هل سافرت البريطانيات خديجة وسجرا وزهرة مع أطفالهن التسعة للقتال في سوريا؟ 

حجم الخط
0

 

لندن ـ «القدس العربي»:  «أنني أرتجف. لقد مضت أيام عديدة وما زلت لا أعرف أين أنتم. أرجوكم عودوا، عودوا كي نعيش حياة طبيعية. رجاء، رجاء عودوا، فأنا أحبكم كثيرا».
بهذه الكلمات ناشد المواطن البريطاني أختار إقبال، وهو يمسك برأسه ويبكي، زوجته سجرا داود التي يعتقد أنها سافرت مع إثنين من شقيقاتها إلى سوريا للالتحاق في صفوف«الدولة الإسلامية». أما محمد شعيب، فقد دعا زوجته خديجة ووالدة أطفاله الخمسة التي تزوجها منذ 11 عاما إلى العودة، باكياً وهو يضع وجهه بين يديه: «كانت علاقتنا مثالية، وكانت لدينا عائلة جميلة، من فضلك عودي، أنا لست غاضبا، كل شيء سيكون على ما يرام، هم أطفال صغار، كان لدينا عائلة رائعة، ولا أعرف ماذا حدث».
لكن توسلات أختار ومحمد التي جاءت أثناء مؤتمر عقد في مدينة برادفورد البريطانية حيث يقيمن الشقيقات وعائلتهن لم يجد نفعاً ولا جواباً. فقد مر أكثر من إسبوعين على إختفاء الزوجات مع أطفالهن التسعة وأصغرهم في الثالثة من عمره وسط تكهنات عن موقعهن ونواياهن. فقد غادرت سجرا وزهرة وخديجة اللائي تتراوح أعمارهن بين 30 و34 عاما، بريطانيا يوم 28 مايو/ايار إلى السعودية لأداء العمرة وكان من المتوقع أن يعدن إلى المملكة المتحدة في 11 حزيران/يونيو إلا أن هذا لم يحدث. وبحسب مسؤول تركي والمعلومات التي حصلت عليها «القدس العربي» خلال المؤتمر الذي حضرته عائلة الشقيقات وأزواجهن في مدينة برادفورد فإن من المرجح أن الشقيقات ذهبن يوم 9 حزيران/يونيو في رحلة من المدينة المنورة إلى اسطنبول في تركيا – الطريق التي يشيع استخدامها للوصول إلى سوريا. وبحسب المصادر، فإن من المعتقد أن تكون سجرا وزهرة وخديجة التحقن بشقيقهن الذي يشتبه في أنه يقاتل مع تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا. وأكد محامي العائلة أن زهرة تركت رسالة صوتية لعائلتها يوم الاربعاء الماضي أشارت فيها إلى أنها كانت بالفعل في سوريا، مؤكدة أن كل من كان معها في الرحلة سافر إلى هناك. رسالة زهرة أكدها أيضا أحد المهربين عبر الحدود التركية حين صرح لهيئة الإذاعة البريطانية أن الشقيقات الثلاث وأطفالهن التسعة تم تقسيمهم إلى مجموعتين لعبور الحدود إلى سوريا، مضيفاً أن المجموعة الأولى توجهت إلى سوريا في وقت مبكر من يوم الأربعاء ولحقت بها المجموعة الثانية في اليوم التالي.
وقال محامي العائلة بلال خان إنه لا توجد علامات على تبني الشقيقات لأفكار متشددة كما لم يظهر أي نشاط في حساباتهن على مواقع التواصل الاجتماعي. وقال إن الاتصال انقطع بين الزوجين وزوجتيهما منذ أن تخلفتا عن العودة إلى بريطانيا مضيفاً أن الزوج الثالث خارج بريطانيا حاليا. وبحسب صديقة إحدى الشقيقات فإن زهرة كانت ترفض فكرة أن يكبرن بناتها في بريطانيا. وقالت المرأة، التي طلبت عدم الكشف عن اسمها، لـ»بي بي سي» أن زهراء داود «لم تحب المملكة المتحدة يوماً وكانت تعتقد أنها أصبحت شبيهة بأمريكا»، قائلة: «لا أريد لأطفالي أن يعيشوا في هذا المجتمع».
وقالت المرأة: «كانت زهرة تقول إنها تريد أن تعيش في المملكة العربية السعودية» مضيفة أنها «صدمت» لسماع ابن سجرا، 14 عاما، يقول: «أنا ذاهب إلى سوريا للقتال».

اتهام الشرطة بالتواطؤ

وقالت الشرطة إنها تعمل مع السلطات في الخارج لمحاولة العثور على عائلة داود. وقالت عائلتهن في بيان يوم الخميس «إننا لا نقر بأفعال الشقيقات في ترك أزواجهن وعائلاتهن في المملكة المتحدة وأخذ أطفالهن إلى منطقة حرب لا يؤمن فيها الانضمام إلى أي جماعة». وأكدت شرطة غرب يوركشر أنها تحقق في الموضوع وأنها اتصلت بالسلطات التركية، لكن لم يتسن الحصول على معلومات. وبحسب رسالة محامي العائلة، فقد اتهمت العائلة الشرطة البريطانية بأنها «متواطئة» في إختفاء الشقيقات الثلاث. وقال المحامون في رسالة إلى عضو البرلمان البريطاني كيث فاز، إن ضباط الشرطة شجعوا الشقيقات الثلاث على الاتصال بأخيهن الذي يعتقد أنه يقاتل في سوريا عبر «تغاضيهم غير المسؤول» عن عواقب ذلك. وأضاف المحامون أن إحدى الأمهات غادرت بريطانيا بسبب الرقابة «الخانقة».
ورفضت الشرطة مزاعم المحامين وقال روس فوستر مساعد قائد الشرطة «نرفض تماما الاتهامات أن الشرطة كانت ضالعة في الاعداد المزعوم لتطرف العائلة المفقودة أو أننا تسببنا في قمعهم».

برادفورد تحت الضوء

إختفاء سجرا وزهرة وخديجة مع أطفالهن التسعة أثار جدلاً واسعاً في بريطانيا يتعلق بالمدينة التي تنتمى الشقيقات إليها، خاصة بعد المعلومات التي كشفت أن شقيقهن سبقهن إلى سوريا. فبعد يومين من الحادثة، سلطت تقارير إعلامية الضوء على طلحة أسماعيل وهو صبي عمره 17 عاما من دوسبري على بعد عدة كيلومترات من برادفورد ويعتقد أنه نفذ هجوما لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق ليصبح أصغر انتحاري بريطاني.
وبعد الهجوم الانتحاري لطلحة وصفت صحيفة «دايلي ميل» اليمينية بلدته دوسبري بأنها «مرتع للجهاديين الذي ترتدي فيه حتى سيدة تبيع المثلجات النقاب». ونشرت الصحيفة صورة لامرأة منقبة تبيع المثلجات من نافذة مركبة عليها صورة ميكي ماوس.
وبحسب صحيفة «دايلي ميل» البريطانية فإن بلدة ديوسبري، الواقعة شمالي إنكلترا، صارت تربة خصبة لتجنيد المتشددين، حتى أن زعيم المجموعة التي نفذت تفجيرات لندن عام 2005 كان ينتمى إليها. وبحسب صحيفة بريطانية فإن معظم نساء البلدة حالياً يرتدين النقاب، حتى بائعة المثلجات والآيس كريم، فيما تنتشر المدارس الإسلامية الخاصة التي لا تعمل تحت إشراف الحكومة كما يوجد بالبلدة مقر إحدى محاكم الشريعة التي واجهت انتقادات حادة في مجلس اللوردات خلال الفترة الماضية لأنها تميز ضد النساء في بعض القضايا التي تعرض عليها.
لكن أحد سكان حي آل داود أحمد (52 عاما) يقول وهو يتابع ببصره حركة الشارع في مدينة برادفورد بشمال انكلترا «لماذا تذهب إلى سوريا؟ لا أفهم ذلك». مضيفاً إنه لم يشهد تشددا قط في المدينة. ويؤلف المسلمون تقريبا ربع سكان منطقة برادفورد الذين يُقدَّر عددهم بنحو 526 ألفا وتعيش في المنطقة أكبر نسبة من السكان المنحدرين من أصول باكستانية في بريطانيا. وواجهت المنطقة شأنها شأن الكثير من البلدات والمدن الشمالية صعوبات اقتصادية في السنوات الأخيرة ويتجاوز معدل البطالة فيها المتوسط الإقليمي والوطني. وكانت أجزاء من برادفورد أشعلت فيها النيران في حوادث شغب عنصرية بين البيض وسكان منحدرين من أصول آسيوية في عام 2001 لكن معظم الذين يعيشون هناك اليوم يقولون إنها مدينة تسودها علاقات الود وان المجتمعات تتعايش على ما يرام. وحي آل داود في المدينة مثال نموذجي يشمل الطبقة العاملة والعرقيات المختلفة ويشيع فيه ارتداء النساء للنقاب وتعمل فيه الكنائس والمساجد جنبا إلى جنب.

بين محاربة الإرهاب
والتضييق على المسلمين

تقول الحكومة البريطانية التي تشارك في حملة قصف جوي تقودها الولايات المتحدة للقضاء على التنظيم إن أكثر من 700 بريطاني – رجالا ونساء- بعضهم من المراهقين والبعض الآخر تلقى تعليما جيدا اجتذبوا للقتال في سوريا والعراق. وينضم معظمهم لتنظيم الدولة الإسلامية. ويعد اختفاء عائلة داود في برادفورد أحدث دليل على  البريطانيين الذين تمكنوا من مغادرة البلاد للانضمام إلى جماعات إسلامية متطرفة، رغم الجهود التي تقوم بها بريطانيا.
وقال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في كلمة أمام مؤتمر أمني في سلوفاكيا إن من يقومون بهذه الرحلة لا يعرضون أنفسهم للخطر فحسب لكنهم «يساهمون في أكبر التهديدات التي يواجهها عالمنا».
ويركز كاميرون على إقناع مسلمي بريطانيا وعددهم 2.8 مليون نسمة ببذل مزيد من الجهود لمحاربة التطرف فيما بينهم. وقال إن عددا أكبر مما ينبغي من الناس يعبرون عن العقيدة «الشريرة» التي يتبعها تنظيم الدولة الإسلامية حتى لو لم يكونوا يحرضون على العنف. وتابع قوله «هذا يمهد الطريق للشباب لتحويل الاضطهاد المستعر إلى نوايا بالقتل. للتحول من الاستماع إلى رجال دين متشددين على الإنترنت إلى ركوب طائرة إلى اسطنبول ثم السفر للانضمام إلى الجهاديين». ويعتزم كاميرون طرح قوانين جديدة لتعزيز سلطات حظر الجماعات «المتطرفة» ومراقبة الإعلام للحد من بث المواد التي تحرض على التطرف. كما وستشرع الحكومة بسلسلة من الإجراءات الرقابية وتمنح فيها لنفسها سلطات لإغلاق مساجد ترى أن رسالة التطرف تنتشر منها، وستطالب المؤسسات التعليمية والصحية رصد تصرفات العاملين المسلمين فيها بحثا عن ميول للتطرف.

عزلة ثقافية

لكن بعض المسلمين البريطانيين يقولون إن مثل هذه الإجراءات ستأتي بنتائج عكسية وستزيد من الشعور بالعزلة الذي يؤجج التطرف. وقالت بانا جورا وهي عضو مؤسس لمجلس برادفورد للنساء المسلمات إنه يتعين على الدولة أن تعمل مع المسلمين لا أن تشيطنهم. وأشارت «هذه القوانين الخاصة بمكافحة الإرهاب التي ستطرح لن تجدي نفعا». وتابعت قولها إنه لو حصلت الحكومة على «سلطات لإغلاق المساجد كما يحلو لها فكيف يساعد ذلك على بناء علاقات بين الجالية المسلمة والدولة؟».
وقال معهد الحوار الاستراتيجي – وهو مؤسسة بحثية مقرها بريطانيا تشجع على مناهضة التطرف- إن النساء لم تدفعهن إلى منطقة الحرب الرغبة في أن يصبحن «زوجات» لمقاتلين على جبهة القتال وانما لأنهن شعرن بأنهن في عزلة ثقافية واجتماعية ويعتقدن أن المسلمين مضطهدون واجتذبتهن المثل الإسلامية العليا. وقال عزيز أحمد صاحب مقهى في برادفورد إن مسلمي بريطانيا يدركون مشكلة التشدد ويسعون جهدهم لمعالجتها. وأضاف عزيز «إننا نتحدث في المساجد: من هؤلاء الناس الذين يغسلون فعليا مخ هؤلاء الناس؟ قطعا المساجد ليست هي السبب». وإتهم كاميرون مؤخراً الجالية الإسلامية البريطانية بأنها «مقصرة» في عدم القدرة على منع أبنائها وبناتها من السفر إلى سوريا والعراق والالتحاق بالتنظيمات الجهادية المتطرفة. وفي هذا الإطار كتب شيموس ميلين في صحيفة «الغارديان» واصفا طبول العداء للإسلام في الغرب الذي صار يصم الآذان بشكل وضع المسلمين في حالة من الحصار. فكلما تزايدت صور المذابح التي يرتكبها الجهاديون من تنظيم الدولة على الانترنت وزاد تدفق الشبان المسلمين من أوروبا وأمريكا الشمالية للانضمام إليه زادت حالة العزلة والتهميش للمسلمين.

تنظيم الدولة في الإعلام البريطاني

يضم تنظيم الدولة بحسب مصادر شرطة العاصمة لندن أكثر من 800 مواطن بريطاني، إضافة إلى أكثر من 300 مواطن بريطاني قاتلوا في صفوف التنظيم ثم تركوه عائدين إلى بلادهم. وبفعل إرتفاع عدد البريطانيين الملتحقين بالتنظيم باتت أخبار تنظيم الدولة تتصدر عناوين نشرات الأخبار والصحف، في مؤشر واضح على أن القضية أصبحت تشغل أذهان البريطانيين. وتشير المعطيات أن إهتمام الإعلام البريطاني بتنظيم الدولة بدأ مع ظهور الشبان البريطانيين الثلاثة في تسجيل الفيديو المثير للجدل والذي دعوا فيه أصدقاءهم إلى الهجرة للدولة الإسلامية والقتال إلى جانبهم إضافة إلى المواطن البريطاني الذي أصبح معروفاً بلقب «الجهادي جون» أو «ذبّاح داعش»، محمد إموازي، والذي تنفق عليه بريطانيا شهريا 225 ألف دولار لحماية عائلته في لندن من أي خطر عليها بعد أن كشفوا عن هويته، أي 5000 إسترليني، تعادل 7500 دولار يوميا. من جهة أخرى، أظهر استطلاع للرأي في بريطانيا نهاية العام الماضي نتائج مرعبة وغير متوقعة تتعلق بتنظيم الدولة في العراق والشام، حيث تبين أن واحداً من بين كل سبعة بريطانيين من فئة الشباب البالغين يتعاطفون مع تنظيم الدولة، على الرغم من أن بريطانيا تشارك في التحالف الدولي الذي يستهدف التنظيم ويرمي إلى إنهاء سيطرته على مناطق واسعة في كل من العراق وسوريا. وتبين من الاستطلاع الذي نشرت نتائجه جريدة «تايمز» البريطانية أن تنظيم الدولة يحظى بتعاطف في أوساط الشباب البالغين ممن هم دون الـ35 عاماً، وسط ارتفاع في أعداد الساخطين على السياسة بشكل عام ممن ليس لديهم اهتمام بالشؤون السياسية في بريطانيا. وجاءت هذه النتائج في استطلاع شعبي يجري لأول مرة في بريطانيا، حيث أجابت عينة من 2000 شخص على أسئلة الاستطلاع، فيما كان الاستطلاع يطلب من كل شاب في الفئة العمرية المشار إليها (18 إلى 34) أن يصنف الدول والمنظمات الإرهابية بحسب الأسوأ والأكثر خطورة باعتقاده من واحد إلى عشرة، إضافة إلى بعض الأسئلة الأخرى التي تشير إلى حجم التعاطف والاستياء، لينتهي الاستطلاع إلى هذه النتائج التي تظهر إعجاب شريحة واسعة من الشباب البريطاني بتنظيم الدولة.

ريما شري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية