هل تريد موسكو تعزيز نفوذها… حماية النظام أم دعم دويلة في اللاذقية؟ وأوباما بحاجة لأكثر من مكالمات هاتفية مع بوتين… ودعم للمعارضة كي تنتصر

حجم الخط
2

لندن ـ «القدس العربي»: تؤكد تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من ان المستشارين الروس يقومون بتقديم الدعم للنظام السوري ما تتناقله طوال الأيام الماضية الصحف والمواقع التي ترصد حركة ونشاطات الروس في سوريا.
وحاول الكثيرون تفسير أهداف التحرك السوري، هل هو لحماية بشار الأسد فقط أم تعزيز النفوذ الروسي في هذا البلد الذي يشهد حربا أهلية؟
وهناك من قال إنه محاولة من روسيا لحماية دويلة للأسد قد تنشأ بعد خروجه من دمشق. لكن الواضح في التحركات الروسية هو الخوف من تقدم «تنظيم الدولة» واعتراف من موسكو بأن الأسد لم يعد قادرا على حماية مناطقه التي يسيطر عليها ووقف تقدم الجهاديين.
ورغم هذه المخاوف التي تشترك فيها الولايات المتحدة مع روسيا إلا أنها تحركت لمنع أي نشاط عسكري روسي في هذا البلد الذي تسبب في أكبر كارثة لجوء يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية.
وحثت واشنطن اليونان على منع هبوط طائرات روسية محملة بالسلاح في طريقها إلى القاعدة الروسية في ميناء طرطوس، كما تحدثت مع بلغاريا طالبة منها منع الروس استخدام المجال الجوي هناك. ويأتي هذا التحرك ليقضي على آمال التعاون الأمريكي – الروسي في حل الأزمة السورية.
وكانت ماريا زخاروفا المتحدثة باسم الخارجية الروسية قد أكدت في بيان نقلته وكالة أنباء «رويترز» كل التكهنات التي تم تداولها خلال الأسبوع الماضي عن وجود تعزيزات روسية في غرب سوريا في وقت أكد فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن التعاون العسكري بين بلاده وسوريا.
وتحدث الرئيس الأسد في مقابلة مع قناة تلفزيونية لبنانية على استمرار الدعم الروسي لنظامه طوال الأزمة التي واجهها نظامه. ويكشف التحرك العسكري الروسي عن مخاوف من إمكانية سيطرة الإسلاميين على الحكم في دمشق وغياب في الإستراتيجية الأمريكية الواضحة.

أخطاء جديدة

وهوما دعا صحيفة «واشنطن بوست» للتعليق في افتتاحيتها على هذا التطور بالإشارة لما قاله الرئيس الأمريكي باراك أوباما في تموز/يوليو هذا العام حيث أشار إلى أنه شعر بالثقة بعد المكالمة الهاتفية التي أجراها مع الرئيس بوتين حيث تركز الحديث على سوريا.
وقال الرئيس أوباما «بات لدى الروس إحساس من أن الرئيس الأسد يفقد السيطرة على مناطق شاسعة من البلاد» وهو «ما يقدم فرصة كبيرة لفتح حوار معهم» أي الروس.
وتعلق الصحيفة بأن تصريحات الرئيس الأمريكي ليست الأولى التي تحدث فيها عن إمكانية الاعتماد على روسيا لتحقيق حل دبلوماسي للحرب الأهلية بناء على المعطيات التي ترغب واشنطن وحلفاؤها العرب بالتوصل إليها.
كما أنها ليست المرة الأولى التي يخطئ فيها الرئيس بقراءة نوايا الحاكم الروسي. فخلافا للرؤية التي تشير لتخلي الروس عن الأسد يبدو أن موسكو قد ضاعفت من هذا الدعم.
وتقوم روسيا ببناء قاعدة عسكرية جوية في معاقل النظام على البحر الأبيض المتوسط وطلبت حقوق استخدام الأجواء الجوية من جيرانها. ويعتقد المحللون أن روسيا تحضر لنشر قوات عسكرية من 1.000 مستشار عسكري والمشاركة في غارات جوية إلى جانب الطيران السوري.
وتحدثت المعارضة السورية عن طائرات روسية حلقت فوق المناطق الواقعة تحت سيطرتها.
وأشارت الصحيفة لخطورة الأمر والذي دعا وزير الخارجية جون كيري إلى الاتصال بنظيره الروسي لافروف يوم الأحد وإصدار بيان قال فيه إنه حذر الروس من مخاطر «تصعيد النزاع وخلق فرصة للمواجهة» مع قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد «تنظيم الدولة» في العراق والشام.

موقف متماسك

وخلافا للموقف الأمريكي المتناقض من سوريا فقد ظل الموقف الروسي منها منسجما ومتماسكا منذ اندلاع الانتفاضة في 15 آذار/مارس 2011 .
وحاولت موسكو طوال الوقت وقف أي خطوة تتخذها الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها للإطاحة بنظام الأسد. بل وهدفت روسيا لإجبار الغرب على التعامل مع الأسد كشريك في الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية».
وتحدث بوتين يوم الجمعة عن خطته لحل الأزمة من خلال عقد انتخابات برلمانية وتشكيل حكومة وحدة وطنية والاعتراف بمعارضة حقيقية وهي الخطة التي عبر الأسد عن دعمها بشكل كامل. وترى الصحيفة أن استعداد بوتين لنشر قوات برية وجوية في سوريا يعني اعتراف الرئيس الروسي بالحقيقة التي يرفض أوباما الاعتراف بها: وهي أن أي خطة للحل السياسي لا معنى لها إلا إذا قرنت بقوة على الأرض. فلن يرحل الأسد كما يطالبه أوباما منذ وقت طويل من دون حرف ميزان القوة على الأرض بشكل يجعل المعارضة قادرة على الانتصار. وتقول لو قدم أوباما الدعم الذي وعد به المعارضة لما تجرأت روسيا على المخاطرة بقواتها وطائراتها. ويعتقد بوتين أن ضعف الولايات المتحدة يعطيه الفرصة لحرف ميزان الحرب لصالح النظام السوري.
وهو ما سيؤدي كما تحدث كيري في بيانه «خسارة عظيمة في الأرواح» وزيادة أعداد اللاجئين ولن يتم تغيير موقف روسيا أو دمشق بالعبارات الطنانة التي تطلقها واشنطن. ويحتاج أوباما لأكثر من مكالمات هاتفية إن رغب بتحقيق رؤية حول الأزمة في سوريا.

رد من واشنطن

وفي هذا السياق قالت صحيفة «نيويورك تايمز» إن الولايات المتحدة نجحت في إقناع بلغاريا على عدم فتح مجالها الجوي للطائرات الروسية المتجهة نحو مطار اللاذقية السوري. وقالت الإدارة إن اليونان وافقت على المطالب الأمريكية مع أن أثينا لم تعلن عن هذا التوجه بشكل علني.
وقالت الصحيفة إن التحضيرات الروسية والمحاولات الأمريكية لعرقلتها أدت لتصعيد التوتر الموجود أصلا بين البيت الأبيض والكرملين. فرغم اتفاق البلدين على تهديد «تنظيم الدولة» إلا أن التوتر الحالي كشف عن الخلافات بينهما حول كيفية التعامل مع الجماعة الجهادية هذه وحول مصير الرئيس الأسد.
وهو خلاف سيكون واضحا عندما يتحدث أوباما وبوتين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة نهاية الشهر الحالي.

جنود ومعدات

وتشير الصحيفة هنا لمظاهر قلق الإدارة الأمريكية حول النشاطات الروسية والتي نتجت عن تقارير امنية تحدثت عن خطط روسية لنشر مستشارين عسكريين روس ونقل طائرات إلى قاعدة جوية جنوب اللاذقية.
وتضم التحضيرات أيضا بيوت جاهزة لإيواء 1.000 عنصر ومحطة متحركة لمراقبة حركة الطائرات تعمل من داخل القاعدة الجوية.
وقامت الطائرات الروسية «كوندور» بنقل إمدادات ومعدات جديدة في نهاية الأسبوع الماضي حيث انطلقت من قاعدة جوية في جنوب روسيا وحلقت فوق إيران باتجاه اللاذقية وذلك حسبما تحدث مسؤول أمريكي طلب عدم ذكر اسمه.
وتعتقد الصحيفة أنه تم نقل الجنود في طائرات من نوع «إلوشين» والتي هبطت في نفس القاعدة الجوية نهاية الأسبوع.
ويعتقد أن الطائرات التي حلقت فوق بلغاريا واليونان كانت محملة بجنود. كما ويعتقد مسؤولون أمريكيون أن الروس يحاولون بناء قاعدة عمليات متقدمة.
وتحدثت تقارير لم يتم التأكد منها عن قوات روسية خاصة «سيبتسناز» في الأكاديمية البحرية السورية. وفي تقريرها للنشاطات هذه قالت الصحافة الروسية إن الطائرات كانت تحمل مساعدات إنسانية وهو المبرر نفسه الذي استخدمته إيران لوصف حركة طائراتها بين طهران ودمشق. وما استخدمته موسكو نفسه لتبرير إمدادات الإنفصاليين في أوكرانيا.
ورغم إغلاق بلغاريا لفضائها الجوي أمام حركة الطائرات الروسية التي قال وزير الخارجية في هذا البلد إنه جاء بسبب المعلومات التي قدمت للحصول على إذن للتحليق فوق أراضي جمهورية بلغاريا لكن موسكو لديها طريق آخر وهو التحليق فوق إيران ومن ثم العراق إلى سوريا.
وهناك طريق آخر عبر تركيا مع أن موسكو تتجنبه خشية إجبار السلطات التركية الطائرات العسكرية الروسية على الهبوط كما فعلت في الماضي.

نظريات

وعلى العموم تعكس النشاطات الروسية الجديدة اختلافا في المنظور بين واشنطن وموسكو حول الأزمة السورية.
ففي الوقت الذي تتهم فيه إدارة أوباما الأسد وتحمله مسؤولية العنف الطائفي وصعود «تنظيم الدولة» لا تزال موسكو ترى فيه درعا مهما ضد المتطرفين. ففي الوقت الذي دعا فيه بوتين لتحالف ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» إلا سوريا وإيران هما العضوان الوحيدان فيه.
ومن هنا يحاول المسؤولون الغربيون التعرف على النوايا الروسية. فهناك نظرية تقول إن موسكو لا تريد دعم الأسد فقط ولكنها تريد بنشرها قوات تعزيز نفوذها في البلاد حتى تؤثر على الحكومة المقبلة حالة سقط النظام.
وهناك نظرية أخرى ترى في التعزيزات الروسية محاولة لدعم وحماية ما سيتبقى من سوريا حالة أجبر الأسد على مغادرة العاصمة دمشق وأنشأ دويلة في معاقل العلويين.
ولا يوجد هناك ما يثبت صحة النظريتين إلا أن ما هو مؤكد هو أزمة في التعاون بين البلدين في الازمة السورية. مع أن كثيرين قرأوا في ثناء أوباما على الدور الروسي في إنجاز الاتفاق النووي مع إيران بداية للتعاون ووقف الأزمة في سوريا.

تعاون لا تصادم

ويرى الكاتب في صحيفة «إندبندنت» البريطانية باتريك كوكبيرن أهمية في تعاون البلدين لوقف الحرب الأهلية.
ويتذكر ما قاله مسؤول عسكري عراقي عن سوريا وعن السبب ببقاء الأسد في السلطة فيما انهار نظام القذافي وقتل في نهاية عام 2011. وقال المسؤول «الفارق الكبير بين الآن وما كان هو أن الروس عادوا كقوة عظمى».
ففي ليبيا وافقوا على الحملة الجوية التي قادها الناتو لمنع بنغازي من السقوط أمام دبابات القذافي. وعلى خلاف ليبيا قدم الروس الدعم العسكري والدبلوماسي الكافي للأسد كي يتجنب الهزيمة.
وأشار الكاتب هنا إلى أن روسيا ظلت المزود الرئيس للنظام بالسلاح ومنعت تدخلا دوليا على غرار ما حدث في ليبيا.
صحيح أن قوة بوتين لا تقارن بقوة الاتحاد السوفييتي السابق إلا أن تأثير كل من الولايات المتحدة وبريطانيا تراجع في المنطقة بسبب فشلهما في تحقيق أهداف الحرب في العراق وأفغانستان.
وزادت الولايات المتحدة هذا الحس العام الماضي عندما فشلت في وقف تقدم «تنظيم الدولة» بالاعتماد على الحملات الجوية فقط.
ويرى كوكبيرن أهمية النظر في فشل السياسات الحالية لوقف تنظيم الدولة قبل تقييم ما يجب أن تفعله الولايات المتحدة وروسيا وحلفاؤهما.
ويعتقد الكاتب هنا أن التعلل بالأماني هو سيد الموقف. ويشير هنا لرد فعل أوباما على سقوط الموصل العام الماضي وتقليله من أهمية «التنظيم».
وكيف استمر سوء التقدير وأدى لتوسع أراضي «الدولة» وسيطرته على كل من الرمادي وتدمر.
وحذر من تقدم الجهاديين على الطريق السريع «أم فايف» مما يهدد بقطع العاصمة السورية عن غرب وشمال البلاد.
ويقول كوكبيرن إن هناك أزمتين دوليتين نتجتا عن الحرب الأهلية السورية: الأولى هي خروج آلاف السوريين باتجاه أوروبا والثانية هو توسع ما يطلق عليها «الدولة الإسلامية» والتي تسيطر على نصف سوريا.
وفي الوقت الذي شهد فيه شهر آب/أغسطس سلسلة من التحركات الدبلوماسية إلا أنه لم يتم اتخاذ أفعال لوقف الحرب الأهلية.
ويرى أن الجماعات القوية في سوريا ليست معنية بالتفاوض لأن هذه القوى هي «تنظيم الدولة» و»جبهة النصرة» و»أحرار الشام» والتي تريد قتل أعدائها لا التحاور معهم.
وبالنسبة للأسد فلم يظهر ميلا للتشارك في السلطة مع أي طرف مع أن الطريقة الوحيدة للتشارك فيها هي تقسيم البلاد كوسيلة لوقف الحرب الأهلية.
ويرى كوكبيرن نفاقا في النقد الأمريكي للتحركات الروسية الأخيرة في سوريا مع أن أكبر طرف يخشى من انهيار النظام هي الولايات المتحدة التي لا تريد أن يستبدل نظامه بجماعات متشددة مثل «جبهة النصرة» أو «تنظيم الدولة».
وفي غياب السياسة الأمريكية الواضحة تجاه سوريا فمن الواضح أن روسيا ستكون لاعبا مهما في وقف «تنظيم الدولة».
ويستبعد في هذا السياق أن تكون لدى الروس خطط للهيمنة على الشرق الأوسط، فليس لديهم القوة الكافية لفعل هذا ودورهم في سوريا والحالة هذه ليس تعبيرا عن وضع الحرب الباردة كما كان في عهد الاتحاد السوفييتي.
وفي النهاية يرى أنه من دون تعاون بين الولايات المتحدة وروسيا للدفع باتجاه تسوية فالحرب ستتواصل وسيكون الرابح الوحيد فيها هو «تنظيم الدولة» والجماعات الموالية لـ «القاعدة».

qal

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية