هل ستحقق الجزيرة قفزة جديدة في صراع «جيوسياسية الإعلام» أم ستعيش على إرث الماضي؟

حجم الخط
0

أقدمت المؤسسة الإعلامية «الجزيرة» هذه الأيام على تسريح 500 من العاملين فيها من شتى التخصصات. وهو ليس بالقرار الأول وقد لا يكون الأخير، الذي تقدم فيه على إجراء محزن مثل هذا، خاصة أن الرقم مرتفع للغاية. وعمليات التسريح المرتفعة مؤخرا قد تعكس اختيارات إعلامية لم تساير التطورات الجارية في مجال الإعلام، خاصة في ما يسمى «جيوسياسية الاعلام».
وتعتبر «الجزيرة» بشقيها التلفزيوني والرقمي من وسائل الإعلام التي تركت بصمات واضحة في تاريخ الإعلام. ودورها في تغيير الرأي العام العربي والتمهيد لثورات «الربيع العربي» يعتبر حاسما. وفي كتاب لنا باللغة الإسبانية حول «الربيع العربي» باسم «ثورة الكرامة: من اليأس الى النهضة» سنة 2012، خصصنا فصلا كاملا لدور الجزيرة في إنجازها قفزة نوعية في وعي الرأي العربي منذ ظهورها وحتى اندلاع الثورات. وكان دور الجزيرة رئيسيا أكثر بكثير من شبكات التواصل الاجتماعي مثل، الفيسبوك التي ستصبح ذات أهمية بعد عام 2011 وليس قبله، ذلك أن الخطاب الإعلامي، سواء في النشرات أو البرامج الحوارية مثل «الاتجاه المعاكس»، الذي ركز على أجندة مواضيع سياسية واجتماعية من عمق انشغالات الشعوب العربية مثل، الديمقراطية ومحاربة الفساد والمطالبة باحترام حقوق الإنسان، ساهم عبر أكثر من عقد في تراكم معرفي وحس نقدي ووعي متقد، قاد نحو التغيير وتبلور لاحقا في «الربيع العربي».
وعمليا، من الصعب العثور في تاريخ الإعلام في شتى تلاوينه على وسيلة إعلام لعبت، وفي وقت وجيز، دورا مشابها لـ»الجزيرة» وسط شعوب أكثر من نصفها يعاني من الأمية ويرزح تحت حكم الديكتاتوريات. وبعد هذا النجاح حاولت «الجزيرة» الانتقال إلى العالمية، لاسيما في ظل تحول الإعلام الى فضاء مهم في الصراع الجيوسياسي عالميا، واكتسابه لدى صناع القرار أهمية توازي قوة وأهمية قطاع التغذية والطاقة. وفضاء الإعلام مفتوح للمواجهة باستمرار في أيام السلم، ولاسيما إبان الأزمات. وجاء في هذا الصدد، إنشاء «الجزيرة» بالإنكليزية والجزيرة الأمريكية. وعمليا، تستمر الجزيرة القناة الأولى في العالم العربي، ولكن تأثيرها ينحسر تدريجيا، كما أن استراتيجيتها بالحضور في العالم الناطق بالإنكليزية حقق نجاحا، ولكنه ليس ذلك النجاح المرجو والمنتظر، وهو ما دفع بالإدارة الى إغلاق «الجزيرة» الأمريكية، والآن تعمل على تخفيض جديد يشمل مختلف الشعب، خاصة في قطر.
وتواجه «الجزيرة» تحديات، بعضها طبيعي ومنطقي ومرتبط بالصراع الجيوسياسي في الإعلام على المستوى العالمي، وأخرى تعود إلى ضعف الرؤية الاستراتيجية، أخذا بعين الاعتبار الأموال الكبيرة التي تضح في المشروع:
أولا، لم تأخذ الجزيرة بعين الاعتبار المنافسة مع قنوات عربية وأخرى غربية ناطقة باللغة العربية مثل «فرانس 24» التي استفادت كثيرا من غياب «الجزيرة المغرب العربي» وراهنت على منطقة يوجد فيها أكبر خزان للاستهلاك الإعلامي في العالم العربي في الوقت الراهن.
ثانيا، لم تنتبه «الجزيرة» لارتفاع الحس النقدي لدى المتلقي العربي، سواء مشاهد القناة أو قارئ النسخة الرقمية، وأن هذا المتلقي لم يعد مستهلكا عاديا، بل أصبح يحلل ويناقش، كما يقارن خطاب «الجزيرة» مع قنوات عربية ودولية أخرى. وارتباطا بهذه النقطة، يوجد غياب توازن في تغطية للنزاعات التي اندلعت بعد «الربيع العربي». ومن ضمن الأمثلة هناك ملفا سوريا واليمن، وإذا كان المنطق يتطلب الوقوف ضد نظام دمشق للجرائم التي ارتكبها في حق شعبه، لا يفهم المتتبع لماذا الانحياز التام في الحرب في اليمن. فدراسة عناوين النشرات والمقالات الرقمية حول حرب اليمن يطغى عليها تكرار عناوين من قبل «عشرات القتلى في صفوف الحوثيين» و»تراجع الحوثيين»، وبالتالي يعتقد المتلقي أن الحوثيين كان يجب أن يكونوا قد انقرضوا منذ فترة زمنية وفقدوا السيطرة على البلاد منذ بداية الحرب. ويزداد العجب أن برامج مثل «الاتجاه المعاكس» ذات جرأة وتوازن إعلامي في معالجة القضايا الشائكة مثل اليمن، بينما هذا التوازن يغيب في الخطاب الإعلامي للنشرات الإخبارية حول بعض القضايا والأحداث ومنها اليمن.
ثالثا، لم تنجح المؤسسة كثيرا في تطوير أجندة مواضيع تجمع بين الإقليمي عربيا والدولي، فهي تستمر حبيسة أجندة إعلامية قديمة وحبيسة أجندة وكالات الأنباء الدولية. وهذا يجعلها تفقد الكثير من المشاهدين وقراء الموقع الرقمي. ومن باب المقارنة ومن العالم العربي، توجد جرائد رقمية في العالم العربي مثل «هسبريس» في المغرب ذات الإمكانيات المحدودة جدا تتفوق في عدد القراء ثلاث مرات على موقع «الجزيرة» ذات الميزانية التي توازي ميزانية عدة دول أفريقية صغيرة. كما توجد تجارب إعلامية عربية لمجموعة من الإعلاميين موجهة للعالم العربي تحقق نصف أو ثلث قراء «الجزيرة» في الإنترنت وبإمكانيات بسيطة للغاية.
رابعا، تعتبر «الجزيرة» أول وسيلة إعلام عربية بلغت العالمية وحجزت لنفسها مقعدا بارزا في تاريخ الإعلام. ويقول مديرو «الجزيرة» ومنذ سنوات أنهم تحملوا مسؤولية إيصال الانشغالات والآراء العربية في القضايا المصيرية للمتلقي العالمي، وهو طموح نجحت فيه نسبيا. لكن لاحقا غاب عن «الجزيرة»، خاصة قسم التخطيط البعد الحقيقي للتطورات العالمية، وهذا يتجلى في الرهان على لغة واحدة فقط وهي الإنكليزية. ويحدث هذا في وقت يسير العالم نحو عالم متعدد الأقطاب ونحو تجمعات إقليمية قوية. ويستوجب هذا مخاطبة الرأي العام ليس فقط العالمي بالإنكليزية، بل بلغات إقليمية. وفي هذا الصدد، نتعجب من تأخر «الجزيرة» في إنشاء مواقع رقمية بلغات قوية مثل البرتغالية التي تخاطب دولة من حجم البرازيل، والإسبانية التي يتحدث بها أكثر من 400 مليار وأساسا في أمريكا اللاتينية والصينية. وتاريخيا، تعتبر «بي بي سي» رائدة في هذا المجال ليس فقط بإذاعاتها، بل بمواقعها الرقمية بعشرات اللغات، وهو ما تقلده الآن بنجاح مؤسسات إعلامية مثل «سبوتنيك» الروسية بـ31 لغة والألمانية DW بـ30 لغة. فهذه المؤسسات وعت أن الإنكليزية لا تكفي لمخاطبة العالم، وهذه نقطة تتطلب مقالا مفصلا.
في غضون ذلك، العالم يعيش صراعا على جميع المستويات، ومنه الصراع الإعلامي، فنحن أمام «جيوسياسية الإعلام»، حيث ترغب كل القوى غزو الرأي العام العالمي والدولي والإقليمي. وعليه، هل ستحقق «الجزيرة» قفزة نوعية في ظل الصراع الجيوسياسي الإعلامي الحالي كما حققتها في العقد الماضي أم ستعيش على إرث الماضي؟

٭ كاتب مغربي

د. حسين مجدوبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية