هل تسهم الثقافة في الخراب السياسي الذي يعيشه العراق؟

حجم الخط
0

بغداد – «القدس العربي» : الكثير من المثقفين العراقيين يبعدون الكاتب والصحافي والمثقف من الخراب السياسي، الذي يشكل العقبة الرئيسة في الحياة العراقية، وكأن هذا المثقف منزَّه، وبعيد عن التلوث الذي تلطخت به يدي السياسي، خصوصاً إذا كان عمل هذا (المثقف) مرتبطاً بهذا السياسي أو ذلك، مبررين ذلك بأنه مجبر على العمل وكسب رزقه، من دون أن يكون له دور حقيقي في هذا الخراب..
لكن ما حدث في جلسة البرلمان العراقي في الأول من أغسطس/ آب في البرلمان العراقي والفضيحة المدوية التي أدلى بها وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي من ارتباط الكثير من النواب العراقيين؛ سنة وشيعة، وعلى رأسهم رئيس مجلس النواب سليم الجبوري، بصفقات فساد، كشف الغطاء عن صور لمثقفين وصحافيين مرتبطين ارتباطاً مباشراً بهذا الفساد، حتى وإن لم يقبضوا منه، لكنهم بمجرد أن يكونوا مدافعين عن الفاسدين، أو أن يبرروا لهؤلاء النواب فسادهم، فسيكونون مشاركين رئيسيين بهذا الخراب الذي نعيش فيه.. وبعيداً عن ذكر أسماء أعلنت أسفها على صفحات التواصل الاجتماعي كمدافعين عن هؤلاء الفاسدين.. ترى هل تسهم الثقافة العراقية في الخراب السياسي؟ ربما تساؤل كهذا سيدخلنا في قراءة بنية الثقافة العراقية من وجوه مختلفة لما نقرأه فيها كل مرَّة.

استمرار المحو

يميل الناقد والمترجم حسن ناظم إلى الاعتقاد بأن الجانب الأول (التدمير الجسديّ العينيّ لبنية ثقافتنا) تكفّلتْ به حقبةُ الديكتاتورية أفظع تكفّل، وبعد سقوطها لم يكن، في مرحلة ما بعد عام 2003، عملا ملائما على الجانب الرمزيّ، وفي كلتا الحالتين، كانت الثقافةُ مشاركةً بقرع طبول عمليات القتل في الديكتاتورية وبالصمت بعد سقوطها. بعبارة أخرى، تكفّلت مرحلةُ الديكتاتورية بتدمير الأجساد، بينما لم تقم مرحلة ما بعدها بواجب إحياء ذاكرة هذه الأجساد بما يتناسب مع حجم تدميرها. في هذا المفصل الحسّاس، تشترك مرحلة المابعد مع مرحلة الماقبل بالطمس الجزئيّ أو الكلّيّ للضحايا جسداً في الأولى وذاكرةً في الثانية. لأن من غاياتِ القتلِ الجماعيّ للسلطة والثقافة الديكتاتوريتيْن محوَ الضحيةِ ومعاملتَه كـ»لا شيء» بتغييب الجسد في الحُفر، ومنع البحث عنه، وتسويغ ذلك كلّه بفرضيات ونظريات. ويتوقع المرءُ أن من بين واجبات النظام الديمقراطي الذي يعقبُ القمعَ الديكتاتوريّ ردّ «اللاشيء» إلى شيئيّته، ومنحه ذاكرته ووجوده الممحوين. وحين يضربُ التغافلُ والإهمال في صميم هذا النظام الجديد عن مثل هذه الاستحقاقات، فإن ثمة استمراراً للمحو، وإمعاناً في التغييب، يضارعُ المحوَ الأول والتغييب الأول.
ويتساء ناظم: يدرجُ القولُ إن السلطةَ خرّبت الثقافة والمثقفين ودفعتْهما إلى الانخراط المهلك في دعم ممارسات عنيفة، ولكن ماذا لو فكّرنا في عكس هذه الأطروحة؛ أي أن ثقافتَنا كانت تتطلّعُ إلى خرابها على يد السلطة؟ مع مجيء صدام حسين للسلطة، مع الوعد، وجدت الثقافةُ مَنْ يُريحُها من ترنّحها نهائياً، ترنّحها بين التعدّد والوحدانية، وترنّحها بصدد التردّد في اتخاذ قرار بشأن السلطة، قرار أن السلطة هي «الحقيقة» الوحيدة، وما الذي تسعى إليه الثقافةُ غير «الحقيقة»، التي هي السلطة في هذا السياق. بهذا المنظور أفهمُ العبارة الجامعة لثيودور أدورنو: «لا تقترنُ المعرفةُ بالسلطة طبقاً لعلاقة إخضاع وحسب، بل تجمعهما أيضاً علاقة حقيقة». علاقةُ الحقيقة هذه تجعلُ في صلب الثقافة إمكانية المشاركة في فظائع السلطة مشاركة فعّالة من خلال التعبئة والتسويغ والتفسير.

أنماط الثقافة

في حين يرى الروائي والأكاديمي لؤي حمزة عباس أن غياب الرغبة بإصلاح حالنا الثقافي، وتسيّد فئة منتفعة حريصة على بقاء الأمر على ما هو عليه، وقبول الأغلبية بذلك وسكوتها عنه يدفع لإنتاج فعاليات أقصى ما تكون عن الثقافة وطرائقها في تدبير الحياة.. إن اندحار المؤسسة الثقافة العراقية مفصل مهم من اندحار الدولة، وتلك مقدمة لمآل حتمي نشهد فيه، لو قدّر لنا أن نكون من الشاهدين، زوال العراق بزوال منظومة القيم التي تؤسس بلداً وترعى وجوده.
وفي الموضوع ذاته، يقول الشاعر والباحث قحطان جاسم إنه لا ينبغي أن نميز بين ثلاثة مستويات للثقافة، الثقافة الاجتماعية والسياسية والثقافة الراقية التي تشمل الأدب والفن.. فيما يخص العراق ثمة تداخل وصراع حالياً بين هذه المستويات، فالتداخل هو بين الثقافة الاجتماعية التي تقوم على القيم السائدة والعادات والثقافة السياسية التي تولدها طبيعة النشاط السياسي للدولة ومشاريعها والقائمين عليها.. ونرى أن ثمة تعاضد بين هاتين الثقافتين. فيما يخص الثقافة الراقية (الأدب والفن) نرى من جهة تداخل بعض هذه الثقافة مع الثقافتين الاجتماعية والسياسية بفعل تأثرها بمحيطها وأصولها التقليدية التي تسعى إلى تأبيد ما هو قائم وتعضد من موقف انتهازي ومصلحي، النظام السياسي الذي يلبي بعض مصالحها، وتصوغ بعض مفاهيمه وتدافع عن مشاريعه وممارساته، بينما نرى من الجهة الأخرى بعضا من الثقافة الأدبية والفنية يشن صراعاً على جبهات متعددة ضد المستويين الثقافيين السابقين من أجل حياة أفضل وتغيير الواقع السياسي القائم، غير أنه صراع معقد وضعيف بفعل أسباب عديدة، أهمها غياب وحدة النخبة أو المجموعة في هذا الصف الثقافي الأخير… من هنا يمكن القول إن الثقافتين الاجتماعية والسياسية وقسما كبيرا من الثقافة – الأدبية والفنية- تساهم في الخراب السياسي وتعتاش عليه.  ويضيف الكاتب والأكاديمي عمار أحمد إلى بنيات الثقافة المعروفة الثقافة الدينية، التي يعدّها جانحة عن طريقة المساءلة العقلية، والمحتمية بالعجيب والغريب، والملفق عمداً لتصحيح رأي صار يوماً ما عارياً من قوّته، فضلاً عن انحسار هذه الثقافة في دوائر التحزب الضيقة.

مثقف نوعي

الكثير من الأدباء والقراء ينظرون للثقافة بحسب ثقافتهم ورؤاهم، وفي بحثنا عن العلاقة بين الثقافة وتأثيرها في الخراب السياسي، لم نجد اثنين من المثقفين متفقين تماماً على ما يحدث، فالكاتب منتظر السوادي يشير إلى أن المجتمع بنية متكونة من مُستويات منها الثقافي والسياسي والطبي والتعليمي والديني وغيرها، وحين تكون الثقافة فاسدة فلا ريب أنها جزء من ذلك البناء الكلي الذي هو أصلاً فاسد، فلا تزيد الأمور إلا فساداً وخراباً، ولاسيما أن الأمل في الإصلاح يكون ثقافياً.
وبدوره، يبيّن الشاعر ناصر الحجاج أن المؤسسة الثقافية هي تتويج للنشاط الثقافي الإبداعي للمثقف (الفرد)، ضمن روح الفريق، أي هي آصرة لأنوية معرفية وتشكل لمركب أكثر إثراء، وتأثيراً في البيئة الثقافية للمجتمع، وغير هذا الارتقاء ستكون المؤسسة الثقافية وسيلة تجهيل وتردي للذوق الثقافي، وهبوط للسقف المعرفي لا تسهم إلا في صنع مسوخ ثقافية مقنعة بوجوه ملونة.
أما الكاتب والباحث محمد السباهي فيؤكد أن الاحتكام لمثقف السلطة المؤدلجة لتأسيس ثقافة معينة يقتل المثقف (الفرد) ويحيي المؤسسة الخراب، ولذا ينبغي التأسيس لمثقف (نوعي) ومؤسسة تناهض وتناجز هذا الخراب. ويرى أن المقاطعة وحدها لا تكفي لوقف هذا الزيف ومنع بقعة الزيت من قتل نوارس البحر.

مؤسسات الخراب

وهناك من يعدّ الثقافة في العراق من أساس الخراب فعلاً، وليس جزءاً منها، وهذا ما يؤكده القاص حسين رشيد الذي يشير إلى أن رأيه هذا كان مبنياً على أساس أن خراب الثقافة دخل من باب المحاصصة أولاً، والاعتماد على أناس لا شأن لهم بالثقافة والفن ثانياً، يضاف لذلك عودة مثقفي السلطة السابقة الذين يعملون ضمن أجندة معينة. مضيفاً أن الخراب الأكبر سببه البعض من المثقفين، إذ كانوا في السلطة السابقة أو ما نتج عن التغيير، خاصة بالسكوت عما يحدث من خراب وانحطاط ثقافي، وبالتالي فإن الجميع مشارك في هذا الخراب متمثلاً بوزارة الثقافة؛ المؤسسة المعنية بالثقافة، إذا كان بالتسمية أو بالقانون والدستور، لكن البعض ممن دخل أبواب الوزارة أوصدها على ما يريد هو من دون أن يتشاور مع المعني بالأمر… أما الشاعر والأكاديمي أحمد عزاوي فيشير إلى أن موقف الثقافة هذا من الخراب نابع من أنها لا تنطوي على موقف عقلاني نقدي يكون بمثابة مظلة جامعة للصوت الثقافي العراقي الذي يتبدد في مشاركة جمهرة من المثقفين في مناسبات ثقافية ودينية ترعاها الأحزاب السياسية المسؤولة عن الخراب الشامل الذي نعيشه.
غير أن الأمر يبدو نسبياً، حسب ما يرى الشاعر علي إبراهيم الياسري، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن السياسة عموماً نتاج ثقافة مبنية على اجتماع آراء متفاوتة للشعب الذي يختلف بدوره بدرجات المستوى الثقافي، لكن يمكننا أن نقول أيضاً إن الثقافة الآن هي نتاج حتمي للسلطة ببعدها السياسي، وإذا ما قلنا ذلك علينا إيجاد القرينة المناسبة لمفردة (ثقافة) بشرط أن تعبر تلك القرينة عن تفريغ مفردة المثقف من كل شيء له علاقة حقيقية بالثقافة، وهذا حال أغلب المثقفين الآن.

هل تسهم الثقافة في الخراب السياسي الذي يعيشه العراق؟
كتاب وشعراء يمزقون الأقنعة
صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية