الناصرة – «القدس العربي»: بعد مرور شهر ونيف على عدوان «الصخرة الصلبة» تستنتج إسرائيل بفعل الوقائع على الأرض أن حماس تغيرت جدا عسكريا وظلت على حالها سياسيا حركة أيديولوجية دينية ترفض الإعتراف بها والمشاركة بتسوية معها. منذ الأيام الأولى للعدوان الأخير على غزة فوجئت إسرائيل بمقاومة فلسطينية مغايرة عن تلك التي واجهتها في الحربين السابقتين «عمود العنان» و «الرصاص المصبوب» من ناحية قوتها وقدراتها كما وكيفا.
ودفع تعاظم قوة حماس المفاجئ في ظل حصار مطبق الكثير من المعلقين الإسرائيليين البارزين لاتهام المؤسسة الحاكمة في إسرائيل بطبقتيها السياسية والعسكرية بالاستخفاف بالمقاومة والتورط معها في حرب دامت شهرا تكبدت فيها نتائج فادحة بكل المستويات وظلت مفتوحة بدون حسم.
وعبّر عن هذه الأجواء والتوجهات الناقدة لإساءة تقدير إسرائيل لحماس رغباتها وقدراتها المعلق العسكري للقناة «العبرية العاشرة» ألون بن دافيد الذي يؤكد أن حماس بخلاف التقييمات الإسرائيلية صمدت ولم تنهار وظلت قادرة على إطلاق الصواريخ والاحتفاظ ببيانها القيادي الهرمي رغم أن إسرائيل ألقت على غزة خمسة آلاف طن من المتفجرات وتسببت بقتل وإصابة آلاف المدنيين من سكانها.
بن دافيد الذي حافظ طيلة أيام العدوان على رؤيته النقدية لم يتردد في تكرار ملاحظاته بأن حماس نجحت في مباغتة عدوها بعمليات خلاقة خلف الخطوط فيما ظل الجيش الإسرائيلي يقاتل بتكتيكات مألوفة توقعها الفلسطينيون ولم ينجح بالقيام بمناورات التفافية أو عمليات تملك عنصر المفاجأة وتنال من تماسك المقاومين.
ويتفق معه زميله المعلق السياسي البارز رفيف دروكر، الذي يؤكد هو الآخر أن حماس تطورت ونجحت بإحراز نتائج طيبة في الجولة الحالية ويدلل على استنتاجه القاطع بالمفاضلة بين حرب «الرصاص المصبوب» في نهاية 2008 وفيها قتل تسعة جنود من الجيش الإسرائيلي رغم توغله حتى قلب القطاع وإطلاق المقاومة نحو 35 صاروخا في اليوم، وبين «الصخرة الصلبة» التي تكبدت فيها إسرائيل خسائر فادحة ومحرجة. ويشير دروكر أن إسرائيل فقدت هذه المرة 64 جنديا إضافة لإصابة نحو 500 آخرين وتعطلت حركة الملاحة فيها لعدة أيام وتشوشت الحياة الاعتيادية طيلة شهر ولحقت خسائر تقدر بخمسة مليارات دولار بالاقتصاد الإسرائيلي وكل ذلك دون إحراز نتيجة حاسمة. ويعتبر دروكر أن حماس استعدت لهذه المعركة وحددت تموز 2014 موعدا لها ونجحت بتنفيذ ما خططت له مستفيدة من دروس الحروب السابقة وعلى رأسها مباغتة إسرائيل بأنفاق هجومية.
ودعا محرر الشؤون الاستخباراتية في صحيفة «يديعوت أحرونوت» د. رونين بيرغمان لعدم الاستخفاف بالمقاومة في غزة بعد ما نجحت في مباغتة جيش الاحتلال بالأنفاق الهجومية، وبعدد الصواريخ وبمداها الطويلة. ويعتقد هو الآخر في تقرير مطول نشره ملحق «يديعوت أحرونوت» الجمعة «أن حماس تطورت عدة درجات من الناحية العسكرية بفضل القائد الأعلى لكتائب «عز الدين القسام» محمد ضيف» منوها أن إسرائيل شنت عدوانها هذه المرة وهي أقل جاهزية من الحربين السابقتين. وحسب المعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية طبق ضيف بعض دروس تجارب لبنان بمساعدة إيران ومنها الاحتياط على كمية كافية من الصواريخ وتخبئتها في مجموعات صغيرة في أنحاء القطاع إضافة للأنفاق وبناء تحصينات على جوانب الشوارع وداخل المدن. من جهتها تواصل الحكومة الإسرائيلية حربها على الرواية مدعية أنها انتصرت وأن الأمن في جنوب البلاد سيكون أفضل من الماضي وادعت وزيرة القضاء تسيبي ليفني عضو المجلس الوزاري المصغّر للمفاخرة بأن إسرائيل انتصرت وعززت قوة ردعها بعدما حولت قطاع غزة لأحياء مدمرة ومنكوبة كما الضاحية الجنوبية في بيروت خلال حرب لبنان الثانية. لكن الإسرائيليين لم يقبلوا مزاعم الإنتصار على حماس وقالوا (43% حسب استطلاع واسع لصحيفة «هآرتس» الثلاثاء) وفق عدة استطلاعات رأي إن المقاومة الفلسطينية باتت أكثر قوة وتحديا ونجحت بإحراز نتائج طيبة على الأرض، معبرين عن عدم رضاهم عن نتائج العدوان من ناحية عدم ترجيح كفة إسرائيل بوضوح وتعريض هيبتها للحرج وتكبيدها خسائر بشرية ومادية هائلة. وعلى خلفية كل ذلك كان رئيس الاستخبارات العسكرية السابق الجنرال بالاحتياط عاموس يادلين رئيس مجلس الأمن القومي في جامعة تل أبيب قد قال أن الحرب انتهت بنتيجة «تعادل إستراتيجي» بين إسرائيل وحماس. وهذا ما يؤكده الجنرال في الاحتياط رفائيل بوخنيك، مسؤول سابق في الاستخبارات العسكرية، الذي قال إن حماس نجحت بتكتيكات جديدة في حرمان سلاح الجو الإسرائيلي من حسم المعركة وفي استهداف العمق الإسرائيلي بصواريخ طيلة شهر من خلال بناء أنظمة دفاعية وهجومية ناجعة. ويشير بوخنيك في مقال نشره في مدونته «أن نتائج الحرب تقتضي إعادة النظر بالكثير من الأسئلة ومنها تلك المتعلقة باستخفافنا بقوة حماس التي اعتبرناها حتى الحرب ضعيفة، محاصرة وغير راغبة بالقتال». ومقابل الإجماع في إسرائيل على ارتقاء المقاومة الفلسطينية في غزة عدة درجات لكن أوساطها الرسمية وغير الرسمية تكاد تجمع على أن حركة المقاومة الإسلامية «حماس» لم تتغيّر سياسيا رغم مشاركتها في حكومة الوحدة الفلسطينية وأنها ما زالت تتطلع لتنفيذ ما جاء في دستورها الإجهاز على الكيان الغاصب.
وعلى هامش التيار المركزي تغرد جهات سياسية وإعلامية وأكاديمية خارج السرب الإسرائيلي وتعتقد أن حماس قد تغيرت نسبيا وباتت أكثر براغماتية مستنتجة ذلك من تصريحات قادتها في الأشهر الأخيرة في ما يتعلق في احتمال قبول تسوية الدولتين ومن تصالحها مع حركة فتح ومشاركتها في حكومة وحدة وطنية.
وأمام موقف تسيبي ليفني مسؤولة ملف المفاوضات التي تقول إن الحوار مع حماس ينبغي أن يتم فقط من خلال الرصاص، تدعو زهافا غالؤون رئيسة حزب «ميرتس» اليساري للتعامل مع حكومة الوحدة الفلسطينية منوهة لاحتمال تغير مواقف حماس في ظل حالة الضعف والحصار السياسي نتيجة خسارة علاقاتها وصداقاتها مع مصر، سوريا وإيران وحزب الله. وهذا ما يستنتجه عضو الكنيست السابق الصحافي وداعية السلام أوري أفنيري الذي كتب في مقال نشرته «هآرتس» الجمعة أن حماس تبدي مواقف سياسية جديدة ينبغي التعامل معها.
وينوه الى أن حماس ترفض الإعتراف بإسرائيل رسميا لكنها سبق وقالت على لسان قادتها إنها مستعدة لقبول تسوية معها في حال أحرزتها السلطة الوطنية ووافق عليها الشعب الفلسطيني في استطلاع رأي.
ودعا أفنيري لتسوية الصراع سياسيا وبإنهاء الاحتلال مشددا على فشل الاعتماد على القوة فقط لتأمين الأمن والسلام وتساءل حتى متى نعيش على حرابنا؟
وكان عدد من الكتاب الإسرائيليين البارزين أمثال أ. ب يهوشع، عاموس عوز، نتان زاخ ودافيد غروسمان الذي ثكل ابنه الجندي في حرب لبنان الثانية، قد دعوا خلال الحرب كل على حدة لضرورة التفاوض مع حماس أيضا. وكان أ. ب يهوشع يتحدث عن ذلك أمس مع «الإذاعة العبرية العامة» لكن صافرات الإنذار بسقوط صاروخ من غزة قطعت أقواله ولما سأله مقدم البرنامج هل ما زلت تؤمن بالحوار مع حماس؟ قال :»نعم بالتأكيد لا خيار أمامنا وقبل حماس كانت منظمة التحرير الفلسطينية التي تفاوضنا معها بعدما كانت لا تعترف بنا ولا نعترف بها».
وديع عواودة