هل تفكر تركيا بالفعل في تكرار «درع الفرات» في شمالي العراق؟

حجم الخط
1

اسطنبول ـ «القدس العربي»: تدرجياً ارتفعت حدة تصريحات كبار المسؤولين الأتراك حول «حق» بلادهم في التدخل العسكري في شمال العراق والمشاركة في عملية الموصل من أجل حماية مصالح أنقرة الأمنية والسياسية، ووصلت حدة هذه التهديدات إلى التلميح بإمكانية تكرار سيناريو عملية «درع الفرات» التي يقوم بها الجيش التركي في شمال سوريا وإقامة منطقة «خالية من الإرهابيين» في شمال العراق.
وترى تركيا أنها تمتلك الحق في المشاركة بعملية الموصل من أجل «حماية السكان والحفاظ على التركيبة السكانية ومنع حدوث جرائم طائفية ومنع هروب الإرهابيين إلى أراضيها وحصول موجات هجرة كبيرة إليها»، كما تؤكد على أنها «لن تتردد في القيام بأي عملية عسكرية للحفاظ على أمنها القومي أمام تهديدات «المنظمات الإرهابية».

تهديدات يلدريم

رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، ألمح إلى إمكانية إقامة بلاده منطقة آمنة في الأراضي العراقية على غرار ما قامت به داخل الأراضي السورية المتاخمة للحدود التركية، وذلك بالتعاون مع حكومة الإقليم الكردي في العراق.
وقال في تصريحات تلفزيونية: «حكومة الإقليم الكردي في العراق تدرك أهمية التعاون مع تركيا في هذا الإطار، وأكّدت استعدادها لذلك في العديد من المناسبات». وأشار إلى وجود قوات خاصة تركية متمركزة على المنطقة الحدودية في الجانب العراقي بالقرب من أربيل، «لذلك تبدي حكومة الإقليم الكردي رغبتها في التعاون مع تركيا بشكل وثيق».
وأضاف: «منظمة (بي كا كا) الإرهابية بدأت بالتحرك من جبال قنديل نحو الغرب صوب سنجار، وتعمل على إنشاء معسكر لها هناك و»بالتالي هذا يشكل خطرًا على حكومة شمال العراق أكثر مما يشكله علينا.. وبالتالي يشكّل التعاون مع تركيا أهمية بالغة بالنسبة للجانبين (..) وسنعمل على تحقيق الأمن وتأسيس مساحة آمنة مشتركة».
وعما إذا كانت تلك المساحة الآمنة المشتركة بين أنقرة وأربيل والخالية من الإرهابيين داخل أراضي الإقليم الكردي تشبه المنطقة الآمنة في سوريا، قال يلدريم: «نعم، ولدينا رغبة مشتركة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني من حيث المبدأ لإقامة المناطق الآمنة في كل مكان يتطلب ذلك، لأن الخطر مشترك بالنسبة للجانبين وهو (بي كا كا)».
وأكدت تركيا، الأحد، أنّ قواتها المتمركزة في معسكر بعشيقة العراقية القريبة من مدينة الموصل، بدأت بقصف مواقع تنظيم «الدولة» بناءً على طلب تقدمت به قوات البيشمركة، والاثنين، أكدت أن 4 طائرات حربية تابعة لسلاح الجو التركي تشارك إلى جانب التحالف في عملية الموصل.
وقال الناطق الرسمي باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين، الأحد: «لا يمكن لأنقرة أن تعزل نفسها عمّا يدور في العراق، لأنّ الأحداث الدائرة في هذا البلد تنعكس سلباً على أمن واستقرار تركيا، ورأينا التجربة السورية وكيف انعكست تدهور الأوضاع فيها بشكل مباشر على تركيا»، وشدد على أنه «لدى تركيا حساسية بالغة تجاه الموصل، فنحن نرفض دخول «بي كا كا» إلى كركوك ونرفض كذلك دخول الحشد الشعبي إلى الموصل».
مبررات تركيا
الكاتب التركي مصطفى أكيول في مقال له في صحيفة «حرييت» حاول تقديم تبريرات لسعي تركيا لزيادة نفوذها في شمال العراق، وقال: «الذي يقلق تركيا هو «المعقل السني» الذي تديره داعش. وفي الموصل تخشى أنقرة من أن تتورط الميليشيات الشيعية الحريصة على السيطرة على المدينة في عمليات انتقام وترويع للسكان. ونظرا للوحشية الواضحة التي تتعامل بها بعض الميليشيات الشيعية فإن القلق التركي له أساس من الصحة».
ويلفت الكاتب في شق كبير من مقاله إلى أهمية دور رئاسة إقليم شمال العراق في تعزيز النفوذ التركي هناك، وقال: «لمسعود البرازاني، رئيس إقليم كردستان العراق، علاقة جيدة مع تركيا.
وفي الواقع فإن الوجود العسكري التركي في معسكر بعشيقة المتنازع عليه في شمال العراق حدث بفضل البرزاني».
ويعتبر الكاتب أن «أنقرة ليست مخطئة في قلقها حول عملية الموصل، أو مخطئة في رغبتها في المشاركة فيها، من أجل حماية السكان السنة. وبالنتيجة، إذا تحولت الحاجة الجامحة لتدمير داعش المسيطر على المدينة إلى خوف شديد من هيمنة الميليشيات الشيعية، فإن أهل الموصل السنة لن يجدوا سوى مكان واحد آمن يفرون إليه هو تركيا. وهذا يمكن أن يعني أن يتوجه مليون لاجئ آخر إلى تركيا التي تستضيف بالفعل ثلاثة ملايين لاجئ».

مخارج قانونية

من جهته، ركز «فيردا أوزير» في مقالته بصحيفة حرييت التركية على المخارج والمبررات القانونية التي يمكن أن تستخدمها تركيا للتدخل في شمال العراق، مؤكداً أن «تركيا لها حقوق في الموصل تستند فيها على القوانين الدولية والروابط التاريخية التي تربطها بالموصل، واليوم جاء الوقت لتستخدم تركيا حقوقها التي لم تستخدمها سابقا».
ويلفت الكاتب إلى أن «الأمم المتحدة أصدرت قرارا عند عدم التوصل لاتفاق بشأن قضية الموصل في معاهدة لوزان، وهذا القرار يقضي بترك الموصل للعراق، بشرط بقاء السكان التركمان تحت حماية تركيا وبهذا القرار أعلنت هذه المنطقة منطقة جدال بين تركيا وبريطانيا»، مشيراً إلى أن «تركيا تستند في تدخلها في الموصل على تقرير الأمم المتحدة القائل إن لتركيا الحق في حماية ولاية الموصل من الناحية الجغرافية والسكانية».
وبحسب الكاتب، فإن «الورقة الثانية التي تمتلكها أنقرة هي أن لها الحق في حماية الحقوق الثقافية للتركمان والأكراد الذين يعيشون في الموصل وأنها مسؤولة عن ذلك، لكن لتركيا الحق بالتقدم بالشكوى إلى الأمم المتحدة إن رأت إعاقة في حماية هذه الحقوق».
أما الورقة الثالثة «التي يمكن أن تستخدمها أنقرة لتصبح صاحبة قرار في الموصل فهي الحقوق والملكيات الخاصة العائدة إليها، ومن المعروف أن أملاك التركمان والأكراد القاطنين في الموصل قد تمت مصادرتها في عهد صدام حسين، وتستطيع أنقرة أن تتقدم بطلب إلى الأمم المتحدة لاستعادة هذه الأملاك».
كما يقول الكاتب: «يوجد أيضا مخرج قانوني دولي يمكننا استخدامه وهو حق الاستفتاء الشعبي.. إن تزايد عدم الاستقرار في الموصل أو عند تهديد خطر التقسيم فإن تركيا تستطيع التقدم بطلب إلى الأمم المتحدة بإجراء استفتاء شعبي في الموصل، هذا الاستفتاء سيتوجه للموصليين بسؤال: هل تريدون أن تكون الموصل تابعة لتركيا أم للعراق؟ أم تريدون أن تكون مستقلة؟»، لكنه استدرك بالقول: «لكن الأمر ليس بهذه السهولة».

«درع الموصل»

تقول الكاتبة حليمة كوكتشة في مقال لها في صحيفة ستار اليومية: «استطاعت تركيا بشكل فعلي إيقاف مشروع حزب العمال الكردستاني من خلال عملية درع الفرات.
أما الانزعاج من الوجود التركي في مخيم بعشيقة والذي عبر عنه العبادي بشكل متواصل فهو في الحقيقية انزعاج من أن تُشكّل تركيا حاجزًا في وجه دهاليز السياسة الشيعية في المنطقة».
وتضيف: «إذا ما تذكرنا السياسة الإيرانية الرامية إلى بسط نفوذ الشيعة ونشر التشيع عندها يمكننا أن ندرك الأهمية القصوى للإصرار التركي على المشاركة في عملية الموصل»، وتتابع: «لقد اختلطت الأوراق من جديد، فتركيا استطاعت أن تمر من محنة الخامس عشر من تموز/ يوليو وأن تخرب تلك اللعبة. وكما استطاعت أن تنجح في عملية درع الفرات التي سارت بها وفق مخططاتها وحسب متطلبات أجندتها فإن باستطاعتها اليوم كذلك أن تظهر للأطراف المخاطبة قدرتها على النجاح بعملية درع الموصل حسب خطط مؤثرة وقابلة للتنفيذ».
الكاتب في صحيفة صباح التركية المقربة من الرئاسة «برهان الدين دوران» ركز في مقالته الأخيرة على ما سماه «المفهوم الأمني الجديد» الذي تتبعه تركيا لافتاً إلى أن سياسة دعم الوكلاء (الجيش السوري الحر، والبيشمركه، وقوات نينوى) الذين تدربهم وتزودهم بالسلاح لم تعد تكفي لمواجهة التحديات المتصاعدة.
وقال: «هذا الأمر دفع تركيا المحاطة بنيران حربين أهليتين إلى إعادة تشكيل «مفهوم أمني قومي جديد» في سياستها الخارجية والانتقال إلى تصور جديد بخصوص محاربة بي كي كي، وداعش، وتنظيم غولن. ومحاربة الإرهاب بالإجراءات الاستباقية والوقائية» وليس بالاعتماد على الدفاع».
ويلفت الكاتب إلى أن «انتقال القوات المسلحة التركية إلى هيكلية تمكنها من تنفيذ عملية عسكرية أكبر عابرة للحدود، وافتتاح قواعد عسكرية جديدة خارج البلاد، والصناعة الدفاعية المحلية المتنامية مع تحالفات متعددة الأبعاد، وتشكيل جهاز المخابرات التركي وحدة استخباراتية خارجية»، مضيفاً: «لا يقتصر التوجه التركي الجديد على اتخاذ تدابير استباقية وجهود إصلاحية وتعزيز القدرات في محاربة الإرهاب. بل في تغيير الخطاب والمفهوم السياسي الخارجي من أسلوب «النقاش، وإعادة التفكير فيما ينبغي على تركيا القيام به إلى تطبيق سياسة أمنية جديدة تتطلب «استخدام القوة الصارمة» خلال السنوات المقبلة».
وفي خطاب له قبل أيام، قال أردوغان: «لقد تخلت تركيا عن هذه السياسة الأمنية الخاطئة بشكل نهائي. ومن الآن فصاعدًا لن ننتظر المشاكل حتى تدق أبوابنا، ولن نصبر حتى تنغرس السكين في العظم، ولن نرضى بالغوص في المستنقع حتى يبلغ حناجرنا. بل سنعالج تلك المشاكل. ولن ننتظر التنظيمات الإرهابية حتى تقوم بمهاجمتنا، بل سنذهب وراء هذه التنظيمات في كل مكان».

هل تفكر تركيا بالفعل في تكرار «درع الفرات» في شمالي العراق؟

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية