لندن ـ «القدس العربي»: يبدو واضحا أن وسائل الإعلام الإيطالية تقوم بعمل ما يُشبه «الخطة المُمنهجة»، باللعب على وتر مؤامرة 2004 الشهيرة لتحفيز رجال المدرب جانبيرو فينتورا وشحنهم كما ينبغي، قبل استضافة العدو الاسكندنافي «المنتخب السويدي» على ملعب «سان سيرو» مساء بعد غد الثلاثاء لتحديد هوية المتأهل لمونديال روسيا برفقة المنتخبات الـ12 الأوروبية الأخرى.
ومن لديه صديق إيطالي صحفي أو مر على الصحافة الإيطالية مرور الكرام، منذ أسفرت القرعة عن مواجهة السويد في ملحق التصفيات المؤهلة لكأس العالم، لاحظ على الأقل عدم «المهنية» في انتقاء المصطلحات والكلمات في طريقة عرض وصياغة التقارير الخاصة بالمباراة، وصديقي في إحدى الشبكات الرياضية الشهيرة في الانترنت، ريناتو مايساني، مثال ونموذج حي على تّحول كثير من الصحفيين الطليان لما يجوز وصفه باللغة العامية المصرية «مشجع درجة ثالثة».
من باب الفضول الصحفي، بالكاد أُفوت رسالة أو رسالتين من عشرات التنبيهات التي يُرسلها صديقي الشاب بشكل شبه يومي لإبراز أهم القصص الشائعة في الوسط الكروي في بلاده، وكالعادة يُرسل مواد تنطبق عليها كلمة «مهنية» بنسبة 100٪، وظل هكذا إلى أن أخرج روح المشجع، أو بالأحرى أخرج روح المواطن المطعون، الذي لم ينس بعد المؤامرة الكبرى التي تعرضت لها بلاده على يد أبناء اسكندنافيا، وتجلى ذلك في عنوان تنبيه الأخير الذي جاء بـ»هاشتاغ» ترجمته إلى العربية #إيطاليا_تستطيع، مع بعض المواد المميزة، والتي كان أغلبها يصب في إطار واحد، وهو تذكير العالم بالمؤامرة.
والملاحظ أكثر، أن كل الصحف الورقية الكبرى بدون استثناء والمواقع، وأيضا البرامج الرياضية المسائية التي تشتهر بالحضور النسائي القوي جدا، تُردد نفس النغمة الحماسية الزائدة على الحد، والتي تُوحي بأن إيطاليا ليست مُقبلة على مباراة كرة قدم، بل على حرب لا تفرق كثيرا عن حروب القرون الوسطى. والمُثير للدهشة، أن مشجعي الآزوري في المنطقة العربية بالذات، وما أكثرهم، بالكاد يرفعون شعارات أكثر عدوانية تجاه السويد من الطليان أنفسهم.
لا يُخفى على أحد أن شعبية المنتخب الإيطالي في المنطقة العربية تضاعفت بصورة فاقت كل التوقعات منذ أن أهدر أسطورتهم روبرتو باجيو ركلة الجزاء الأشهر في التاريخ بدون مبالغة، التي أهدت البرازيل لقب كأس العالم 1994، البعض يرى أن هذه اللقطة كانت نقطة تّحول في زيادة شعبية أسياد الدفاع، ليس فقط في منطقتنا العربية، بل في مناطق أخرى، والبعض الآخر يرى أن هوس الفتيات بوسامة نجوم المنتخب، ساهم في ارتفاع شعبية إيطاليا مع الثوابت التي لا يختلف عليها أحد، وهي سلسلة الأساطير التي مرت على هذا المنتخب في العقود القليلة الماضية، بداية من جيل باولو روسي الذي قهر البرازيل في مونديال 1982، مرورا بجيل مالديني وباجيو ودونادوني، ثم عصر الملوك توتي وديل بييرو والصامد إلى الآن جيجي بوفون.
ما زلت أتذكر تعليق الراحل المُبدع حمادة إمام وهو يُبالغ في فرحته احتفالاً بهدف أنطونيو كاسانو في شباك بلغاريا في آخر ردهات المباراة، لاعتقاده بأن نتيجة الأخوة الاسكندنافيين كانت تصب في مصلحة الدنمارك بنتيجة 2-1، ولم تكن الأنباء وصلت إليه بأن هناك حدثا جللا في المباراة الأخرى، بنجاح يونسون في تسجيل هدف التعادل الثاني للسويد في شباك الجارة، وهو ما يعني تأكد خروج إيطاليا حتى لو انتصرت على بلغاريا بفارق 100 هدف، استنادا لنظام اللجنة المنظمة للبطولة، بالاعتماد على نتائج الفرق في المباريات المباشرة، مع إلغاء نتائج آخر الترتيب العام. الطريف أن ثعلب التعليق، أصيب بارتباك شديد على الهواء وهو يرى حسرة رجال تراباتوني بالخروج، وفي الوقت ذاته يُحاول إقناع نفسه بأن منتخبه المُفضل لن يعود في أقرب طائرة إلى روما وفقا للمعايير الجديدة، لدرجة أنه في كلمته الأخيرة طلب من الاستوديو التحليلي توضيح الأمر بشكل مُفصل للجماهير، ومعها لم تتوقف الصحف الإيطالية بمختلف أنواعها، عن الزج بهذه المؤامرة كلما جاءت فرصة اللعب أمام أحد الجارين الاسكندنافيين، وكأنها اللعنة الكبرى أو وصمة العار التي ستظل على جبين كلٍ من السويد والدنمارك لسنوات وسنوات.
ثالث أشهر مؤامرة في التاريخ؟
من سوء الحظ أن أكثر من تجرع مرارة المؤامرات هم العرب. المرة الأولى حدثت في كأس العالم 1982 وتُسمى إلى الآن في الجزائر «فضيحة خيخون»، التي دبرها الألمان والنمساويون، بالاتفاق على نتيجة فوز الماكينات بهدف نظيف، التي كانت كافية لصعودهما إلى الأدوار الإقصائية، على حساب «محاربي الصحراء»، أما المرة الثانية، فكان جيل أيقونة المغرب صلاح الدين بصير ومصطفى حجي ونور الدين نيبت، على بعد خطوة واحدة من عبور الدور الأول لمونديال فرنسا 1998، لولا هزيمة البرازيل المُثيرة للجدل أمام الدولة الاسكندنافية الأخرى النرويج، التي تسببت في إقصاء أسود الأطلس من المونديال.
والآن… يقولون في إيطاليا أن ما حدث في 2004، ثالث أشهر تلاعب في تاريخ البطولات الكبرى، وهذا يزيد بداخلهم رغبة الانتقام والثأر بصورة لا تقل أهمية عن خطر إمكانية الغياب عن كأس العالم للمرة الثالثة في تاريخهم، ولو أنهم يعتبرون أنفسهم لم يفشلوا في التأهل للحدث الكروي الأهم على مستوى العالم إلا مرة واحدة، تلك التي حدثت في نسخة 1958، أما الغياب عن 1930، فينظرون إليه على أنه موقف سياسي، عندما قررت السلطات الفاشية عدم المشاركة ردا على عدم موافقة الفيفا على تنظيم البلاد للمسابقة.
ماذا تقول لغة الأرقام؟
صحيح لغة الأرقام تصب في مصلحة المنتخب الأزرق قبل مواجهة الجمعة، بتحقيق 10 انتصارات، مقابل 6 هزائم ومثلها تعادلات في 22 مواجهة مباشرة بينهما، لكن ما يُثير قلق عشاق الأرقام هو التنافس الشديد بين كلا المنتخبين على صعيد مشوار التصفيات، وكانت البداية بمباراتين في تصفيات «يورو 1972»، بالتعادل بدون أهداف في ستوكهولم، ثم انتصار إيطالي بثلاثية نكراء في الإياب. في تصفيات «يورو 1984»، رد المنتخب السويدي الصاع صاعين بانتصار تاريخي وعريض وصل قوامه خماسية نظيفة في مجموع المباراتين، بواقع انتصار في الوطن 2-0 و3-0 في أرض الطليان، فيما آخر نزال في التصفيات، فكان تصفيات بطولة أوروبا 1998، وآنذاك تبادل المنتخبان الانتصار، حيث فازت السويد على أرضها بهدف نظيف وردت إيطاليا بفوز 2-1. والسؤال الآن: من سيفوز بأول معركة وجها لوجه في تصفيات كأس العالم؟ سنرى مساء الثلاثاء. علما أن هذه المادة كُتبت قبل مباراة الجمعة.
عادل منصور