إسطنبول ـ «القدس العربي»: أدى تزامن الإعلان نهائياً عن فشل الجولة الأخيرة من مباحثات السلام بين شقي جزيرة قبرص المتنازع عليها مع زيادة تصاعد الخلافات حول الحق في استخراج موارد الجزيرة لا سيما استخراج الغاز الطبيعي أدى إلى زيارة احتمالات التصعيد وسط مخاوف من أن يؤدي إلى تعزيز احتمالات المواجهة العسكرية بين تركيا واليونان.
وبينما تسعى قبرص اليونانية بدعم من أثينا إلى مواصلة جهود التقيب عن الغاز الطبيعي واستغلال الكميات المستخرجة وتصديرها إلى الخارج تعارض أنقرة بشدة هذه الجهود وتعتبرها انتهاكاً لحقوق القبارصة الأتراك، وتصف هذه الخطوة بـ«الخطيرة» وألمحت إلى إمكانية العمل على منعها عسكرياً.
وسبق أن أرسلت تركيا قطع بحرية عسكرية لمراقبة وإعاقة عمل سفن التنقيب عن الغاز، في حين تتكرر بشكل شبه يومي المناوشات بين السفن الحربية التركية واليونانية قرب قبرص المنفسمة منذ عام 1974 والجزر اليونانية في بحر مرمرة، الأمر الذي يزيد المخاوف من أن تؤدي إحدى هذه المناوشات إلى اشتباك يمكن أن يتطور إلى اشتباك مسلح بين الجانبين. والشهر الماضي، فشل الجانبان في التوصل إلى اتفاق سلام عقب جلسات مكثفة من المباحثات والمفاوضات جرت برعاية الأمم المتحدة، حيث تبادل الجانبان الاتهامات بالمسؤولية عن التعنت وفشل المفاوضات، وسط خلافات تصدرتها مشكلة تفاسم الموارد إلى جانب ترسيم الحدود والتواجد العسكري التركي بقبرص التركية.
وكان من أبرز أسباب الخلاف خلال الجولة الأخيرة من المفاوضات مطالبة قبرص اليونانية بسحب القوات التركية من قبرص واستبدالها بقوات شرطة دولية، حيث يحتفظ الجيش التركي بقرابة 35 ألف جندي هناك منذ تدخله عسكرياً عام 1974، وهو ما رفضته تركيا بشكل مطلق، كما أصرت على الاحتفاظ بحقها في التدخل العسكري.
وخلال زيارته إلى قبرص قبل أيام أدان رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم أنشطة التنقيب عن الغاز بـ«المياه القبرصية في البحر المتوسط»، واعتبر أنها هذه الخطوة «خطيرة»، قائلاً: «تركيا تعتبر ان حقول النفط والغاز في شرقي المتوسط فرصة للتعاون.. المبادرات الأحادية للجانب القبرصي اليوناني في غير محلها وخطيرة وتفضي إلى طريق مسدود».
وفي محاولة أخرى للضغط، حذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان شركات النفط والغاز العالمية من التعامل مع مساعي قبرص اليونانية للتنقيب عن الغاز قبالة الجزيرة، مهدداً هذه الشركات بأنها «تخاطر في خسارة علاقاتها مع أنقرة».
وكان اكتشف احتياطي من الغاز يقدر ب127,4 مليار متر مكعب في 2011 قبالة سواحل قبرص في حقل افروديتي. لكن استثمار الحقل لم يبدأ بعد وتأمل قبرص في العثور على كميات تمكنها من بناء مصنع تسييل وتصدير الغاز إلى أوروبا وآسيا بحلول 2022.
وحاليا، يحفر اتحاد من شركة توتال الفرنسية وإيني الإيطالية للاستكشاف 167 كيلومترا قبالة الساحل الجنوبي لقبرص بالقرب من حقل ضخم في المياه الدولية يقدر بأنه يحتوي على 30 تريليون قدم مكعب من الغاز. نتائج التنقيب يتوقع ظهورها في بداية أيلول/ سبتمبر. واكتشف مؤخرا حقل يقدر بأنه يحتوي على أكثر من 4 تريليون قدم مكعب من الغاز في أماكن أخرى في المياه القبرصية.
وشدد أردوغان في تصريحات صحافية مؤخراً على أن بلاده «ستظل إلى جانب أتراك جزيرة قبرص، وستدافع عن حقوقهم المشروعة في كافة المحافل الدولية، وأنّ أنقرة ستظل الضامنة لأمن وسلامة الجزيرة وشرق البحر الأبيض المتوسط»، وأكد على أن بلاده «لن تظل مكتوفة الأيدي حيال بقاء أتراك جزيرة قبرص ضحية لحالة غياب الحل».
والشهر الماضي، قالت رئاسة الأركان التركية، إنها بدأت بمراقبة سفينة تابعة لقبرص اليونانية، يعتقد أنها ستنفذ أعمال تنقيب في شرق المتوسط، بينما قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إنه «ليس من الصواب تنقيب قبرص الرومية عن الغاز في البحر المتوسط من جانب واحد»، مضيفاً: «للقبارصة الأتراك أيضا حق في احتياطيات الغاز الموجودة حول الجزيرة».
وتدعم اليونان جهود الحكومة القبرصية في مساعيها للتنقيب عن الموارد، ومؤخراً عبر رئيس الحكومة اليونانية الكسيس تسيبراس عن دعمه «للحقوق السيادية» لجمهورية قبرص، وقال: «التعاون بين اليونان وقبرص يمثل المحور المركزي للسياسة الخارجية لليونان وهو ما يشمل بداهة دعم جمهورية قبرص في ممارسة حقوقها السيادية في منطقتها الاقتصادية الخالصة».
وفي محاولة لخفض التوتر بين الجانبين، قالت الأمم المتحدة، إنها تراقب عن كثب ملف أنشطة التنقيب عن الغاز شرقي حوض البحر المتوسط، معربة عن ثقتها بأن الأطراف المعنية بالملف ستتجنب «التوترات غير الضرورية».
وقبل نحو اسبوعين تبني مجلس الأمن الدولي، قرارا بتمديد ولاية قوة الأمم المتحدة لحفظ السلام في قبرص «يونفيسيب» لمدة 6 أشهر تنتهي في 31 كانون الثاني/ يناير 2018.
وكالة سبوتنيك الروسية، نقلت قبل أيام عن دبلوماسي تركي تلميحه إلى أن بلاده ستتدخل بالقوة العسكرية لمنع عمليات التنقيب، وقال: «تركيا لن تستسلم للاستفزازات ولن تقوم بتدخل عسكري فوري في قبرص في أعقاب الإجراءات الفرنسية والإيطالية، على الأقل في الوقت الراهن»، مضيفاً: «سنتوجه إلى الناتو أولا بوصفنا أعضاء في الحلف، وسنحاول شرح الوضع، ولكن إذا انحاز الحلف لوجهة نظر الاتحاد الأوروبي، فإن تركيا ستتخذ تدابير صارمة من تلقاء نفسها، وصولا إلى التدخل المباشر في الشؤون الداخلية للجزيرة».
إسماعيل جمال