هل حكومة «المصالحة الوطنية الفلسطينية» قادرة على الوفاق الشعبي؟

حجم الخط
0

مثل هذه الأسئلة قد تدور في عقول البعض منا، وقد تأتينا لتجلب معها عدم السيطرة على ترتيب المشاعر بين النفس والذات الفاعلة حتى إن أُعمل الفكر فيها قليلاً، فالمسألة ستبقى عالقة ومُحيّرة بطبيعة الحال، لذا مازالت الحيرة في ترتيب المشاعر تجاه حكومة الوفاق الوطني الفلسطيني، وهي ما يطلق عليها أيضاً «حكومة المصالحة» آخذة باللف والدوران. فهل حكومة الوفاق الوطني ستقوم بواجباتها الوطنية الشعبية؟ وهل هي حكومة قادرة فعلياً على تَخْطِئَةِ رأي الشارع الفلسطيني حولها، ذلك الرأي المشكك لأي استقرار حكومي جديد؟ وما هو موقف الدولة الإسرائيلية المحتلة في حالة نجاح الحكومة الفلسطينية الجديدة التي أنشئت في شهر مايو/ايار 2014؟ وهل ستعقب هذا النجاح ضغوط دولية صارمة على الطرف الإسرائيلي الأقوى، والتسريع في إقامة دولة فلسطينية فعلية؟
السؤال المهم والمحير: هل دولة إسرائيل ستوافق على أن تُشاركها الدولة الفلسطينية المبتدئة بمصادر رزقها الدولية، وهي التي تمتلك القوة العلمية والاقتصادية والعسكرية أيضاً؟
سيُقال إنها أسئلة تسبق الأحداث الدائرة حالياً، لكنها قد تشجع حكومة الوفاق الوطنية الفلسطينية على النظر بعينٍ الجدية والترقب. فالمصطلحات السياسية التي استخدمت في برنامج الاتجاه المعاكس على قناة الجزيرة القطرية بتاريخ 11 مايو/ايار 2014 تحت عنوان «المصالحة الفلسطينية توافق أم تفويض بالخيانة؟»، من قبل د. نزال، كانت مصطلحات قريبة جداً من المنطق العقلي الخبير، الذي يبرز الفكرة ويدافع عنها بكلام مختصر، فمثلاً استخدامه للمصطلح السلمي المناسب للموقف، «مربع المصالحة»، ودخول حماس إلى هذا المربع، ومصطلح آخر «الركلة» عندما تحدث عن قيام الدولة الفلسطينية التي ما هي إلا أكبر ركلة لإسرائيل، ومصطلح ثالث سمعته أيضاً هو مصطلح «الرُخصَة» وهي رخصة حماس لفتح بالتفاوض نيابة عنها، وأخيراً مصطلح «الدولة العصرية» الذي أُعيد تكراره في أكثر من موضع، وجاء استخدامه متعمداً لتأكيد السلطة الفلسطينية على أن إنشاء مثل هذه الدولة العصرية أصبح ضرورة ملحة أمام العالم. المصطلح الأخير لم يكن واضحاً للمشاهــــد، فقط ما هو واضح فيه أن هذه الدولة الفلسطينية العصـــرية أســــاسها الأول هو الرئيس الفلسطيني محمود عباس، واصــــفاً معها قدرته السياسية على هزيمة الدبلوماسية الإسرائيلية وافرة العدد والعتاد في المحافل الدولية، خاصة في بلجيكا.
وآخر هذه الهزائم، إحداثه الشرخ الحقيقي بين أوروبا واسرائيل، عندما أصدرت الأولى من خلال برلمان الاتحاد الأوروبي مؤخراً قانون المقاطعة للبضائع الاقتصادية التي تنتجها المستوطنات اللاشرعية وتصدرها إلى أوروبا، في شهر يناير/كانون الثاني 2014. وكذلك موقف اسرائيل السلبي المعلن عنه دوماً عن عباس، وإعطاؤه لقب بروفيسور الإرهاب الدبلوماسي، عندما أدان علناً وفي المحافل الدولية اسرائيل وسياسة التفرقة العنصرية التي تقترفها تجاه الشعب الفلسطيني وحكومته. وأحداث الخليل بتاريخ 15 يونيو/حزيران، واختطاف المستوطنين الثلاثة واتهام اسرائيلي لحماس ولفتح، والغارات المتفرقة وغلق معابر الخليل بالمكعبات الاسمنتية، أوجب تسريع الامور والقبول بوحدة الصف، لتثبت وجود الحكومة الفلسطينية «المستبدة العادلة» التي تحمل معاني الحزم والرأي الواحد، وعدم التردد في اتخاذ القرارات الحاسمة لمصلحة الشعب. ومصطلح «الحاكم المستبد العادل» جاء بشكله الحديث على لسان الإمام الافغاني ومن قبله عبدالرحمن الكواكبي في كتابه «طبائع الاستبداد» الذي رأى أنه «لن تحيا مصر، ولا الشرق بدوله، إلا بوجود رجل قوي عادل يحكم أهله على غير تفرد بالقوة والسلطان». للتوضيح أكثر وأكثر تاريخاً نجد هذا المصطلح في كتاب «الطاغية» للدكتور إمام عبدالفتاح إمام.
ليُظهِر لنا برنامج «الاتجاه المعاكس» الرأي المقابل لرأي الدكتور نزال، رأي خاضع للاستبداد الفــــكري، المُتناقض مع رأي البحـــث الأكاديمي الموضـــوعي والمحلل لما يدور حولـــــه من تغيرات متلاحــــقة تفرض الرأي اللاعنفي، إنه رأي د. التميمي الباحث والأكاديمي الفلسطيني، الذي ردّد مصطلـــحات الخــيانة والاتفاق الوهمي وبيع فلسطين، فهل أحس د. التميمي في يومٍ ما – ولو لمرة واحدة – بالموقف الحيادي المعلن وغير المعلن للدول العربية تجاه القضية الفلسطينية بعد الربيع العربي ومقولة «عنا من الهم ما يكفينا»؟ لكن اذا وُجِدَت الدولتان، فإن الأمر حتماً سيختلف.
وهذا يقودنا إلى أن العقل العربي، عقل يرغب بالسهل والسريع وهذا النوع يؤيد فكرة الثنائية، بمعنى أنه أصبح أسيراً لموقفين لا ثالث لهما، ثنائية هذا النوع هي ثنائية حادة وقاطعة تجاه رؤية الأشياء المصيرية، رافضة لأي ظلال فكرية جديدة فالحب أو الكراهية هي ما يقصد بتلك الثنائية، التي قد تقذف الرأي الثالث في أغلب الأحيان وتنسفه وتجعله رأياً فيه خيانة وتآمر على الوطن، كحزب منظمة المؤتمر الوطني الافريقي (ANC) الذي أسسه الرئيس السابق لجنوب افريقيا مانديلا
وكمحام قضى 27 عاما من شبابه في السجن قال خطبته المشهور في محكمة جنوب افريقيا في العشرين من إبريل/نيسان 1964….»إني انادي من هنا، ورغبة لتحقيق الحياة لشعب حقيقي واحد، سأخصص حياتي من أجل وقف معاناة شعبي الافريقي وسأقف في وجه سيطرة البيض او حتى سيطرة السود، أريد الديمقراطية والحرية التي تكفل الحياة للعيش، ما أتمناه هو شيء مثالي صعب التحقيق في نظركم، لكنني أتمنى أن أعيش لتحقيق وإنجاز هذه المثالية على أرض الواقع، وسأحضر نفسي من أجل الموت لهذه الفكرة المثالية». فهل حكومتنا الجديدة، حكومة «المصالحة والوفاق الوطني الفلسطيني»، قادرة على الوفاق الشعبي ومن ثم إتمام السلام مع الأطراف المعنية، فلسطينية كانت أم اسرائيلية؟.

٭ كاتبة فلسطينية

لولوة أبو رمضان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية