اعتادت منطقة الشرق الاوسط طيلة المرحلة السابقة أن تكون ساحة صراع، لأنها منطقة جيواستراتيجية للكثير من الفواعل الاقليمية والدولية، بسبب كثرة الموارد التي تحتويها، وتحديداً عصب الحياة النفط، لكن اغلب هذه الصراعات كانت تأخذ طابع الصراع بالوكالة بين هذه القوى والفواعل، وهذا يعد بحقيقته تنافسا واضحا وصريحا وصراعا خفيا، لكن الاحداث الأخيرة بعد التغيير في المنطقة العربية وسيطرة «الدولة الاسلامية» على مناطق شاسعة من العراق وسوريا، وبالتالي تشكيل التحالف الدولي، ودخول دول عربية معينة فيه ومشاركتها في تنفيذ الكثير من الضربات على مواقعها، بالمقابل سيطر الحوثيون في اليمن واجتاحوا الكثير من المدن اليمنية، وبالتالي تشكيل التحالف العربي الذي لم يتوان في قصف مقرات الحوثيين، وتهديد المملكة العربية السعودية بتدخل بري وكذلك البحرين ومصر.
هذه الاحداث المتسارعة والمخيفة ممكن ان تدخل المنطقة في اتون حرب طائفية بين السنة والشيعة، حرب مباشرة وليست بالوكالة، طرفاها ايران وحلفائها من جهة، وتركيا والسعودية ومصر وحلفائها من جهة ثانية.
ولفهم هذه الاحداث لابد من العودة الى الوراء قليلاً لنفهم بالتحديد من يقوم بالدفع باتجاه هذه الحرب، والاطراف المستفيدة من دخول المنطقة في حرب مباشرة بين كل الفواعل. وهذا ما يؤكده وزير الخارجية الامريكي الاسبق هنري كيسنجر عندما سئل عن التغيير في منطقة الشرق الاوسط فقال: «انتظروا حرب المئة عام المقبلة»، وعندما قيل له بين من ومن؟ اجاب، «بين المذهبين الاسلاميين المعروفين: السنة والشيعة.
كما يرى برجنسكي ان الولايات المتحدة باتت ترى ان توازن الرعب القائم في الشرق الاوسط لم يعد مريحا لها، بعد ان تولت قواتها العسكرية تأمين مصالحها في المنطقة، وان تكاليف الدعم لاسرائيل ودعم اصدقائها في المنطقة باتت مكلفة، فلا بد من التغيير خوفاً من انهيار امريكا في الشرق الاوسط.
يقول ريتشارد هاس، «ان هذا الجزء من العالم لنا فيه مصالح دائمة تواجه تهديدات دائمة ايضاً، لذلك فإن للولايات المتحدة دوراً يجب ان تلعبه، فقد وضعت هذه المنطقة معضلات معقدة امام السياسة الخارجية الامريكية منذ نصف قرن، فهذا العالم لنا فيه اصدقاء قد يكونون اقوياء اقتصادياً وضعفاء عسكريا، ولنا فيه مصالح شديدة الاهمية مثل البترول، غير ان هناك فجوة في هذا الجزء من العالم وقدرتنا على حمايته، ولا ارى أي وسيلة لسدها الا بالجهود المنسقة.
التغيير الذي حدث ويحدث في منطقة الشرق الاوسط لم يكن وليد اللحظة التي انطلق فيها ومنها، وانما كان تطبيقاً عملياً لمشاريع فكرية استراتيجية امريكية، يراد منها اعادة تشكيل المنطقة مما يعزز النفوذ الامريكي فيها، وبالتالي فإن الولايات المتحدة الامريكية عملت وتعمل على تغيير النظم السياسية القديمة في المنطقة، سواء منها المعادية لها من اجل التخلص منها، او حتى بعض الدول الصديقة التي اصبحت عبئاً عليها، خاصة بعد تصاعد المطالبات التي تنادي بتغيير النظم الموجودة في المنطقة بسبب ديكتاتوريتها، فضلاً عن انها لم تلب رغبات شعوبها في التعددية الحزبية والسياسية والتنمية الاقتصادية والمجتمعية، لذا فهناك من يرى أن الولايات المتحدة عملت على تغيير بعض الدول بالقوة الصلبة (العراق وافغانستان)، وبعضها الاخر من خلال القوة الناعمة (مصر وتونس)، والبعض الاخر من خلال القوة الذكية (ليبيا)، واليوم تعمل على اضعاف سوريا وتغييرها من خلال نزع الاسلحة الكيماوية وتدمير الجيش السوري، فضلاً عن الحرب الاهلية والطائفية.
منطقة الشرق الاوسط دخلت مرحلة المواجهة المباشرة بين اقطابها الفاعلين على الساحة الاقليمية، من خلال حرب طائفية ساحاتها الرئيسية، سوريا والعراق واليمن، ومحركها الرئيسي الولايات المتحدة الامريكية، ومنفذوها اغلب دول المنطقة، التي تندفع دائماً بقرارات عاطفية غير عقلانية، والرابح الاكبر فيها اسرائيل التي اصبحت من اكثر الدول أمناً في محيط يتميز بالغليان الذي وصل الى حد الانفجار، فنحن في ضعف وتشتت مستمر، بينما هي في توحد واستقرار ومزيد من القوة.
٭ كاتب عراقي
مهند حميد الراوي