هل تسقط أوروبا في اختبارها في الحياة؟

حجم الخط
2

هل تسقط أوروبا في أختبارها الإنساني، بعد أن سقطت في الاختبار الاخلاقي بصمتها عن مجازر نظام الأسد على مدى أربع سنوات من القتل المستدام التي تشنها قوات الأسد والميليشيا الموالية له ضد الشعب السوري.
أضحى من البديهي اليوم على دول الإتحاد الأوروبي الاستجابة لحالات الطوارئ ووضع آلية مناسبة لمساعدة اللاجئين الفارين من الموت يحملهم رجاء أن يتلقوا معاملة أكثرإنسانية، كما ويتوجب على البلدان الأوروبية الغنية أن تقدم مساعدة عاجلة للدول الأوروبية الفقيرة التي تعتبر الممر الرئيسي لرحلات اللاجئين «اليونان مقدونا المجر» .
اليوم أوروبا كلها مدعوة للاستجابة بصورة عاجلة لمتطلبات اللاجئين السوريين الذين قصدوها طلباً للأمان وما أخرجهم من قراهم وبلدانهم،غرامهم بالحضارة الأوروبية أو الرغبة في العيش على الطريقة الغربية، وأن احد وأهم وأبرز الأسباب التي قادتهم للجوء اليكم هو صمت دولكم وتجاهلها لمأساة السوريين التي طالت فصولها.
عندما تكتفي دول الاتحاد الأوروبي ومن خلفها حلف»الناتو» بمتابعة الأخبار التي تصلهم عبر نشرات الأخبار أو مواقع التواصل الإجتماعي والتي تتحدث عن تدمير سوريا الوطن والإنسان، ويكتفون باصدار تقارير انشائية تحمل ما تحمله من عبارات الشجب والإدانة التي سئم الشعب السوري تكرارها، ستكون النتيجة الحتمية سيلا جارفا بل طوفانا من المهاجرين «غير النظاميين « يطرقون أبوابكم بحثاً عن الأمان عندكم بسبب أن دولكم في الأصل لم تمكنهم من الاستقرار في بلدانهم، ولم تقدم لهم السلاح حتى يدافعوا عن أنفسهم ضد القتل الذي تقوم به ميليشيات طائفية عابرة للحدود.
ليس من حق دول الاتحاد الأوروبي ودول الغرب عامة أن تمنع وتحتجز اللاجئين السوريين على المنافذ الحدودية والتعامل معهم بطريقة غير إنسانية تسيئ للمجتمع الأوروبي وقيمه قبل أن تسيئ لأي مجتمع آخر ( حسب قوانينها وادعائها ). أمواج اللاجئين التي تطرق أبوابكم اليوم هي نتيجة لسوء تقديراتكم وتجاهلكم وصمتكم على أكبر مجزرة في التاريخ شنها نظام مريض يحمل من الأحقاد ما يمكنه أن يدمر العالم كله وليس فقط المجتمع السوري.
اليوم على الدول الأوروبية أن تحصد ما زرعته عندما صمت آذانها عن صرخات أطفال سوريا وتعمدت عدم تقديم مقومات الصمود للأهالي في مناطقهم المنكوبة، ولم تفعل شيئا ملموس على الصعيد المجتمع الدولي ولم تقم بواجباتها وفق ما يقتضية القانون الإنساني الدولي وشرعة حقوق الإنسان، لإجبار طاغية دمشق وميليشياته الحليفة على وقف شلال الدم ومعول الهدم الذي طال سوريا الوطن والإنسان.
إن تذرعتم بذريعة أن مجلس الأمن الدولي معطل ومصادر من قبل «روسيا- والصين « الجواب سيكون سهلا على أي متابع وهو أن مبدأ حماية المدنيين الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2005 وتم أستخدام هذا المبدأ في عدة حالات وفي ليبيا عام 2011، وفي الحقيقة لا ينص مبدأ مسؤولية الحماية على القيام فقط بضربات عسكرية، بل ينص وبكلِّ وضوح على الوقاية وإعادة الإعمار. جدير ذكره ضمن هذا السياق، أن مهندسة التدخّل العسكري في ليبيا من أجل حماية المدنيين، سوزان رايس وسامنتا باور، انضمتا إلى طاقم الأمن القومي للولايات المتحدة بعد أن عيّن الرئيس أوباما السيدة رايس مستشارة لشؤون الأمن القومي، بينما خلفتها باور سفيرة لبلادها في الأمم المتحدة، ويظل السؤال حائراً أين هاتان من المذبحة السورية ؟
لا يحق لكم اليوم أن تطردوا السوريين وأن توصدوا أبوابكم ونوافذكم في وجوههم وتقطعوا لهم آخر سبل النجاة بأهلهم وأنفسهم من المحرقة السورية.
اليوم المجتمع الدولي وعلى رأسه دول الإتحاد الأوروبي، مطالبة وبشكل فعلي أن تقوم بعمل حقيقي ملموس ينقذ آلاف اللاجئين من أجل منحهم فرصة لحياة الإنسانية ولا نقول أكثر انسانية. كما يجب على تلك المجتمعات أن تعيد النظر في المقاربة الأمنية لحل مشكلة اللاجئين والتعامل معهم على أنهم خطر «ارهاب» يهدد بلدانهم بل أن يتعاملوا معهم على أنهم شركاء لهم في الإنسانية.
إن المقاربة الأمنية وإغلاق المنافذ الحدودية بالاسلاك الشائكة لعرقلة مرور اللاجئين ستضعهم بين خيارات محددة ليس أولها الموت غرقاً أو خنقاً أو أن يكونوا ضحية لتجار البشر الذين يجدون في ظروف اللاجئين بيئة خصبة لزيادة نشاطهم الإجرامي بهدف جمع الأرباح بغض النظر أن تكون مغمسة بدماء الناس ام لا، أو أن يموتوا تحت أنقاض منازلهم التي تدمرها فوق رؤوسهم براميل طائرات الأسد، ويظل الخيار الأكثر خطراً هو أن يجد أولئك اللاجئون أنفسهم أمام خيار أنتحاري هو الانضمام إلى منظمات تصنف على أنها ارهابية.
من هنا لا نجد خيارا أمام المجتع الدولي إن يتعامل مع أصل الموضوع وليس إفرازاته وارتداداته وإنعكاساتها، الأصل في الموضوع هو أن هنالك قاتلا أستمرأ القتل ويبيت في قصره، قرير العين دون وازع من ضمير، بعد أن ضمن بأن المجتمع الدولي لن يحاسبه ولن يحاكمه أحد، فالكل يتحدث عن حل سياسي يحفظ مؤسسات الدولة، هذا الحل الذي ثبته بيان مجلس الأمن الدولي الأخير حول سوريا وتحدث بوضوح عن حل توافقي والكل يعلم أن أي حل لا يضمن إفلات نظام الأسد وعصبته من المحاسبة وضمان أمنهم لن يكون مقبولا.
لم يعد الموضوع يحتمل كثيراُ من الأخذ والرد بل الحزم، عشرات الأرواح تزهق يومياً، إما بالبراميل المتفجرة أو غرقاً عبر رحلات الموت الجماعي أمام السواحل الليبية وغيرها من شواطئ أوروبا.
لم يعد بعد اليوم أمراً مقبول أن تتوارى منظومة المجتمع الدولي وراء المنظمات الإرهابية والحرب على الإرهاب وتتخذ منه ذريعة لعدم دعم تطلعات الشعب السوري وتبريراُ آخر لمنعهم من اللجوء.
ويتم تجاهل حقيقة أن بلدا كاملا يحترق بأرضه وإنسانه.
ويظل الشكر واجباً علينا للحكومة الآلمانية على مواقفها الأكثر إنسانية من بقية الدول بمن فيهم الأشقاء، ونطرح عليهم سؤالا مفاده مادمتم تقبلون من يصل أراضيكم بطرق، تسمى غير مشروعة، ويمنح حقوق اللاجىء لماذا لا يتم فتح سفاراتكم ليأتوا اليكم بطرق مشروعة أكثر أمنا وأكثر انسانية.

ميسرة بكور
كاتب وباحث سياسي سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية