الرباط ـ «القدس العربي»: اعتبر باحثون مغاربة أن «الأمازيغية» تعاني من تهميش متعمد في المغرب، سواء على المستوى الحزبي أو الحقوقي أو الإعلامي أو التعليمي، متساءلين عن سر التخوف منها. كما انتقدوا البطء في إخراج القانون التنظيمي لترسيم الأمازيغية التي نص عليها الدستور المغربي المُعدّل عام 2011.
جاء ذلك خلال ندوة نظمتها جمعية باحثات وباحثي «المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية» الاثنين الماضي، في المكتبة الوطنية للمملكة المغربية، وشارك فيها الباحثون والحقوقيون والناشطون السياسيون: نذير المومني ورشيد الحاحي وسعد الدين العثماني وجمال الدين الناجي.
تحدث رشيد الحاحي، مفتش تربوي وفاعل في المجتمع المدني، عن السياقات السياسية التي تحكم وجهة نظره، مبرزا في الآن ذاته أن ما تعرضت له الأمازيغية من تهميش مقصود طوال قرن من الزمن، يشكل هدرا كبيرا للإمكانيات البشرية والثقافية والتنموية للبلاد؛ داعيا إلى الابتعاد عن منطق المراوغة والتحريف الذي يطبع تعامل الفاعل السياسي الحزبي مع الأمازيغية، واعتبارها معطى لا يرقى لمستوى الانشغالات الرسمية ومجالات حضور الثقافة العالمية.
واستغرب الحاحي من طغيان هاجس الخوف من الأمازيغية، وعدم مسايرة الإشارات السياسية، مع التعاطي الواقعي الملموس لهذا الملف. واعتبر أن تعامل بعض المؤسسات الحزبية مع الأمازيغية لا يتعدى كونه انشغالا فرديا لبعض القياديين لا ترقى لمستوى المرحلة، ولا تساهم إلا في جعل الأمازيغية موضوعا لتصفية الحسابات بين المعارضة والحكومة. كما قام الحاحي بتشريح مختلف الإشكاليات المتعلقة بإدماج الأمازيغية بالنظام التعليمي الوطني، مبرزا مختلف الأسباب الكامنة وراء تعثر هذا المسار منذ بدايته إلى اليوم
جمال الدين الناجي، الأستاذ الجامعي والخبير في قضايا الإعلام، ناقش موضوع الأمازيغية من وجهة نظر حقوقية، معتبرا أن هذا الموضوع يندرج في إطار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، مناديا بجبر الضرر الذي لحقه ولحق شريحة مهمة من المواطنين جراء هذه الانتهاكات. كما أسهب الناجي في تفصيل علاقة الأقلية والأغلبية بالبلاد، انطلاقا من رصد الاختلالات السياسية والمؤسسية التي أدت إلى خلق هذه الثنائية غير المتكافئة، وأضرت بمستويات التعدد الوطنية خاصة الأمازيغية. ورأى المتدخل نفسه أن الدستور المغربي لـ2011 هو بمثابة عقد ازدياد رسمي للأمازيغية، رغم الحضور الدائم لهذا المكون في الفضاء العام، عبر مختلف أشكال التقويض والتبخيس، وجعله ديكورا للتزيين وفلكلورا وشكلا دونيا. هذا فضلا عن الخلل الموجود في منهجية التعامل مع موضوع الأمازيغية في مختلف وسائل الإعلام منذ البداية، كما كانت لحظة إدماجها في المنظومة التربوية مناسبة تاريخية لإعادة النظر في مقولات الإصلاح التقليدية والإشكاليات التي يعرفها مجال التربية والتكوين.
وبدوره، تحدث سعد الدين العثماني، الناشط السياسي ووزير الخارجية السابق، عن التأخير الحاصل في إخراج القانون التنظيمي لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية. واعتبر أن هذا الأمر هو نوع من التهميش القانوني للأمازيغية وأننا لم نبدأ بعد في تفعيل الدستور في هذا المجال. وأشار العثماني إلى بعض العناصر الإيجابية في السياق الراهن منها على وجه الخصوص التخلص من عنصر تملك الأمازيغية وجعلها اليوم شأنا لكل المغاربة. وذهب أيضا إلى أن هناك توجسا وتهيبا من الفاعل السياسي تجاه موضوع الأمازيغية يؤدي إلى التأجيل المستمر، وهذا سبب كل هذا التأخير، هذا فضلا عن تعدد المتدخلين في مختلف الملفات المطروحة وكثرتها واستعجاليتها التي تأتي على موضوع الأمازيغية. واقترح استحضار الفاعل السياسي في أنشطة المجتمع المدني الأمازيغي بغية تقريب وجهات النظر في هذا الموضوع. وأكد العثماني على الإمكانيات الكبيرة التي ستوفرها «الجهوية الموسعة» (التقسيم الإداري لأقاليم المغرب) لخدمة الأمازيغية على المستوى الجهوي في الإعلام والمدرسة وغيرها.
أما نذير المومني، الأستاذ الجامعي والخبير في القانون، فقد قدم وجهة نظر أكاديمية قانونية في موضوع تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية. وقال إن هناك معطى واقعيا سلبيا في الموضوع ذاته هو التأخر الكبير غير المبرر في إخراج هذه القوانين. كما سرد مجموعة من القوانين والعهود الدولية الملزمة على احترام التعدد في جميع أبعاده وتمظهراته، وتفرض على الدول الالتزام والتدقيق لاعتماد تدابير ملموسة مؤسسية لتطبيق هذه القوانين. كما أكد على الإشارات السلبية الواردة في التقارير الأممية بخصوص عدم التزام المغرب بإخراج هذه القوانين وتأخيرها وعرقلتها. وطرح المومني بعض الأسئلة الكبيرة من قبيل: بماذا يمكن تفسير تأخر صدور القوانين التنظيمية لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية؟ هل يتعلق الأمر بالتأخر أم بالتأخير والعرقلة والتأجيل المقصود؟ هل من الممكن تصور صدور قوانين كقانون الجهات والقانون الجنائي والقوانين الأخرى من دون تفعيل فعلي للطابع الرسمي للأمازيغية فيها؟ وما هي الإمكانيات المتاحة للتعامل مع تأخير صدور هذا القانون؟ هل كان الفصل الخامس من دستور 2011 نتيجة لتسوية سياسية فقط؟