هل فرنسا ضحية الإرهاب أم ضحية صناعته؟

حجم الخط
3

يعيش العالم اليوم تصاعدا كبيرا للعمليات الإرهابية وآخرها الهجمات الدامية التي حصدت أرواح عديد الأبرياء في باريس وضواحيها، ولم يكونوا من الفرنسيين فقط بل من جنسيات وأديان مختلفة.
ومن مفارقات التاريخ أن جل الباحثين والمؤرخين يؤكدون أن مصطلح الإرهاب يعود بالأساس إلى الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر.
وكان ذلك عندما أعلن روبسبير بداية عهد الإرهاب أو الرهبة في فرنسا بتاريخ 10مارس/آذار 1793.
فخلال الثورة الفرنسية مارس روبسبير ومن معه العنف السياسي ضد معارضيهم وقادوا حملة إعدامات، ثم كان هو نفسه ضحية المقصلة، ودفع ثمن مقولته أمام الجمعية التشريعية «إما أن نسحق الأعداء الداخليين والخارجيين للجمهورية وإما أن نهلك بهلاكها، ومن ثم أن يكون الشعار الأول لسياستكم هو : بالعقل تقاد الشعوب وبالإرهاب يقاد أعداء الشعوب».
فهل كانت فرنسا ضحية الإرهاب أم ضحية صناعة الإرهاب ؟ إن المتأمل في السياسة الفرنسية خاصة خلال العقود الأخيرة يلاحظ أن السياسة الداخلية للهجرة وإدماج الأجانب وخاصة المسلمين منهم قد شابها العديد من الخلل والإرباك،وكذلك السياسة الخارجية لفرنسا خاصة مع ما سمي بالربيع العربي كانت تتجه نحو إسقاط الأنظمة القائمة ودعم أو غض النظر عن الحركات الجهادية. وكان هذا الدور بارزا خاصة في ليبيا وسوريا.
وهذه السياسات هي المتسبب الرئيسي في تنامي المد الجهادي في فرنسا وفي حوض البحر الأبيض المتوسط وفي العالم بصفة عامة .
ففي خصوص السياسة الداخلية تعاملت السلطة السياسية الفرنسية بتساهل كبير وخاصة في فترة رئاسة ساركوزي مع قيام بعض الدول الخليجية بدعم الجماعات المتطرفة والدعاة المتشددين عن طريق المساجد والجمعيات الدعوية مقابل مشاريع استثمارية وصفقات أسلحة وغيرها من المنافع والمصالح وهو ما أنتج العديد من بؤر الفكر المتشدد تتحرك بكل سهولة داخل فرنسا والمنطقة الأوربية مستفيدة من القوانين التي تحمي الحريات العامة وسهولة التنقل داخل الفضاء الأوروبي فتكونت جماعات من الجهاديين التي تتبنى الفكر التكفيري خاصة في الأحياء الفقيرة التي تضم الجاليات العربية والأفريقية والتي تعاني بطبيعتها من التهميش وسوء الاندماج في المجتمع الفرنسي سواء لأسباب ذاتية تهم تلك الجاليات أو لضعف برامج الإدماج التي تمولها وتخطط لها الدولة الفرنسية.
إن شباب الأحياء الفقيرة والمهمشة ونظرا للظروف التي يعيشونها وانسداد الأفق وقلة التأطير سرعان ما يكونون فريسة سهلة لخطاب الدعاة الذين يفتحون لهم أفقا جديدا مبنيا في أكثره على تفسير متشدد للدين.
كل هذا الغسيل للأدمغة لا يخفى عن السلطات الفرنسية وقد وقع التنبيه إليه من قبل العديد من النخب السياسية والفكرية في فرنسا لكن صوت الصفقات والمصالح مع بعض الدول الخليجية كان دائما أعلى من كل صوت معارض لهذه السياسة.
وقد أعادت الهجمات الأخيرة في فرنسا الجدل حول هذه السياسة وعلاقة الدولة الفرنسية مع عديد الدول والجهات التي تمول الجمعيات والدعاة التي تنشر فكرا لا يساعد على التعايش السلمي ويسيء حتى لصورة الإسلام كدين معتدل ويدعو إلى التسامح .
أما السياسة الخارجية لفرنسا وخاصة مع تصاعد موجة الانتفاضات العربية أو ما سمي بالربيع العربي فكانت قائمة على الدعم والمشاركة في إسقاط أنظمة علمانية مثل النظام الليبي رغم العلاقات والشبهات التي مازالت تحوم حول علاقة الرئيس السابق ساركوزي بنظام القذافي وقضية الأموال التي أخذها الرئيس السابق لتمويل حملته الانتخابية مقابل غض النظر عن الجماعات المتشددة التي استولت على الأسلحة وساهمت في تفكيك الدولة الليبية وحولتها إلى افغانستان جديدة وقاعدة للجهاديين على الضفة الجنوبية للمتوسط وعلى مرمى حجر من أوروبا .
ومع مجيء الرئيس الاشتراكي فرنسوا أولاند واصل السياسة الخارجية نفسها وعقد حلفا استراتيجيا مع عدد من الدول، وكان ولا يزال من أكثر دعاة إسقاط النظام السوري الذي يحارب «تنظيم الدولة» وجبهة النصرة وجيش الإسلام المدعومين من دول الخليج وأمريكا وتركيا.
بل أن المعلومات تقول إن المتهم الرئيسي في عملية باريس الأخيرة كانت في سوريا والسلطات الفرنسية كانت تملك معلومات على تشدده وإمكانية تنفيذه لعمليات داخل التراب الفرنسي لكنها لم تراقبه بالشكل الكافي.
ويدور جدل كبير على الساحة السياسية في فرنسا حول هذا الخلل الأمني في مراقبة مثل هؤلاء الأشخاص المعروفين لدى الأجهزة الأمنية بخطورتهم .
يمكن القول إن السياسات الخاطئة للدولة الفرنسية داخليا وخارجيا هي سبب من الأسباب المباشرة لتغلغل الظاهرة الإرهابية في فرنسا.
وفي المنطقة ولا يمكن معالجة ظاهرة الإرهاب مع مواصلة هذه السياسات التي ستدخل المنطقة في حرب دينية في ظل تصاعد المد اليميني في أوروبا وانقضاضه على الفرصة التي وفرها الإرهابيون لنشر التعصب والكراهية ضد المسلمين والأجانب بصفة عامة.
والحال أن المسلمين هم أول من أكتوى ولا يزال بنار الإرهاب ولا يمكن بأي حال من الأحوال الخلط بين الإسلام وبعض المتشددين الذين يتبنون فكرا منحرفا لا يمثل الغالبية الساحقة من المسلمين.

رضاء الزايدي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية