هل تعرفون الغنوشي؟

ربما بدا السؤال ساذجا وبسيطا بالنسبة للبعض وعديم الجدوى ومستفزا للبعض الاخر.
ولكننا إذا ما طرحناه بشكل دقيق ومباشر على عينة عشوائية من التونسيين من مختلف الأعمار والأجناس فلن يكون غريبا أو مستبعدا أن نحصل على خليط عجيب وفريد من الأجوبة والمواقف التي قد تلخص إلى حد ما حال تونس الجديدة. وأول ما سيفعله بعض الشباب الذين قد نصادفهم في المقاهي أو في الشوارع الخلفية للأحياء الفقيرة والهامشية التي تحيط بالعاصمة من جهاتها الأربع، هو أنهم سيهزون اكتافهم دليلا على التأفف واللامبالاة رادين على السؤال بأسئلة بديلة وموازية من قبيل «وما الذي يفيد إن كنا نعرفه أو نجهله؟ وهل أن تلك المعرفة مهمة في حد ذاتها وهل بوسعها أن تغير شيئا وتدر علينا اموالا ومنافع وتجلب لنا فرص عمل وتبدل حياتنا السوداوية ومسار مستقبلنا المظلم؟
وهل أن الشخص الذي تسألون عنه يملك بالفعل قدرة ونفوذا على أن يحرك واقعنا الثابت والجامد ولو بضع سنتيمرات قليلة إلى الامام؟ ثم لن يكون مستبعدا أن يرفعوا في وجه السائل سجائرهم المحشوة بالحشيش ويقولوا له بثقة واطمئنان، هذا هو الشيء الوحيد الذي نعرفه ويعرفنا ولنا ثقة تامة ومطلقة في انه سيخرجنا من عالم البؤس والكآبة. إن هؤلاء اليافعين الذين لا يفهمون الفرق بين نعمة الديمقراطية وشقاء الاستبداد ولا يجدون رمزا أو أسطورة أو مثلا أعلى جديرا بالاقتداء، والذين فقدوا كل أمل وهدف في الحياة وربما كانوا جزءا من الاربعمئة الف تلميذ الذين ذكر مسؤول البرنامج المحلي لمكافحة الادمان قبل ايام لصحيفة «الصباح» المحلية انهم يتعاطون المخدرات في تونس، لا يبدون اي رغبة أو حرص على معرفة رجل بحجم الغنوشي، مادامت تلك المعرفة لن تحقق بنظرهم تغييرا جذريا وملموسا وقريبا لحياتهم. أما الكهول الذين تخطوا عتبة الشباب وعاشوا ما بات الاسلاميون التونسيون يطلقون عليها سنوات الجمر مطلع تسعينيات القرن الماضي، وحتى ما جرى قبلها في منتصف الثمانينيات فسيبادرون بالقول، إنه واحد من اكثر الشخصيات التي أثرت في مسار حياتهم وقلبته رأسا على عقب. انهم يعتبرونه ابا روحيا لما كانوا يرونها صحوة بدأت اواخر الستينيات بظهور الجماعة الإسلامية التي تحولت فيما بعد إلى حركة الاتجاه الاسلامي ثم إلى حركة النهضة. ومعظمهم عرف الغنوشي شيخا ملاحقا من البوليس، يتنقل بصعوبة وفي سرية بالغة في معظم الحالات لإلقاء الدروس في بعض المساجد، التي كان مجرد الحضور لها ساعة وجوده سببا كافيا لجلب المتاعب والمضايقات لهم ووضعهم بشكل آلي ومباشر في خانة المتهمين، إما بالانتماء الصريح أو في ادنى الحالات بالتعاطف والاعجاب بالعدو الاول للدولة. لقد كانوا متحمسين لأفكاره وجذبتهم حينها تصوراته وأفكاره الجديدة حول الاسلام، وجعلتهم يفهمونه بعيدا عن القوالب والبروتوكولات الرسمية والقشور التي حرص بورقيبة ثم خلفه بن علي على التمسك بها من باب سحب البساط من تحت أقدام الإسلاميين، والتأكيد في الوقت نفسه على ألا مشكل للنظام مع الدين.
وربما استذكروا بعد كل تلك السنوات بآمالها ومآسيها مشاهد المواجهة العنيفة التي جرت مع دولة ظلت تعتبرهم حتى عهد قريب ارهابيين يتسترون بالدين لا مجال أو سبيل على الإطلاق لمد اليد لهم والحوار معهم، وقفزت إلى اذهانهم حين حضروا في مايو الماضي حفل افتتاح المؤتمر العاشر لحزبهم بعض فصولها المريرة، وهم يستمعون للداعية والمجدد الديني الذي لبس ثوب الزعيم الوطني وهو يقول في حضرة الباجي قائد السبسي رئيس الدولة الذي حضر الحفل «إن النظم الاستبدادية حاولت تشويه علاقتنا بالدولة بالقمع والتزييف والتخويف، ولكنها فشلت في أن تصنع من الدولة عدوا للحركة ومن الحركة عدوا للدولة. وتجربتنا في الحكم بعد الثورة تؤكد أن النهضة جزء من الدولة وسند لها، وخروجنا من الحكومة تجنبا لانقسام البلاد يؤكد اننا لسنا طلاب سلطة ولا باحثين عن هيمنة وتفرد. فالدولة التونسية سفينتنا التي يجب أن تحمل على ظهرها كافة ابنائها وبناتها. ايها النهضويون انتم قوة للدولة وهذه دولتكم وليس لكم دولة سواها فذودوا عنها بكل ما تملكون». ولا شك أن البعض منهم شعر حينها بشيء من الغبن والمرارة وحتى الظلم وهو يرى أن الشيخ الذي تصالح مع الدولة وصار يعتبر نفسه جزءا ثابتا واصيلا منها، قد تخلى ببساطة وسهولة عن المطالبة بحق الضحايا ولم يتمسك بشكل قوي وثابت بمتابعة الجناة والقتلة والسفاحين الذين سجنوا وشردوا الالاف وقضوا ودمروا أكثر من جيل. إنهم لا يفهمون تماما سياسة التوافق التي اختارها وقبوله قسمة ضيزى للحكم مع نظام وصل إلى السلطة قبل ستين عاما ولم يتخل عنها بعد ذلك سوى مدة قصيرة ومحدودة، ولا يساورهم الشك للحظة في أن الدولة التي لم تغير نظرتها لهم وموقفها منهم وليست على استعداد للقبول بوجودهم في المشهد العام والنظر لهم مثل باقي التونسيين على انهم جديرون بأن يركبوا السفينة التي تحدث عنها رغم كل المظاهر والشعارات. الماضي لا يزال حاضرا بقوة في اذهانهم وتجارب الانقلاب لاتزال ماثلة بشكل صادم امام اعينهم. والإشكال الكبير الذي يؤرق الكثير منهم هنا هو انهم لا يرون أفقا ومستقبلا واعدا لتلك السياسة التوافقية، ويربطون بين استمرارها وتواصلها وبقاء الرمزين الكبيرين قائد السبسي والغنوشي في مواقعهما الحالية في الدولة والحزب. أما الشيخ الذي صار يتكلم بمنطق رجل الدولة فهو يفسر لجوءه لتلك السياسة بالرغبة في «تحقيق مصلحة البلاد والحفاظ على استقرارها وأمنها في محيط متلاطم بالاخطار والعواصف»، ويؤكد في حديث ادلى به في الحادي عشر من الشهر الجاري لصحيفة «الشروق» المحلية أن «هناك مشروعين في تونس وهما مشروع التوافق ومشروع الاستئصال».
وربما كان اصحاب المشروع الثاني اي من وصفهم بالاستئصاليين هم اكثر من يدعي معرفة به ولا يرضى بأي تعديل أو تصويب لما يقول عنها إنها حقائق ثابتة ومستقرة لا تتغير ابدا في شخصية الغنوشي. هؤلاء هم في الغالب من بقايا اليسار الذين لم يغيروا موقفهم منه ومن الإسلاميين بشكل عام، وهم يرددون طوال الوقت أن له روابط مشبوهة بالتنظيم العالمي للاخوان، وانه ليس جادا ولا صادقا في تصريحاته ومواقفه المعروفة والمكررة حول تمسكه بالحفاظ على مدنية الدولة. والاخطر من ذلك أنهم يتهمونه صراحة بالوقوف وراء اغتيال شخصيتين سياسيتين بارزتين في البلد قبل ثلاث سنوات من الان ويجعلون من ذلك الاتهام مسمار حجا لرفض كل تقارب أو تفاهم مع حزبه، أو حتى مجرد القبول بالجلوس معه على طاولة واحدة. انهم يعتمدون شكلا من المعرفة الانطباعية والدوغمائية التي تتناقض بالكامل مع جوهر النظرية العلمية التي يدعون الانتماء لها، في حين انهم لا يعترفون لا بقرينة البراءة ولا بواجب الإثبات ويعتبرون أن الخلاف السياسي ليس صراع أفكار بل صراع وجود وأنه من المستحيل بقاء طرف مع الاخر لان البلد لا يتسع للاختلافات والتناقضات. اما اصواتهم فهي تبدو الاعلى والاكثر قدرة على الوصول إلى الرأي العام المحلي ماداموا يملكون سيطرة ونفوذا شبه مطلق على مفاصل الدعاية و الاعلام. ولكن ذلك لا يفسر سوى جزء فقط من الحقيقة، أما الجزء الباقي فهو أن الناس لم تعد تجد وقتا أو شغفا لتكتشف وتعرف وصارت تعتمد بشكل متزايد على الوصفات الجاهزة والمعلومات السريعة التي لم يعد مهما من أعدها ولصالح من. لقد سألت صحيفة «المغرب» الشيخ الغنوشي ذات مرة عما يطالعه شباب حركة النهضة اليوم بعد أن كان في السبعينيات والثمانينيات يطالع كتب سيد قطب وحسن البنا ومحمد الغزالي، فأجاب بأنه يطالع الفيسبوك وهو مثل باقي الشباب التونسي لا يقرأ الكتب، وإذا فعل فعادة ما يقرأ النصوص القصيرة. وربما كان ذلك ناقوس خطر يطرح عدة استفهامات حول قدرة شعب ازداد بعد التحرر والانفتاح تكلسا وجهلا وفقرا وبؤسا على صيانة تجربة ديمقراطية باتت محط انظار الجميع. والمؤكد أن ذلك قد يحتاج لاكثر من عملية سبر للآراء ستعطي كالعادة مواقف وأجوبة قد تستعصي على الحصر والفهم معا.
كاتب وصحافي من تونس

هل تعرفون الغنوشي؟

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية