بغداد ـ «القدس العربي»: في خضم الحراك السياسي في العراق هذه الأيام لبلورة صيغ مختلفة لتحقيق مطالب الشعب والمرجعية الدينية بإجراء إصلاحات جدية لإيقاف تدهور الأوضاع في العراق، تركز الاهتمام على وثيقة الاصلاح التي قدمها رئيس الحكومة حيدر العبادي إلى الكتل السياسية المشاركة في العملية السياسية لبيان الموقف منها، والتي تتضمن ترشيح الكتل أسماء وزراء لكي يختار العبادي المناسب منهم. وكالمعتاد فقد تباينت مواقف القوى السياسية منها، بين أقلية مؤيدة وخاصة غالبية قوى التحالف الوطني التي، في الحقيقة، هي من ساهم في إعداد الوثيقة، وبين أكثرية من الكتل بينها التيار الصدري، التي سجلت اعتراضات وعبرت عن قناعة بعدم ملائمة الوثيقة لمتطلبات الجمهور. وعبرت بيانات وتصريحات القادة السنة عن اعتبار الوثيقة «ذرا للرماد في العيون» وتحايلا على التعهدات بالإصلاحات، وكذلك بقيت الكتلة الكردية تبدي الحذر في تقييم الوثيقة قبل ضمان حقوقها فيها.
ولعل أبرز أشكال الاعتراض على الوثيقة جاءت من قبل التيار الصدري، الذي صعّد ضغوطه على الحكومة من خلال دعوة السيد مقتدى الصدر أتباعه والعراقيين لتنفيذ اعتصامات أمام بوابات المنطقة الخضراء حتى تحقيق المطالب، متحديا إعلان الحكومة رفض إقامة الاعتصامات. وقد أفرز هذا التصعيد أوضاعا متأزمة ومتوترة ليس في الشارع العراقي وبين الكتل السياسية، بل وبين الحلفاء في التحالف الوطني الذي وصلت الخلافات بينها على طرق التعبير عن المطالب، إلى حد التهديد باستخدام السلاح ضد الاعتصامات، كما حصل في بيان كتلة القانون التي يرأسها نوري المالكي.
وجاء ملتقى السليمانية الذي ضم نخبة من القادة والسياسيين والخبراء، والذي يهدف إلى إيجاد أفكار مشتركة في كيفية مواجهات تحديات المنطقة ومنها التحدي الأمني والاقتصادي، ليبرز إلى العلن خلافات حادة بين القوى والكتل السياسية المتصدية للمشهد العراقي منذ 2003. حيث جرى تبادل الاتهامات بين حكومتي اربيل وبغداد بعدم الالتزام بالعهود والاتفاقيات، بينما أعتبر القادة السنة أن العلاقة مع الحكومة تمر بمرحلة هي الأسوأ، حسب أسامة النجيفي. وقد اعترف القيادي الكردي برهم صالح أن الملتقى أبرز الخلافات الداخلية للأجانب. وقال نائب رئيس حكومة الاقليم قباد الطالباني في كلمة له خلال الملتقى، ان الخطر الكبير الذي يحيط بالعراق ليس تنظيم الدولة أو المشاكل والخلافات السياسية وانما الأزمة الاقتصادية والمالية التي يعيشها. كما أظهرت نقاشات الملتقى حول مبررات وأسباب ظهور تنظيم «الدولة» وانتشاره في العراق والمنطقة، أن أغلبها يعود إلى انعدام العدالة وشعور الناس بالظلم والاقصاء من قبل حكوماتهم، مع الإقرار أن الحملة العسكرية الدولية على التنظيم، حتى إذا قضت عليه، فلا ضامن من عدم تكرار ظهور أشكال جديدة للتنظيم ما دامت مبرراته موجودة.
وجاءت إشارة مهمة لعمر موسى خلال الملتقى عن الصراع في المنطقة، أن الخلاف بين السعودية وإيران، هو في الحقيقة خلاف بين العرب وإيران، التي تسعى لفرض مشروعها الإقليمي على بلدان المنطقة، داعيا إلى فتح صفحة جديدة من العلاقات بين الطرفين.
وفي حدث ذو دلالات ومؤشرات على غزل أمريكي جديد للشيعة في العراق، جاءت زيارة القنصل الأمريكي في البصرة لجرحى الحشد الشعبي في المستشفيات، وإعلانه عدم ممانعة أمريكا من اشتراك الحشد الشعبي في تحرير الموصل، لتشكل انعطافة شديدة في موقف أمريكا تجاه الحشد الذي طالما اعتبرته من أدوات إيران في العراق وطالبت بابعاده عن مناطق أهل السنة. كما ركز وزير خارجية أمريكا جون كيري في حديث له قبل أيام على اعتبار ممارسات تنظيم «الدولة» جرائم بحق الإيزيديين والمسيحيين والشيعة، دون ذكر السّنة، رغم أنهم المتضرر الأكبر من التنظيم في العراق وسوريا.
واعتبر المراقبون هذا الموقف تغييرا في أولويات السياسة الأمريكية في المنطقة من خلال التقارب مع الحلف الإيراني الروسي، إضافة إلى كونه محاولة جديدة ضمن مساعي واشنطن لإثارة الفتنة الطائفية.
وفي شأن آخر، جاءت الحملة العسكرية التي تشنها القوات العراقية ضد عناصر تنظيم «الدولة» في الأنبار، وخصوصا في قاطع هيت وما حولها في غرب الانبار، لتحقق نجاحا جديدا في تحرير بعض المناطق وتقليص مناطق التنظيم، إلا إنها من جانب آخر أدت إلى ازدياد النازحين من مناطق القتال وتجاوزت خلال أيام أكثر من 50 ألف نازح جديد، وهو ما اعترفت حكومة الأنبار بأنه أكبر من تقديراتها كاشفة عن عجزها في توفير ملاذ آمن ومتطلبات الاغاثة الضرورية، في الوقت الذي تزداد فيه أعداد النازحين في كل مكان من المحافظة، مع تحذير من منظمة الأمم المتحدة للحكومة العراقية من مغبة المبالغة في الإجراءات التي تتخذها الأجهزة الأمنية وعناصر الحشد الشعبي، تجاه النازحين خلال التدقيق للتأكد من عدم اندساس عناصر التنظيم أو المتعاونين معه بين النازحين.
وفي شمال العراق، توالت مؤشرات مقلقة في إقليم كردستان مؤخرا من محاولات حزب العمال الكردستاني التركي، لتوسيع نفوذه ومناطق تواجده في الإقليم مستغلا مشاركته في محاربة تنظيم «الدولة» وأزمة العلاقة بين أحزاب الإقليم كغطاء لهذا المسعى. وعبرت العديد من القوى والأحزاب الكردية وخاصة في اربيل ودهوك، عن القلق من تنامي نفوذ الحزب في مناطق سنجار وشرق السليمانية مع اتهامات بدور له في إثارة الاضطرابات في بعض مناطق الإقليم وخاصة السليمانية مستغلا الأزمة الحالية بين أحزاب الإقليم، وتحذيرات من أن تعاون بعض القوى الكردية العراقية مع حزب العمال قد يؤدي إلى ترسيخ وجوده في بعض مناطق الإقليم وتمسكه بها، كما حصل عندما شارك في معركة تحرير سنجار غرب الموصل ورفضه الإنسحاب من المنطقة بعد تحريرها حتى الآن.
مصطفى العبيدي