هل ربحت تركيا معركة «مرمرة» مع إسرائيل؟

حجم الخط
0

منذ أن أعلن عن التوصل إلى تفاهم المصالحة بين تركيا وإسرائيل بتاريخ 26/6/2016 بدأت الآراء والتحليلات المتناقضة تبرز على الصحف والإعلام في الحديث عن الرابح والخاسر إن كانت تركيا وحكومة حزب العدالة والتنمية وأردوغان، أم إسرائيل وحكومة نتنياهو التي يرأس أفيغدور ليبرمان وزارة الدفاع فيها؟
هذا التفاهم الذي صادق عليه مجلس الوزراء الإسرائيلي قبل يومين يمكن وصفه بانه اتفاق تركي إسرائيلي أمريكي، فقد شارك نائب الرئيس الأمريكي بايدن بجهوده لانجاز الاتفاق، واستحق شكر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو في اتصال هاتفي. وقال بيان صادر عن البيت الأبيض، إن «نتنياهو اتصل هاتفيا بنائب الرئيس جو بايدن، ليشكره على الدعم الذي قدمه، لمفاوضات تطبيع العلاقات بين تركيا وإسرائيل». وأضاف البيان، أن بايدن بدوره هنأ نتنياهو «على التقدم الذي تم تحقيقه في سبيل التصالح مع تركيا»، مشيرا إلى أهمية ذلك، «من أجل المصالح الاقتصادية، وتوفير الأمن، للبلدين، ولمنطقة شرق البحر المتوسط». فمن وجهة نظر أمريكا هناك ثلاثة أهداف كبرى: اقتصادية وأمنية للبلدين وللمنطقة.
أما الموقف التركي، فقد أدلى رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، يوم الاثنين 27/6/2016، بتصريحات قال فيها إن الشروط التركية الثلاثة قد تحققت، بما يتضمن موافقة إسرائيل على تقديم تعويضات لأسر ضحايا الهجوم الإسرائيلي على سفينة «مافي مرمرة» في 31 آيار/مايو 2010. ووفقا لما أعلنه يلدريم، ستدفع إسرائيل 20 مليون دولار، تعويضات لعائلات شهداء سفينة «مافي مرمرة»، وسيتم الإسراع في عمل اللازم من أجل تلبية احتياجات سكان قطاع غزة من الكهرباء والماء، وستقوم تركيا، في إطار التفاهم، بتأمين دخول المواد التي تستخدم لأغراض مدنية إلى قطاع غزة، وضمنها المساعدات الإنسانية، والاستثمار في البنية التحتية في القطاع، وبناء مساكن لأهاليه، وتجهيز مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني، الذي تبلغ سعته 200 سرير، وافتتاحه في أسرع وقت، وأن تنطلق أولى شحنات المساعدات الإنسانية التركية إلى غزة، على متن سفينة تغادر من ميناء مرسين التركي، يوم الجمعة وقبل عيد الفطر السعيد.
هذه هي وجهة النظر التركية نحو التفاهم أو الاتفاق، ومن خلاله تقول تركيا أنها حققت أهدافها الخاصة بالاعتذار أولاً، والتعويض ثانياً، وأنها استطاعت كسر الحصار عن غزة وإن لم تقضي عليه كلياً، لأسباب لا تعود للاتفاق التركي الإسرائيلي نفسه فقط، بقدر ما تعود لما وصلت إليه القضية الفلسطينية من اتفاقيات سلام مع الكيان الإسرائيلي، فلم يوقع الفلسطينيون حتى الآن اتفاقا نهائيا مع إسرائيل، إضافة إلى مواقف سلبية من الجانب المصري، الذي يفترض أن يكون فك الحصار البري عن غزة يتضمن اتفاقا مع الحكومة المصرية أيضاً، وهو ما لم تبدي الحكومة المصرية استعدادا للتعاون فيه، ولذلك يمكن اعتبار الموقف الفلسطيني الصادر من حماس علامة رضاً عما تم التوصل إليه.
فقد أعربت حركة المقاومة الإسلامية «حماس» عن شكرها وتقديرها لموقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وللجهود التركية الرسمية والشعبية المبذولة لمساعدة الشعب الفلسطيني في غزة والتخفيف من حصارها. وأوضحت «حماس» في بيان صحافي نشرته على موقعها الالكتروني، بعنوان «حول الجهود التركية لرفع الحصار عن غزة»، أن المساهمة التركية «تنسجم مع الموقف التركي الأصيل تجاه القضية الفلسطينية ودعم صمود شعبنا الفلسطيني والوقوف إلى جانبه».
وبحسب التصريحات الإسرائيلية فإن الاتفاق ينص على بنود مشابهة لما تحدث عنه الأتراك، وما يزيد عنها قد يدخل ضمن إظهار نوع من الانتصار للحكومة الإسرائيلية، وبالأخص فيما يخص فك الحصار الذي تمسكت به الحكومة التركية طويلاً، بينما تعترف المصادر الإسرائيلية أن إسرائيل وافقت ان تسمح لتركيا بإنشاء مشروعات للبنية التحتية في قطاع غزة وتطويرها مثل محطة للكهرباء، ومستشفى، ومحطة لتحلية المياه، على أن تتعهد إسرائيل بالسماح لتركيا بنقل جميع العتاد والمساعدات الإنسانية لغزة دون قيود ما دامت هذه المواد تنقل عبر ميناء أسدود الإسرائيلي.
وأما الحديث عن تطبيع العلاقات بكل تفاصيلها الدبلوماسية فهو ما كان بين تركيا وإسرائيل قبل تأسيس حزب العدالة والتنمية واستلامه السلطة السياسية عام 2002، فلا جديد في هذه العلاقات غير التي كانت سابقاً، وما تم هو نوع من الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني وأهل غزة، وبالأخص بعد الحروب الإجرامية التي شنها الكيان الإسرائيلي على غزة منذ عام 2008 وما بعدها، ولذلك نظر الإسرائيليون المعارضون للاتفاق على أنه عار على الدولة الإسرائيلية، وان نتنياهو قد خسر معركته أمام تركيا، فكما خضع لمطالب بايدين بالاعتذار لتركيا بتاريخ 22 اذار/مارس 2013 خلال محادثة هاتفية بين نتنياهو ورجب طيب أردوغان عن قتل البحرية الإسرائيلية لتسعة مواطنين أتراك، فإن نتنياهو خضع للشرطين الآخرين، بما يتضمن تلك المواقف الإسرائيلية من اعتراف بالعدوان والخطأ تجاه سفينة مرمرة، ولذلك يذهب البعض للقول بانه لا بد ان تكون هناك بنود سرية خضعت لها تركيا، وهذا من باب التكهنات عند الذين لا يعجبهم هذا الاتفاق.
ولذلك يمكن حسم هذه التكهنات من معرفة ردود أفعال المعارضة الإسرائيلية، حيث قال يتسحاق هرتسوغ، زعيم المعارضة الإسرائيلية:» إن موافقة إسرائيل على دفع تعويضات مالية لتركيا غير معقول»، وأضاف:» إن عودة العلاقات مع تركيا إلى طبيعتها هي هدف سياسي هام، ولكن دفع التعويضات المالية لأشخاص اعتدوا على أفراد الجيش الإسرائيلي هو أمر غير معقول». وقال قيادي بارز في حزب «الليكود» الذي يتزعمه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو :»إن موافقة إسرائيل على دفع تعويضات مالية لتركيا بمثابة إذلال». بل في ردود الأفعال الإسرائيلية من يقول إن أردوغان قد ربح معركة المصالحة مع إسرائيل، حيث قال الخبير العسكري الإسرائيلي عمير ربابورت:»إن اتفاق المصالحة بين أنقرة وتل أبيب يعد إنجازًا سياسيا لصالح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان».
هذه المواقف داخل الكيان الإسرائيلي تفسر ان الإسرائيليين لم يكونوا يتوقعون أن تخضع الحكومة الإسرائيلية بهذه الطريقة، فهذا خلاف المعهود من المواقف الإسرائيلية المتصلبة أو المتغطرسة في التعامل مع الفلسطينيين والعرب في العقود الماضية، وكان بعض الإسرائيليين أكثر ذكاء في تخطيء نتنياهو بأن أردوغان كان يمكن أن يتنازل عن شروطه بعد أن عادت الأعمال الإرهابية التي يتبناها حزب العمال الكردستاني إلى داخل تركيا، وفي ظل عقوبات اقتصادية روسية مفروضة على تركيا أيضاً، دون ان يدرك أولئك المعترضون أن الرئيس الروسي بوتين كان قد أبلغ نتنياهو في اللقاءات الأخيرة بينهما أن خلاف روسيا مع تركيا لن يدوم، وانه مضطر لقبول أي بادرة تركية لإعادة العلاقات التركية الروسية إلى طبيعتها أيضاً، وناسين أيضا أن رسالة الحزم التركية وصلت نتنياهو كما وصلت إلى بوتين يوم أسقطت المقاتلات الحربية التركية الطائرة الروسية المعتدية على الأجواء التركية، دون أن تخشى تركيا ردود الأفعال الروسية طالما هي تدافع عن حدودها وأمنها القومي.
لم تتجاهل تركيا عندما أسقطت الطائرة الروسية أن حجم التبادل الاقتصادي مع روسيا يبلغ 30 مليار دولار، وأنه موعود بمئة 100 مليار خلال الخمس سنوات المقبلة، ولكن مواجهة القدر لا توقفه أطماع تجارية ولا سياحية، ومن باب أولى ان لا تكون الخمسة مليار دولار من التبادل التجاري مع الكيان الإسرائيلي هي العامل الأكبر في المصالحة التركية الإسرائيلية، وإنما من مسؤولية الحكومة التركية ان تستجيب لمطالب شعبها والشعب الفلسطيني في تخفيف الحصار على طريق انهائه في ظل حل شامل تشارك فيه السلطة الفلسطينية ومصر والدول العربية والدول الأخرى المعنية، فتركيا ليست هي الدولة التي تملك كل الحلول لهذه القضية، ولكنها لا تتجاهل مسؤولياتها فيها بما يرضي الشعب التركي والشعب الفلسطيني في غزة، وقد تحقق لها ذلك، ولذلك قد لا تعير اهتماما لمن يطالبون تركيا بالقيام بالمسؤوليات التي يتوجب على الدول العربية القيام بها نحو الكيان الإسرائيلي.
وهذا لا ينفي حرص الحكومة التركية على تحقيق مكاسب اقتصادية مع إسرائيل وروسيا في ظل هذه المصالحات في المنطقة، فلا شك أن اتفاق المصالحة يعد إنجازا اقتصاديا لأنقرة، لأن الأتراك يعملون كثيرا للنجاح الاقتصادي داخل تركيا وخارجها، ولكن الموقف الاقتصادي ليس هو الأصل، وإنما الموقف الذي يعبر عن تمسك صاحب الحق بحقه ضمن الممكن، ولعل موقف حنين زعبي، وهي فلسطينية من أراضي عام 1948 وعضوة الكنيست، يعبر عن هذا الموقف بأجلى صورة وهي تقول:»إن الاتفاق يمثل اعترافا من جانب إسرائيل بالذنب على حادثة أسطول الحرية التركي أولاً، وأن موافقة إسرائيل على دفع 21 مليون دولار للأترك يمثل اعترافا واضحا بجريمتها في حادث السيطرة على السفينة التركية ثانياً». مؤكدة:»أنه حتى لو لم تعترف إسرائيل بذلك، فهذا اعتراف بجريمة قتل تسعة أشخاص، وإصابة العشرات، واختطاف وأعمال قرصنة في قلب البحر».
لقد كانت معركة في مستوى سفينة مرمرة ومحاولة كسر الحصار، وقد تحقق منها ما كان الشهداء يأملونه من سفينة مرمرة، أن تدخل المساعدات الإنسانية والطبية والغذائية والإعمارية وغيرها إلى أهل غزة، وان يكون أهل غزة على ثقة بان الشعب التركي سيبقى معهم حتى رفع الحصار بالكامل، بل وما بعد رفع الحصار وما ذلك على الله بعزيز.

هل ربحت تركيا معركة «مرمرة» مع إسرائيل؟

زاهد جول

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية