منذ فترة، والمبعوث الأمريكي للسودان، السيد دونالد بوث، يتحرك ما بين الحكومة والمعارضة لإحداث اختراق في ملف الأزمة السودانية. وهو يتحرك في الوقت بدل الضائع، وفق مصطلحات مباريات كرة القدم، وفي سباق محموم مع الزمن قبيل انتهاء تفويضه مع خروج الرئيس أوباما من البيت الأبيض. لكن، يقول العالمون ببواطن السياسة الأمريكية أن الفترة المتبقية من إدارة أوباما هي مرحلة انتقالية، فترة تسليم وتسلم مع إدارة ترامب، ومن المستبعد أن تتخذ خلالها قرارات حاسمة. ثم أن المشهد السياسي السوداني لا يشي بإمكانية تحول دراماتيكي خلال هذه الفترة على صعيد قضية الحرب والتسوية وفق مسار خارطة الطريق الأفريقية المدعومة بقوة من السيد بوث. إذن، لماذا حماس اللحظات الأخيرة هذا؟ يجيب البعض أن السيد بوث يود تسجيل نجاح شخصي قبل ذهابه، ولو جزئي، يذكي تعيينه في مناصب قادمة، بينما يجيب آخرون بأن المبعوث الأمريكي يسعى لخلق واقع تسوية جديد، ولصالح نظام الخرطوم، سيكون من الصعب على إدارة ترامب أن تلغيه أو تتجاهله. والسؤال هنا، لماذا يفعل السيد بوث ذلك، ولمصلحة من؟. وبغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع هذه الإجابات، هنالك بعض الوقائع الهامة نسردها لمصلحة التفكير والتحليل:
مارس المجتمع الدولي ضغوطا مكثفا على المعارضة السودانية حتى وقعت على خارطة الطريق المقدمة من الوساطة الأفريقية، والجزء الأكبر من هذه الضغوط قامت به الولايات المتحدة عبر السيد بوث.
وبالمقابل، لم تمارس أي ضغوط على حكومة الخرطوم لتوافق على عقد الإجتماع التمهيدي الوارد في بنود خارطة الطريق، بل بذل السيد بوث ضغوطا مكثفة لإقناع حركات دارفور المسلحة بالالتحاق بحوار الوثبة في الخرطوم، وذلك عبر جهود مشتركة مع الدوحة والرئيسين يوري موسيفيني وإدريس دبي. وعندما رفضت حركة عبد الواحد، هاجمها السيد بوث متهما قائد الحركة الأستاذ عبد الواحد بعرقلة عملية السلام في دارفور، ووصفه بأنه أصبح مشكلةً لمعظم الجهود العالمية لانهاء الصراع في السودان، وأصبح مضراً بشكل خاص بينما الأطراف الأخرى تتجه صوب السلام.
أفادت بعض المصادر المقربة من قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان/الشمال أن السيد بوث طلب من الحركة التنازل عن مطلبها بأن تكون مدينة أصوصا الإثيوبية معبرا للمساعدات الإنسانية من الخارج إلى السكان في مناطق الحرب، علما بأن الحركة تنازلت عن كل مطالبها الأخرى في هذا الصدد.
وأفادت مصادر أخرى، أن السيد بوث سيلتقي السيد الصادق المهدي في القاهرة خلال اليومين القادمين، لدفعه بأن يكون أساس عودته إلى الخرطوم الانخراط في تسوية مع نظام البشير.
لكن، أهم من كل هذه الوقائع وأكثرها دلالة، ما فجره شباب وشعب السودان من حراك هز الساكن وزلزل أركان النظام عبر العصيان المدني، في خطوة مقدامة ضمن سلسلة خطوات متوقعة، تفرض على أي متابع للشأن السوداني بموضوعية، أن يضعها في الاعتبار. وأعتقد أن ذاكرة الولايات المتحدة الأمريكية ليست معطوبة حتى تنسى ما حدث في السودان عام 1985. قبل ذلك الزمان، كان شعب السودان يغلي في صمت ومن تحت الرماد، والإدارة الأمريكية آنذاك مطمئنة لصمود ربيبها نظام النميري حتى جعلت من الخرطوم أكبر مركز إقليمي للمخابرات الأمريكية، وظلت تواجه كل من يحدثها عن تفكك نظام النميري بتأكيد أنه لن ينهار وأنه تحت حمايتها وأن الشعب لن ينتفض لأنه بدون قيادة ولا يملك بديلا مقنعا! فانتفض الشعب وأنهار النظام في عشرة أيام فقط.
لقد كررنا كثيرا القول بعدم اعتراضنا على سعي أمريكا لضمان مصالحها ما دامت هذه المصالح ليست على حساب مصالحنا الوطنية. لكن، مساءلة مصالحهم ومصالحنا هذه، ليست بالمعادلة البسيطة السهلة، وإنما هي معادلة صعبة يحتاج التعامل معها إلى قيادات وطنية حصيفة تعرف كيف تضع حدا بين اللحم والدم، وكيف تتمترس في الدفاع عن مصالح الوطن، دون أي انحناءة أمام هجمة اليانكي، حتى ولو كان الثمن تقديم النفس الغالية. وأيضا، كررنا القول باستعدادنا للتعاون مع المجتمع الدولي في سعيه الحثيث لتجفيف منابع الإرهاب ولتحقيق الاستقرار في العالم، بما في ذلك التعاون في قضية الهجرة غير الشرعية وفق تدابير إنسانية عادلة. ونحن نريد من المجتمع الدولي أن يساعدنا في وقف الحرب الأهلية في بلادنا وتحقيق السلام العادل. ولكن هذه المساعدة لا تعني الدفع بحلول شكلية ومؤقتة التأثير تنحصر في دفع الأطراف المتحاربة لاقتسام السلطة دون التصدي لجذور الأزمة التي تمنع تجدد الحرب. ونحن، إبان المفاوضات لوقف الحرب الأهلية في جنوب السودان، ظللنا نحاجج أمريكا والمجتمع الدولي بأن الاتفاقات الثنائية والجزئية، والتركيز على اقتسام كراسي السلطة فقط، لن يحل القضية ولن يمنع إندلاع الحرب مرة أخرى. تجاهلت أمريكا محاججات الشعب السوداني وفرضت اتفاق السلام الذي اوقف الحرب في الجنوب لتندلع في جنوب جديد، في جبال النوبة والنيل الأزرق، ويزداد اشتعالها في دارفور. ولا تزال الحرب تحرق البلاد حتى اليوم، وأمريكا تواصل ذات السياسة، بل وتتغاضى عن مسائل في غاية الخطورة مثل تجاهل التقارير عن استخدام الأسلحة الكيميائية في دارفور وجبال النوبة.
إذا كانت أمريكا تريد فعلا بسط السلام في بلادنا، كما ظل يصرح السيد بوث، فعليها اختيار البوابة الصحيحة، والتي هي قطعا ليست تجاهل حراك الشعب السوداني ومحاولات صب الماء البارد عليه عبر خط التسوية والهبوط الناعم، ضمانا لبقاء نظام ضعيف يمكنها من تمرير مخططاتها في المنطقة. نحن لا نطالبها بدعم هذا الحراك، ولا بتبني تكتيكاتنا في التغيير، ولكن، عليها ألا تسعى لاجهاضه، فهو منتصر في كل الأحوال. ما نريده من أمريكا والمجتمع الدولي، هو مساعدتنا لاحقا في إعادة بناء وترميم ما حطمته الإنقاذ.
٭ كاتب سوداني
د. الشفيع خضر سعيد