هل ستظهر كرامات مانويل ماكرون في المغرب؟

لم يشككوا حتى الآن في فرنسيته، ولم يقولوا بعد أن أصوله عربية أو إسلامية مثلما فعلوا في السابق مع باراك اوباما ووليام شكسبير. لم يفعلوها بعد، ولكن من يدري؟ فلربما تطور اعجابهم وانبهارهم بالشاب الذي خطف انظار اوروبا وأنقذها من السقوط ثانية في براثن الفاشية.
ألم تهلل وتطبل وسائل إعلامهم لانتصار «المصرفي الشاب» على «المشعوذة الشريرة»؟ ألم يخرقوا كل الأعراف والتقاليد ويسارعوا لتهنئة الفائز من قبل أن تظهر النتائج الرسمية والنهائية للانتخابات؟ ثم ألم يبحثوا بكل السبل والوسائل عن طرق قصيرة توصلهم لأقرب المقربين منه وسعوا لتسقط اخباره ومواقفه وقراءة أفكاره؟ ألم يستنفروا سفاراتهم حتى تتجند بالكامل وترفع لهم بالتفصيل تقارير وشروحات عن أدق تفاصيل حياته؟ فرضا أن كل ذلك كان مفهوما ومعقولا وحتى عاديا وطبيعيا، فهل من العادي والطبيعي أن يتنافس القادة المغاربيون على الطيران إلى باريس للقاء مانويل ماكرون في قصر الايليزيه؟ أو على فرش السجاد الأحمر امامه واستقباله في بلدانهم في اولى جولاته الخارجية؟
كيف وصل بهم الحال إلى الحد الذي صوروا فيه مثل تلك المقابلات على انها مسألة حياة أو موت، وانها مصيرية لهم ولشعوبهم؟ وما الذي جعلهم يندفعون نحو ذلك التسابق والتلاحق المحموم على عاصمة الأنوار، وجعل جاذبية باريس واغرائها عنوانا اخر للازمة المستمرة بين قطبي المغرب الكبير، أي المغرب والجزائر؟ هل للرجل كرامات ومعجزات خفية لا يعلمها إلا الله والراسخون في السياسة ستظهر عما قريب فقط في ذلك الركن من العالم؟
إن قلتم إنهم يفعلون ذلك حتى ينالوا دعم فرنسا لهذا الطرف أو ذاك، فاقرؤوا جيدا ما صرح به الرئيس الجديد قبيل انتخابه لمجلة «جون افريك» من أنه يرفض التعليق «على طبيعة العلاقات بين المغرب والجزائر»، لأن الأمر «يتعلق ببلدين سياديين» على حد وصفه. وهو ما يعني انه لن يكون ساذجا أو غبيا حتى يغلب أي شيء على ما وصفها، في خطاب التنصيب «بالمصالح العليا لبلاده»، ولن يتورط بشكل واضح ومباشر، لا في الوقوف في صف الجزائر ضد المغرب ولا في صف المغرب ضد الجزائر. مخاتلة؟ نفاق؟ دبلوماسية؟ قولوا ما تشاؤون، ففرنسا ستظل فرنسا. صحيح أن رئيسها الشاب يقول إنه ليس يمينيا ولا يساريا ويرفع شعار التجديد، ولكن ما الذي يدعوه للتجديد في موقف باريس من المشكل المزمن الذي يعطل مسار البلدين، أي مشكل الصحراء. لم لا يحافظ على سياسة التأييد لفكرة الحكم الذاتي التي يطرحها المغرب؟ هل سيكسب شيئا حين يقلب الامور رأسا على عقب ويعلن مناصرته لفكرة استفتاء تقرير المصير التي تدعمها الجزائر؟ أليس الحفاظ على حالة اللاحرب واللاسلم بين القطبين المغاربيين مفيدا لباريس؟ صحيح أن الفرنسيين يملكون بعض مفاتيح الحل، ولكن من قال إن تسليم تلك المفاتيح سيعود عليهم بالنفع؟ أليس الافضل لهم أن تبقى مشكلة الصحراء عبئا ثقيلا وحاجزا أمام تطبيع العلاقات بين الجزائر والمغرب؟ ثم ألم تكن فرنسا هي واحدة من القوى الخارجية التي صنعت المشكل ووضعت تلك الحدود التي صارت حواجز يتقاتل ويتصارع عليها ابناء المغرب؟ كيف نرجو الشفاء على يدها إذا كانت هي أصل الداء؟ هل نتوقع منها أن تكون حريصة على حق الصحراويين في تقرير مصيرهم؟ أم ننتظر منها أن تكون داعمة ومتمسكة بقواعد القانون وحرمة التراب ووحدة الدول التي رسمت حدودها؟ وعلى افتراض أن يحصل لسبب من الأسباب، ويراجع ساكن الايليزيه بعض المواقف المعروفة، ألن يكون ذلك لصالح فرنسا قبل أي شيء اخر وضد من قد يتصور نفسه مستفيدا ورابحا من قرارها؟
إن تأملنا ما جرى قبل اكثر من خمسين عاما، أي حين تم الاعلان عن استقلال المغرب ثم الجزائر، فسندرك أن أول ما فعلته فرنسا حينما اعترفت باستقلال البلدين هو انها تركت على طريقهما اشواكا وألغاما وقنابل موقوتة، سرعان ما انفجرت بظهور أول النزاعات الحدودية بينهما مطلع الستينيات، لتتطور فيما بعد إلى نوع من الصراع المباشر وغير المباشر، بتأجج معضلة الصحراء. ومن الطبيعي الآن، وبعد كل تلك السنوات والعقود، أن تكون باريس هي الاكثر قربا واطلاعا على العقدة التي لاتزال تكبلهما، ولكن كل ما تفعله هو انها تستمر بارسال الاشارت المزدوجة للجانبين.
لاحظوا كيف تعمد ماكرون حين زار العاصمة الجزائرية في خضم حملته الانتخابية، على أن يؤكد على أن الجزائر شريك مهم لفرنسا، ليس في الماضي والحاضر فقط، بل في المستقبل. ثم يقول للجزائريين إن «الاستعمار جزء من التاريخ الفرنسي. إنه جريمة ضد الانسانية. إنه وحشية حقيقية، وهو جزء من هذا الماضي الذي يجب أن نواجهه بتقديم الاعتذار لمن ارتكبنا بحقهم هذه الممارسات». لقد كان يدرك جيدا وزن وقيمة تلك الكلمات ووقعها وأثرها في بلد المليون ونصف المليون شهيد. وكان يدرك أيضا أن هناك حساسية مفرطة للجانبين من أن اي تقارب لباريس، ولو كان رمزيا، مع احدهما سيكون بالضرورة على حساب الاخر. ولأجل ذلك ربما خفف بعض الشيء من قلق الرباط وغضبها وبادر في الايام التي سبقت جولة الاعادة في انتخابات الرئاسة، لان يطلق تصريحا ورديا يعد فيه بان يكون المغرب هو وجهته الخارجية الاولى بعد برلين، متى منحه الفرنسيون ثقتهم وفاز بالمنصب؟ لكن هل كان ذلك كافيا لامتصاص توجس المغاربة وتعديل ما بدا انحيازا للجزائر؟
ربما سيكون صعبا أن يطمئن احد إلى تعادل الكفة بالكامل، والسبب بالاساس هو أن هناك قدرا هائلا من الشكوك وغياب الثقة بين الجارتين. اما الإشكال الحقيقي فهو ألا احد منهما يفكر جديا في قطع الخطوة الاولى نحو الاخر، بقدر انشغاله بأمر واحد وهو حشد اكبر عدد من الحلفاء الاقليميين والدوليين لصفه، والاستمرار في معاركه الاعلامية والسياسية الطاحنة ضد الطرف المقابل. إلى متى سيستمر ذلك وكم وقتا سيدوم؟ وهل لابد بالنهاية أن يكون المشرط الذي يستأصل الورم الخبيث اجنبيا، والا فلن تنقشع السحب التي تلبد سماء البلدين أبدا، ولن يعود لها الصفاء؟ وهل أن اقصى ما يمكن فعله في تلك الحالة هو الجري وراء السراب وانتظار أن يكون مانويل ماكرون هو المنقذ والمخلص وصاحب المعجزات والكرامات التي ستنزل على المغاربيين بردا وسلاما؟
إن المهزلة الكبرى هي أن علاقات بلدين عربيين مهمين باتت مرتبطة إلى حد ما بأهواء شاب لم يبلغ الاربعين، وليست له أي خبرات أو تجارب أو اهداف عدا الحفاظ على مصالح الامبراطورية. يحصل ذلك فيما يظل السؤال حول ما اذا كان مانويل ماكرون رجل المغرب، أم رجل الجزائر في فرنسا؟ هو كل ما يشغل العاصمتين من دون أن تلتفتا قليلا للوراء وتأخذا العبرة من الكرامات التي جلبها قبل اعوام رجل اخر يدعى باراك اوباما ظنه الكثير من العرب المنقذ والمخلص.
كاتب وصحافي من تونس

هل ستظهر كرامات مانويل ماكرون في المغرب؟

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية