تونس – «القدس العربي»: بات من البديهي الحديث عن دور إماراتي واضح للانقلاب على المسار الديمقراطي في تونس وتبديد ما أنجزته الثورة حتى الآن، وخاصة بعد المحاولة «المفضوحة» من قبل «أحزاب الإمارات» لتعطيل عمل «هيئة الحقيقة والكرامة» التي تُشرف على مسار العدالة الانتقالية في البلاد، ضمن ما سُمّي بـ»غزوة البرلمان».
ولا يحتاج المرء الكثير من الوقت والتحليل ليكتشف سبب «السعار» الذي أصاب بعض نواب الحزب الحاكم وملحقاته، والذي دفع رئيس البرلمان للانحياز لحزبه عبر التحايل على القانون والانحراف ببرامج الجلسة المخصصة لـ»مناقشة» قرار هيئة «الحقيقة والكرامة» تمديد عملها، فضلاً عن توتره «غير المبرر» بعد مطالبة من قبل نواب المعارضة بعدم مخالفة القانون الداخلي للمجلس، بل ومسارعته في فرض توصيت صوري لـ»إنهاء» عمل الهيئة، رغم معرفته سلفاً بأن قانون العدالة الانتقالية يمكّن الهيئة من التمديد لنفسها دون الحاجة للبرلمان.
ما الذي يفسّر خوض أحد نواب «نداء تونس» (المتورّط أساسا في فضيحة جنسية) في عرض إحدى نائبات المعارضة، بعد فشله في الدفاع عن وجهة نظر حزبه الساعي في مناسبات عدة لتعطيل مسار العدال الانتقالية، كونه الطريق الوحيد لمحاسبة رموز نظام بن علي ورجال الأعمال الفاسدين والذين يشكلون الدعامة الأساسية للحزب الحاكم؟
ولماذا يلجأ رئيسا حزبين محسوبين على الإمارات ومورّطين أساساً بفضائح فاسد كبيرة، إلى استهداف هيئة «الحقيقة والكرامة» واتهامها بالتعامل مع «الكيان الصهيوني» وجماعة «الإخوان المسلمين» ومن ثم اللجوء إلى استخدام عبارة مسيئة لرئيستها المناضلة الحقوقية سهام بن سدرين؟
لا شيء يُفسر هذه المظاهر المتشنجة وغيرها، إلا بأن الحزب الحاكم وملحقاته هم أكثر طرف «متضرر» من العدالة الانتقالية، وخاصة بعد محاولات عدة فاشلة لتعطيله، من بينها على سبيل المثال قانون «المصالحة» الذي اقترحه الرئيس الباجي قائد السبسي، ليتم تعديله أكثر من مرة قبل أن يتم التغاضي عنه مؤقتا في ظل المعارضة الكبيرة من قبل التونسييين.
وإلا، لماذا يسارع اليوم «نداء تونس» وحلفاؤه للتصويت ضد تمديد عمل هيئة الحقيقة والكرامة، ليكشفوا في اليوم الثاني أن لديهم «مشروعاً جديداً» حول العدالة الانتقالية، سيكون «مُفصّلاً» بلا شك على مقاس الحزب الحاكم وحلفائه ومحاولة لتصفية خصومه السياسيين.
ومن اللافت أن الأحزاب ذاتها التي تُعارض اليوم مسار العدالة الانتقالية، تشترك في أشياء عدة، أبرزها أنها محسوبة بطريقة أو بأخرى على نظام بن علي المتورط أساساً بقضايا فساد كبرى، كما أنها تتلقى دعماً كبيراً من الإمارات، رغم المحاولات المتكررة من قياداتها نفي هذا الأمر في مناسبات عدة.
فحين نتحدث عن أحزاب «نداء تونس» و»مشروع تونس» و«آفاق تونس» فضلاً عن «الحزب الدستوري الحر»، يقفز إلى الأذهان موضوع شبكة «التجسس» التابعة للإمارات والتي كشفت عنها عدة وثائق مسّربة مؤخراً، وهي تهدف لتشكيل تكتل برلماني يضم نواب هذه الأحزاب الممثلة في البرلمان (باستثناء الدستوري الحر) ويخدم مصالح الإمارات السياسية والاقتصادية في تونس، وخاصة في ما يتعلق بمحاولة عزل حركة «النهضة» وإخراجها من المشهد السياسي في البلاد.
ويتزامن ذلك مع الزيارة غير المعلنة قبل أشهر لمحمد دحلان القيادي السابق في حركة «فتح» الفلسطينية، ومستشار ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، والملقّب بـ»عرّاب الثورة المضادة»، إلى تونس، حيث التقى خلالها الأحزاب المذكورة، والتي باتت تُعرف في الآونة الأخيرة بـ»أحزاب الإمارات في تونس».
وربما هذا ما يفسر مسارعة بعض وسائل الإعلام الإماراتية للحديث عن «قرب» فك الارتباط أو التحالف بين حزبي «نداء تونس» و«النهضة»، وهو ما سعت أبوظبي مراراً لإقناع الرئيس الباجي قائد السبسي بالقيام به، وعندما فشلت دفعت بمحسن مرزوق الأمين العام السابق لحزب «نداء تونس» إلى الانشقاق عن الحزب الأم وتشكيل حزب سياسي جديد يحاول من خلاله «السطو» على نواب «النداء» وقواعده، مستعيناً بخطاب سيريالي يمجد الرئيس السابق الحبيب بورقيبة ويسوّق لبعض الشعارات البراقة من قبيل «الدولة الحداثية والعصرية» مهاجماً حلفاء الأمس وخصوم اليوم (حركة النهضة). الأمر الذي دفع قيادات في الحركة الإسلامية توقع فشل سريع لمشروع مرزوق القائم أساساً على معارضة «النهضة»، وهو ما حدث حقيقة، حتى الآن.
يبقى أن نذكر أن محمد دحلان اعترف أخيراً بوجود «أصدقاء» كُثر لديه في تونس، إلا أنه نفى تدخّله في الشأن التونسي ووقوفه في صف ”الثورة المضادة ”، غير أن الأحداث الأخيرة تؤكد عكس ذلك، وربما علينا الانتظار لمعرفة مآلات المشروع الإماراتي في تونس، والذي يسعى منذ فترة طوية لإفشال تجربة التوافق التي ساهمت لسنوات عدة في تأمين الاستقرار السياسي والأمني للبلاد، وبالتالي تعطيل المسار الانتقالي الديمقراطي الذي حقق مكاسب عدة للتونسيين الذين لن يقبلوا بأي حال بعودة زين العابدين بن علي في «ثوب جديد».