ماذا يحدث في الشرق الأوسط؟ لعل هذا التساؤل يعد من أهم التساؤلات التي يجب ان تطرح الآن وتبحث بعمق شديد حول تطورات النصف الثاني من العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، داخل ثنايا مراكز الدراسات الدولية وخزانات التفكير وتحليل الاستراتيجيات الكبرى.
بيد أننا بدايةً يجب أن نقر بنقطة مؤدها، ان الشرق الأوسط لطالما كان ولا يزال يغرق كبار الباحثين وعلماء الإستراتيجيات قبل المتخصصين الجدد في بحر تعقيداته العميـــقة، لشــدة وعورة أزماته وعمق مدلولاتها وترابطها بشكل مفرط، لا يمكن فصل ثنائياتها عن بعضها بعضا كثنائية (الدين والدولة- المذهب والعشيرة- السلطة وشرعيتها ومشروعيتها- التخلف والفقر وغيرها). هذه المنطقة التي تعد قلب العالم القديم والحديث لما تمثله من أهمية في مدركات القوى الكبرى ولربطها قارات العالم الثلاث وما تحويه من ثروات ومخزون اقتصادي يكاد يقدر بأنه لا محدود. التساؤلات الأقوى الآن: هل سيعاد تشغيل الجغرافية السياسية من جديد؟ وماذا ينتظرنا في الأعوام القادمة؟ والتساؤل خارج الصندوق الأهم: هل ستقلب المنطقة من جديد بعد انتهاء سايكس بيكو عام1917-2017؟
عندما كان العالم يشهد إرهاصات نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918، لم تلتفت الشعوب العربية الى حجم المخطط الكبير الذي يحاك ضدها، مترافقاً مع هيكلة اقتصاديات قوى كبرى واستحداث مقومات قوة جديدة، سواء للمنتصر القوي والمهيمن كلياً على الساحة العالمية، أو للضعيف الذي لم يلبث أن عاد من جديد للساحة العالمية كفاعل مؤثر بعد انتهاء الحرب، وفعلاً كانت فواتير هذه الحرب تقريباً جلها من نصيب شعوب الشرق الأوسط العربية تحديداً، التي تم تشويه جغرافيتها ومسخها بصورة صارخة بما يتفق مع مصالح القوى الكبرى وأهدافها في تلك المرحلة.
الشرق الأوسط المتداعي
يكاد لا يختلف اثنان على رؤية مؤداها تقول إن الشرق الأوسط يعيش الآن حالة مخاض عسير وتصدع كبير، تشير الى ان حركة الجغرافية السياسية قد بدأت تنبئ بوجود حالات متقدمة بعينها في دول محددة كـ(العراق وسوريا وليبيا واليمن) يصعب علاجها وإعادتها الى مساراتها القديمة، فقد صارت هذه الدول خارج حسابات معادلة التوازن الإقليمي العربي بصورة واضحة، والخروج هنا يعني عدم التأثير مع الاكتفاء بالتأثر فقط، أي وجود رد فعل فقط وفي أحيان أخرى يغيب هذا الرد أيضاً مع غياب التحركات الإقليمية المؤثرة.
يقول هيغل ومن بعده أيده كارل ماركس، ان التاريخ يعيد نفسه مرتين: المرة الأولى يكون في حالة تراجيديا عظيمة، نرى عبرها قباحة الواقع المزعج بصورة مؤلمة، والمرة الثانية يكون فيها التاريخ على شكل كوميديا مضحكة بنسخة جديدة بالسيناريوهات القديمة نفسها تقريباً.
شخصياً لست من دعاة قراءة التاريخ بطريقة إعادة النماذج القديمة حرفياً أو الهندسة العكسية التفكيكية البنائية لحيثياته، ومع انني لا أؤمن كثيراً بقضية إعادة التاريخ لنفسه، لكن أجدني مرغماً على مقاربات تاريخية سابقة تنطبق جلياً مع واقع حال اليوم لدول بعينها قائمة أو نصف قائمة الآن.
تشغيل الجغرافية الشرق أوسطية الساكنة
ان فهم الجغرافية السياسية الشرق أوسطية الآن وطبيعة حركتها ومساراتها تخبرنا تاريخياً بانه قبل مئة عام تم تقسيم المنطقة بصورة صارخة، قومياً ودينياً وطائفياً ومذهبياً، هذا التقسيم استطاع الصمود أو بالأحرى أريد له الصمود الى هذه المرحلة الحالية، مع ضرورة الإشارة الى ان هذا الصمود الجغرافي شارف على الانتهاء، بسبب أن مصالح القوى الكبرى في المنطقة يجب أن تخرج من تلك الجغرافية القديمة لتدخل في جغرافية أخرى جديدة أكثر قبحاً مما كانت عليه سابقاً، والمصالح الكبرى هنا هي للولايات المتحدة في جانب، والقوى الكبرى الأخرى في جانب آخر (وهذا الحديث يسري على اقل تقدير الى نهاية العقد الحالي من القرن الواحد والعشرين، لحين تكوين حالة جديدة من حالات التفاعل في النظام الدولي).
بعد مئة عام تقريباً من هذه الحالة المشوهة التي أدت الى تطهير اثني عرقي مذهبي ديني كبير، وبنظرة فاحصة سريعة على حالة الإقليم الآن، يمكن عبرها ان نسحب نماذج تاريخية قديمة يتم العمل بها حرفياً الآن، مؤدى هذه النماذج يتمحور حول تهجير قوميات وأديان ومذاهب وأعراق، وتطهير مناطق ومساحات من أماكن الى أخرى في العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا ومصر، وتهجير شعوب وإسقاط جنسيات وهويات وانتماءات ومزج ثقافات وإذابة قيم وولادة أخرى جديدة. هذا التشابه بين الأنموذجين (أنموذج 1917/2014) يجبرنا مرة أخرى على إجراء مقاصة تاريخية جديدة للمقاربة بين سايكس بيكو عام 1917 ووصولها الى مئة عام على التنفيذ عام 2017، وبين واقع حال الشرق الأوسط المتداعي الآن.
ان شعوب الشرق الأوسط عام 2015 لا تختلف كثيراً عن شعوب عام 1917، من حيث قدرة القوى الكبرى على تحريكها فيزيائياً في اتجاهات تخدم مصالحها وأهدافها، الفوارق بين المرحلتين بعد مئة عام هي ان الآليات السابقة كانت عبر احتلالات عسكرية مع انتشار فضفاض واسع لقوى الاستعمار الغربي هنا وهناك، بيد أننا نشهد اليوم موضوعة جديدة من موضوعات الاستعمار الفكري الذي حسر وحجم دور قوة الاستعمار العسكري للقوى الكبرى لصالح قوة جديد ناعمة وذكية في آن، فبالإمكان الآن تحريك الشعوب وتحديد مساراتها التي يجب ان تسير فيها بما يخدم مصالح القوى الكبرى، من دون الحاجة لاحتلالها بالأساس. فلم يعد بمقدورنا بعد الآن ان نتهم الحكام بالعمالة، بقدر ما أصبحت الشعوب العميلة أخطر من أي شيء آخر، والطامة الأعظم أن هذه الشعوب لا تعي نفسها بأنها عميلة لمصالح القوى الكبرى.
تصفير الشرق الأوسط من جديد
تكاد لا تغيب أبداً المخططات الإستراتيجية الرئيسة والإستراتيجية البديلة الثانية والثالثة، وإلى ما لا نهاية محدودة من المخططات المعدة تجاه المنطقة المحصورة جغرافياً من تركيا شمالاً إلى اليمن جنوباً، ومن ليبيا غرباً الى إيران شرقاً – فاغلب من يراقب هذا المكان يعي جيداً انه أصبح مكاناً مرعباً جداً بالنسبة للخبراء والمحللين والمتخصصين، وحتى صناع القرار لما فيه من تجليات وإرهاصات لقوى تتصارع على مساحة جغرافية صغيرة نسبياً بالنسبة للجغرافية العالمية، تكاد تتغير بالأيام والساعات القليلة، فحركة التغيير في هذه المنطقة لم تعد تسير ببطء شديد كما كانت عليه أثناء مرحلة بداية تكوين الأنظمة السياسية العربية الحديثة واستقلالها واستقرارها لسنوات طويلة جاثمة على صدور شعوبها، فبين ليلة وضحاها رأينا أنظمة تسقط بالكامل وأخرى يسقط نصفها (نصف العراق ونصف سوريا) وأنظمة ثالثة تقوم وحكومات تجلس على كراسي وأخرى تقال أو ينقلب ويثار عليها والجميع مصاب بدهشة كبيرة- الخالع والمخلوع على حد سواء- أصبح الجميع الآن يتساءل هل هذا فعلاً هو الشرق الأوسط الساكن سياسياً منذ أكثر من نصف قرن؟
ماذا يجري الآن في الشرق الأوسط؟ بكل بساطة ما يجري الآن هو عملية تصفير الشرق الأوسط وإعادته الى حالته الأولى قبل مئة عام سابقة، عبر استهداف وضرب وسحق وتفتيت الدولة ومؤسساتها والفرد وقيمه وثقافته ومعتقداته، عبر تفعيل أفكار الفيدراليات الطائفية الناعمة كحل لأزمات المنطقة المزمنة وكخطوة أولى تجاه الانفكاك والانفصال والاستقلال عن الدولة الأم. الفكرة الأساسية هي: تجزئة وضرب الدولة القومية العربية أو بقاياها المتماسكة نسبياً وسلبها ما تبقى من صلاحياتها الشكلية على شعبها ومؤسساتها وتعريتها بالكامل.
إن موجات العولمة الحالية أصبحت مرتفعة جدا تتجاوز قدسيات حدود الدولة العربية وسياداتها وثقافاتها وعاداتها وقيمها الفرعية، فلم يعد بالإمكان ان تحافظ الدولة العربية على وظائفها التقليدية العادية، السياسية والاقتصادية والأمنية، في ظل تطور كل شي من حولنا، أصبحنا الآن نتحدث عن خصخصة الحروب وبيع القطاع الأمني لشركات اقتصادية مرتبطة بتحالفات دولية، فلم تعد الدول الكبرى تعادي بعضها وتتحارب بصورة مباشرة، بقدر ما صارت هذه الدول تخلق فواعل تزرعها في خواصرنا الرخوة، لكي تنفس عن حجم زخمها على هذه الأراضي، فإدارة الاقتصاد الأمريكي، على سبيل المثال، وتفعيله يتطلب بيع أسلحة وتدوير الدولار والنفط.
ان جود دول متماسكة قوية بحدود منضبطة بثقافات متزنة متعايشة، رغم اختلافها وتنوعها يتعارض كلياً مع طموحات القوى الكبرى، ضرب هذه الدول ببعضها وتفتيتها وقصقصة حدودها ونثر قومياتها وثقافاتها هنا وهناك يجعل من اقتصاديات القوى الكبرى تنتعش بسبب ان الشعوب لن تتفكك بسهولة وبسلام ممتنع، فخلق الصراعات والفوضى والنعرات العنصرية القومية والدينية والمذهبية يعني الاقتتال، ومن ثم يعني العودة الى نقطة إنعاش اقتصاديات القوى الكبرى وبيع شركات السلاح لمنتجاتها لهذه الشعوب، مع اخذ ما لديها من موارد. وهذا يعني أيضاً وأخيراً إنهاء ما موجود الآن من جغرافية سياسية وتصفيرها من ثم إعادة بنائها وتشكيلها من جديد بما يتفق مع رغبات وطموحات وأهداف القوى الكبرى.
٭ كاتب عراقي
د. علي بشار بكر أغوان