فاجأ الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ، لدى استقباله وفدا فلسطينيا في بكين عام 1969، (اثناء احتدام الحرب الفيتنامية)، بقوله لهم: أنتم ايها الرفاق الفلسطينيون محظوظون، حيث أن المنطقة التي تخوضون نضالكم الوطني فيها، هي منطقة متخصصة بتصدير الأخبار، ولعل ما تصدره إسرائيل من أخبار يفوق كل ما تصدره من البضائع والمنتوجات. لهذا فإن صدى نجاحكم في تدمير دراجة هوائية في إسرائيل، يعادل صدى تدمير قطار في فيتنام.
تذكّرت هذا التوصيف والتصوير الذكي للزعيم الصيني، وأنا أتابع، مع العالم كله، ما يجري هذه الأيام من صراع دموي على الساحة الفلسطينية ـ الإسرائيلية. ومع أنه لا يجوز، لأي مخلوق كان، الاستخفاف بأي دم يراق، وبأي روح تزهق، فإن هذا لا يمنع عين المراقب، من أن ترى بوضوح، أن حساسية الإسرائيليين لأي تشكيك في أي من رواياتهم عن تاريخهم، الحقيقية أو المتوهمة أو المُختَلَقة، أو الرفض لأي من سياساتهم، أو مواجهة احتلالهم وظلمهم وطغــــيانهم وعنفهم البالــــغ، بأي شكل، حتى لو كان بحجم سكين أو مَفَكّ أو حتى اداة تقشير فواكه، كمـــا هو حاصل في ايامنا، هي حساسية تشي بوجود مرضٍ متفشٍ في خلايا وأعصاب جسمهم المعطــــوب، الذي يعرف في قرارة نفسه، أنه معتد ومغتصب، وأن احتلالهم إلى زوال.
ها هي بضعُ طعنات ببضعِ سكاكين، تُخرج المجتمع الإسرائيلي عن طوره، وتقلّل إلى حدٍّ لافت للانتباه، عدد الناس في الشوارع والساحات ووسائل النقل العام. وتهز على الصعيد الرسمي استقرار حكومة نتنياهو اليمينية العنصرية، وتجبرها على التراجع عن محاولاتها المسّ بالوضع القائم في المسجد الأقصى، وحتى إنكار أنها كانت تنوي ذلك، وتدفع رئيس بلدية القدس «الموحدة»، ثم نائب وزير الدفاع الاسرائيلي، ثم الوزير نفسه، إلى الطلب من الاسرائيليين حمل سلاحهم الفردي، الأمر الذي كشف هشاشة الثقة في أجهزة الأمن الاسرائيلية كافة، على كثرة عددها ومبالغتها المفرطة في استخدام العنف ضد المدنيين الفلسطينيين العُزّل، كما أنتج موجة من السخرية، بلغت حد التساؤل عن موعد تخصيص مجنزرات مصفحة لنقل التلاميذ إلى مدارسهم، ودبابات لنقل الموظفين إلى مكاتبهم، وإجراء مناورات عسكرية لإعادة «تحرير» مدينة الرملة، وفتح الطريق إلى القدس. يلحق بذلك أيضا تثبيت حواجز اسمنتية ونقاط تفتيش بين شطري المدينة «الموحَّدة»، بما تعنيه هذه الإجراءات من اعتراف عملي بالهوية الفلسطينية للقدس الشرقية.
وعلى الصعيد الدولي، أعادت الهّبة الحالية قضية فلسطين إلى صدارة الاهتمام العالمي، واستدعت مجيء الأمين العام للأمم المتحدة إلى ساحة الصراع، وقيام وزير الخارجية الأمريكي بجولة في المنطقة، واعادة الحديث عن مبادرات من دول مؤثّرة لمعالجة الحالة المتفجرة والسعي إلى احتوائها. لم يكن في تقدير حكومة نتنياهو أن تنفجرهذه الهبّة في وجه إسرائيل بهذه القوة والوضوح. لقد راهنت تلك الحكومة العنصرية، في اعتقادي، على أن الظروف الذاتية الاسرائيلية والفلسطينية والعربية والدولية ايضا، تمنح إسرائيل يدا طليقة وفرصة نادرة وملائمة تماما، لأن تخطف ما تريده، وأن تحقق ما حددته لنفسها من أهداف، بسرعة ويسر. فالوضع الفلسطيني مرتبك ومشلول بفعل الانقسام والاحباط. والوضع العربي في حالة انهيار، عبر مسلسل شهدنا حلقته الاولى بتشظي الجيش العراقي وتبخّره، ولا تبدو في الافق المنظور نهاية له. والوضع الدولي مشغول بمشاكله الخاصة، التي أسقطت القضية الفلسطينية من سلّم أولوياته، إلا أن عتمة هذه الظروف مجتمعة، لم تكن كافية لإخفاء اليد الاسرائيلية، التي ارتطمت بيد فلسطينية تحمل سكيناً.. و»لم تكن العتمة على قد (اي بحجم) إيد الحرامي»، كما يقول المثل الدارج الفلسطيني.
كل هذا لا يجوز أن يُخفي عن أعيُن الفلسطينيين، الدور الحاسم للرأي العام الإسرائيلي في صراعنا مع الاحتلال. فمن التاريخ الحديث نتعلم أن الثورة الجزائرية انتصرت على الارض الفرنسية اولاً، عندما اصبح الرأي العام الفرنسي مناهضا لسياسة حكومته وعمليات جيشه، ومناصرا لحق الشعب الجزائري في الاستقلال، وتُرجم هذا الانتصار تلقائيا على أرض الجزائر. والامر ذاته ينطبق على الثورة الفيتنامية، اذ انتصرت تلك الثورة على ساحة الرأي العام العالمي، بدءا من دول شمال اوروبا، ثم امتد ذلك ليشمل الارض الامريكية، وعندها فقط تُرجم هذا الانتصار على ارض فيتنام.وفي جنوب افريقيا، دولة التمييز العنصري، انتصرت الغالبية السوداء على نظام الابرتهايد في كامل الساحة الدولية، عدا إسرائيل ذات النظام التوأم لنظام جنوب افريقيا العنصري، وتُرجم هذا الانتصار تلقائيا على الأرض الأفريقية.
ما نواجهه في فلسطين هو خليط مركب: استعمار اسرائيلي شبيه باستعمار فرنسا للجزائر؛ وعدوان اسرائيلي شبيه بالعدوان الامريكي على فيتنام، (بذريعة ارتباطها بتحالف مع الجنوب)؛ وتمييز عنصري اسرائيلي شبيه بالتمييز العنصري للبيض ضد السود في افريقيا الجنوبية.
هذا التعقيد والتداخل، بين انماط متعددة من المشاكل والقضايا، تفرض وعياً خارقاً، وتضحيات فوق طاقة البشر العاديين، وصبرا غير عادي، وايمانا راسخا لا يتزعزع بعدالة مطلقة لقضيتنا، وبقدرة شعبنا على احراز النصر واثبات حقه في تقرير مصيره، من خلال اقامة دولته المستقلة.
لقد ادّت الهبّة الفلسطينية الحالية رسالتها بكل وضوح: لن يستسلم الشعب الفلسطيني للعدوان والاحتلال الاسرائيلي، مهما كان في ترسانته من سلاح، ومهما مالت موازين القـــوة لصالحـــه، ومهما بلغ فيه الوضـــع العـــربي من هوان وارتباك، ومهما كان حجم الانحياز الامريكي لصالح العدوان والاحتلال. واكثر من كل هذا: مهما تطلب ذلك من تضحيات.. واكثر واكثر من ذلك: مهما طال الزمن.
هذه الرسالة وصلت. فهل هناك مصلحة فلسطينية في تكرارها؟ وهل هناك رسالة أو رسالات اخرى يتوجب على القيادات الفلسطينية صياغتها وابلاغها لكل من يلزم؟
ادّى الشباب دورهم في هذه الحلقة من السلسلة التي تشكل الحلقة الاخيرة فيها تحقيق اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. فهل تؤدّي القيادات الفلسطينية السياسية والفكرية والاقتصادية دورها؟
٭ كاتب فلسطيني
عماد شقور