريطانيين إلا أنه استفاد شيئاً منهم عندما بنى كوخاً على أرض تابعة للدول. وحيث بنيت عشوائيات اقام عليها سكان هربوا من الفقر المستشري في الأرياف أكواخهم.
وليس بعيداً عن العشوائيات تبدو صورة أخرى للبصرة والتي يعبر عنها مال النفط الذي وصل فقط إلى أيدي النخب. فهناك ملعب البصرة البلدي الذي صمم على أحدث المقاسات العالمية وهو واحد من المشاريع التي بدأت بها الحكومة عندما كان سعر برميل النفط مرتفعاً.
فقد انتشرت المقاهي والمطاعم والفنادق التي قدمت خدماتها لشركات النفط الدولية. وأقيم مركز للتسوق بدأت تعرض فيه الماركات العالمية ومحلات عرض للسيارات تعرض أفخم وأحدث السيارات مثل «أس يو أف» الأمريكية. ولا تزال أسعار البيوت في أجزاء من المدينة أعلى من دبي أو بيروت.
وتصل الورود الطازجة يومياً من هولندا لتباع في محلي الزهور للنخبة الغنية الجديدة. ويقول أبو كرار «أعرف أن هناك مالاً في البصرة» و»أشاهد المال في كل مكان وفي البيوت الضخمة ولكنني لا أستطيع لمسه».
وبعيداً عن الجادات المضاءة بطريقة غير طبيعية ومزينة بشجر نخيل مستورد هناك المدينة الحقيقية التي من قنواتها التاريخية مياه الصرف الصحي».
ولم يتم إكمال الملعب ولا الجسور أو المباني العامة التي بدأت بها الحكومة أثناء فترة الانتعاش النفطي. وأدى أنهيار أسعار النفط إلى توقف المدينة عن دفع فواتيرها كما تم تبذير موارد النفط في الفساد والعمولات.
أول محافظ
وفي مقابلة مع القاضي وليد عبد اللطيف الذي عينه البريطانيون محافظاً للبصرة تذكر علاقته الودية معهم ومع رئيس الوزراء الأسبق توني بلير وقال إن البصرة كانت اول مدينة تنظم انتخابات محلية « وعمل البريطانيون بشكل جيد وقابلوا السكان وحضروا اجتماعات مجالس مشايخ القبائل، وعندما طلبت منهم بناء جسر بنوه في شهر واحد».
ورغم علاقته الجيدة مع البريطانيين ودعوته مرة لمقابلة الملكة إلا ان بريطانيا فشلت في البصرة والسبب حسب رأي عبد اللطيف «لم يكونوا راغبين بنجاحنا».
وأضاف «عملوا هم والإيرانيون ضدنا منذ اليوم الأول مباشرة أو عبر الأحزاب الإسلامية التي سيطرت على مجلس المدينة. وفي كل مرة أردت فيها البدء بمشروع أو الاستثمار في المدينة كان أعضاء المجلس يعرقلون جهودي ويوقفون المشروع الجديد».
وناقض أبو هاشم، أحد المسؤولين الأمنيين البارزين الذي كان أول من دخل البصرة بعد سقوط صدام حيث قال إن الإيرانيين لم تكن لديهم أية فكرة عن الوضع.
وفي الأيام الأولى للغزو دخلت قوافل من المقاتلين الشيعة من أجل التحضير لوصول القادة الشيعة من إيران ولفحص ردة فعل البريطانيين. ويقول أبو هاشم «كانت فترة مشوشة ولم ندر ماذا سيحدث.
والوضع نفسه كان صحيحاً في إيران فقد كان بعض قادة الأمن يعتقدون أن بقاء صدام حسين ضعيفاً أفضل من وجود الأمريكيين قريباً من الحدود.
ودعت العناصر الأيديولوجية إلى قتال الأمريكيين كما يقول. وفي النهاية «قيل لنا انتظروا».
واكتشف أبو هاشم أن البريطانيين لن يكونوا أعداءهم بل حلفاءهم وتعتمد عليهم لتحقيق نوع من الإستقرار. وبعد ذلك بدأت حملة الإغتيالات ضد البعثيين. ويقول أبو سلام، وهو ناشط في مجال حقوق الإنسان إن»الاغتيالات استفزت كل المجتمع».
ويقول إن «الأحزاب الجديدة شكلت مجتمعاً كما هو حال المنتصرين والمهزومين. فالمنتصرون كانوا الشيعة والمهزمون هم السنة الذين وصموا بالبعثيين، رغم أن معظم من كانوا في البصرة من البعثيين كانوا من الشيعة».
وفي الوقت الذي عاش فيه الأمريكيون وهم التقدم إلا أن الاحزاب الإسلامية الشيعية تسيدت المشهد وأصبحت اجنحتها العسكرية عماد الأجهزة الأمنية.
ويقول أبو سلام أن المعركة في البصرة كانت بين الأحزاب المتنافسة على السلطة فيها ولهذا حاول البريطانيون عقد صلات معها كلها حتى لا تحصل مواجهة مع أي منها. ويشير الكاتب كيف تحولت البصرة إلى ساحة للميليشيات المتصارعة وظهور مقتدى الصدر.
وكيف تداخلت الميليشيات مع القبائل وسيطرت 62 عبارات عائمة لتصدير النفط وكان لديها 9 «وحدات أمن» مختلفة.
وأصبحت الأحزاب والميليشيات مسؤولة عن العدل والرعاية. وكما يقول رجل المخابرات محسن فقد أصبحت البصرة تحت إدارة مافيا. ولم يصل مال النفط إلى العراقيين بل إلى نخبة جديدة من قادة الميليشيات والأحزاب والمنتفعين.
ويقول محسن «رئيس المافيا هو مجلس المدينة: ويقسمون المشاريع في ما بينهم وفي كل مرحلة تجب رشوتهم. وهم سمك القرش الذين يديرون النفط ومشاريع الكهرباء، ولو وقفت ضدهم فسيؤذونك، فهؤلاء هم المستبدون بالمدينة».
وبحسب محسن هناك قبيلتان قويتان تديران شبكة تهريب النفط، ولديها الآن صلات بمشاريع إعمار وشركات نفط دولية. وبحسب حاجي أبو حسن مدير اللجنة الأمنية في مجلس البصرة «فعندما تكون الدولة ضعيفة يستشري الفساد.
وتصبح القبائل قوية وتنتشر المليشيات. ويقول «بعض الكتائب الشيعية تظاهرت بقتال داعش كمبرر لتسليح نفسها، ولكن أفرادها يجلسون في البصرة ولا يقاتلون في الجبهات. وعندما تسألهم لماذا يتسلحون يجيبون أنهم ينتظرون ضعف الدولة» لينهشوها.
إبراهيم درويش