■ هل ثبتت مرحليا حدود الدولة «الداعشية الإسلامية»؟..
الان وقد خفت حدة معارك تنظيم «داعش» سواء في العراق او سوريا وتدنت الى مجرد مناوشات حدودية، كما يحصل في العادة بين دول الجوار، وتوقف زحف هذا التنظيم حتى في مدينة كوباني (عين العرب) على الحدود الشمالية السورية مع تركيا، هل يمكن الافتراض ان هذه هي الحدود التي تسمح بها الولايات المتحدة ودول تحالف ما يسمى بالإرهاب الدولي، لـ»داعش» بالوصول اليها وعدم تخطيها.
وإذا ما صحت هذه الافتراضية واعتقد انها صحيحة، كما تشير كل الأدلة والوقائع.. وصح البناء عليها، فان الولايات المتحدة نجحت في المرحلة الأولى من مخططها هذا في إقامة اول خازوق طائفي في المنطقة بحدود معلومة ومعروفة، من دون اعتراف رسمي، وان كان ضمنيا، مع مواصلة الغارات الجوية بين الحين والآخر على مناطق سيطرة «داعش» التي أصبحت ميدانا حيا لتجريب أسلحتها وطائراتها الحديثة من طراز أف- 35 وغيرها من الأسلحة الفتاكة، لتبرير وجود ما يسمى بالتحالف الدولي، بدون إلحاق اي ضرر فعلي وحقيقي للتنظيم، بل انزال مزيد من الويلات على المدنيين العزل بقتلهم وتشريدهم وتدمير منازلهم.
وحالت الغارات الجوية الامريكية ودول التحالف، فقط دون استيلاء «داعش» على مدينة كوباني بغالبيتها الكردية، حفاظا على هذه المعزل «الكانتون» الإثني في سوريا. وهذا هو الخازوق الثاني في مخطط تفتيت سوريا الدولة والوطن الى معازل.
ولو كانت الولايات المتحدة فعلا ترى في تنظيم «داعش» كما تزعم، خطرا داهما عليها وعلى الدول الغربية الاخرى لما تركته يتسع ويمتد ليحتل هذه المساحات الشاسعة من سوريا والعراق.. فالولايات المتحدة لا تتردد حتى في عهد الرئيس أوباما في إرسال جيوشها الى اي بلد، إذا شعرت بأنه يمثل فعلا خطرا حقيقيا على أمنها القومي.. والأمن القومي الامريكي لا يقتصر فقط على الولايات المتحدة جغرافيا فحسب، بل كل الدول التي تدور في فلكها لاسيما الإقليمية منها.
الأدلة على ذلك عديدة، يكفي فقط ذكر أفغانستان تحت حكم طالبان وتنظيم «القاعدة»، اللذين لم يكن خطرهما بمستوى خطر «داعش».. فأرسلت الولايات المتحدة وحلفاؤها وفي مقدمتهم بريطانيا بالطبع التي تقف دائماً الى جانب الولايات المتحدة، حسب الحديث الشريف مع بعض التحريف، «انصر أخاك ظالما او ظالما»، جيوشها فقتلت ودمرت على مدى 13 عاما، بدون ان تنتهي من المهمة التي ذهبت من أجلها، وهي تدمير حركة طالبان ومن ورائها تنظيم «القاعدة». وهناك طبعا احتلالها للعراق الذي لا تزال كوارثه قائمة حتى اليوم. فالولايات المتحدة لم تنتظر قرارا من مجلس الامن كما حصل في المرات السابقة، ووجدت حلفاء محليين، لإرسال قواتها الأرضية الى هذا البلد العربي لإسقاط نظامه، بحجة امتلاكه أسلحة دمار شامل، وهو ما ثبت لاحقا، وليس حبا في الشعب العراقي الذي قتلت منه أضعاف أضعاف ما قتل منه نظام صدام حسين القمعي والشمولي، بل وفتته طائفيا واثنيا وزرع الفتنة وعدم الثقة بين مجمل الأطراف لتكون بينهم الحكم.
ولكن الولايات المتحدة نفسها وجدت في بقاء «داعش» وتعزيزه وتسليحه عبر بعض الحلفاء، ما يخدم مصالحها ومخططاتها، ولم تر فيه «الخطر الداهم» كما تدعي، والتخلص منه. ولو فعلت ذلك لما وجدت معارضة من اي طرف لا إقليمي ولا دولي. وهذا الموقف بحد ذاته يثير العديد من التساؤلات والكثير من علامات الاستفهام.
و»داعش» كما قلت في مقال سابق «لغز داعش» ليس معنيا بالنظام الحاكم في دمشق، اذ تشهد كل الوقائع ان نظام دمشق، غض الطرف عن نشاط هذا التنظيم وتركه ينمو ويكبر، وكان من خلاله يحارب الفصائل المسلحة الاخرى.. و»داعش» من جهته لم يتجاوز حدوده الجغرافية مع النظام، وأبقى سيطرته وأحكـــمها على مناطـــق تمتد من أطراف حلب مرورا بمحافظة الرقة وحتى الحدود مع العراق.
وهذا التقسيم يفتح الباب على مصراعيه امام المزيد من التقسيم والتفتيت، خاصة اذا ما نجحت «جبهة النصرة» ممثلة لما يسمى تنظيم «القاعدة» التي ولد من رحمها تنظيم «داعش»، الموجودة بقوة على المناطق الحدودية السورية في منطقة الجولان. والتقارير الاخيرة تفيد بأنها تحقق بعض الانتصارات هناك، وهذا خازوق ثالث في مخطط التقسيم..
اما ما يسمى بـ»الجيش الحر» فهو موجود اكثر في المناطق المحاذية للأردن.. محافظة درعا وغيرها.. ولن يقبل بعدم الفوز بقطعة من هذه الكعكة (خازوق رابع).. وطبعا لن ننسى نظام دمشق الذي كانت أعماله الإجرامية وسياساته الدموية ازاء شعبه سببا، ولو انه تعلم الدرس من غيره وحقق المطالب الشرعية للمتظاهرين بدون اللجوء الى الذبح والقمع، لما وصلت سوريا الى ما وصلت اليه الان، من دمار وتخريب ولما استبيحت على هذا النحو.. وسيبقى هذا النظام وبقبـــول من الولايات المتحدة وحلفائها وطبعا من روسيا والصين خازوقا خامسا. ولا يخلو الامر من ان تخرج علينا إثنيات وطوائف اخرى تطالب بقطعة من هذه الكعكة.
في ما يبدو ان الولايات المتحدة ولأغراض في نفس يعقوب، سعت دوما الى التقليل من قوة «داعش» عدة وعددا. وبينما تتحدث التقارير، حتى تلك الصادرة عن وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية (سي اي آيه) وغيرها من اجهزة المخابرات الغربية، عن ان قوة هذا التنظيم العددية، تتراوح بين 20- 30 الفا، فان تقديرات حليفهم الكردي تصل الى حوالي عشرة أضعاف هذا العدد.
ويقول فؤاد حسيني رئيس ديوان رئيس اقليم كردستان مسعود بارزاني في حديث الى باتريك كوكبيرن، احد أكفأ صحافيي «الأنديبندنت اون صنداي» الأسبوعية البريطانية في شؤون الشرق الأوسط، ان تنظيم داعش يضم ما بين 200 – 250 الفا.
ورغم ان الحسيني لم يأتِ بدليل قاطع على صحة هذه التقديرات المبالغ فيها، لكن دليله الى ذلك هو كثافة هذه الهجمات المتعددة الجبهات والمتباعدة جغرافيا، التي ينفذها «داعش»، سواء ضد أهداف في سوريا او ضد المناطق الكردية، وكذلك في المناطق العراقية الغربية. ويفسر حسيني ان «داعش» يقاتل في مدينة كوباني على الحدود الشمالية لسوريا مع تركيا بينما كان في في تشرين الاول/ اكتوبر الماضي يقاتل على 7 جبهات في كردستان العراق، اضافة الى الرمادي عاصمة محافظة الأنبار الى الغرب من بغداد ومدينة جلولاء العربية في كردستان على الحدود العراقية مع ايران. لذا فان تقديرات وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «سي اي آيه» في أيلول/ سبتمبر الماضي، كما يقول حسيني، غير منطقية وغير معقولة.
ويضيف حسيني ان «داعش» قادر على تجنيد الشباب العربي في المناطق التي يخضعها لسيطرته، وبحسبه فان «داعش» يسيطر على ثلث مساحة سوريا وثلث مساحة العراق وكثافة سكانية يقدرها بما بين 10 الى 12 مليون نسمة. وهذا برأيه يعطي هذا التنظيم مجالا واسعا لتجنيد المزيد من المقاتلين.
وبعملية حسابية بسيطة سيكتشف المتابع ان تنظيم «داعش» يسيطر على حوالي 206 الاف و699 كيلومترا مربعا، اي اكبر من مساحة سوريا نفسها، منها 61 ألفا و726 من أصل 185180 كيلومترا مربعا مجمل مساحة سوريا، والباقي اي 144 الفا و973 كيلومترا من أصل 434920 كيلومترا مجمل مساحة العراق..
وأخيرا وليس آخرا وبعد ان سك تنظيم «داعش» عملاته بالذهب والفضة والنحاس. لن يكون مستبعدا بدء التعامل الرسمي معه، الذي بدأ على نحو غير رسمي ببيع النفط منه بأسعار مخفضة عبر دول الجوار.
كما لن يكون مستبعدا أن تعلن طوائف واثنيات اخرى استقلالها في معازلها.
والقادم اعظم
٭ كاتب فلسطيني
علي الصالح