قد يعتبر مجنوناً أو غير عاقل من لا يرى أن النجم الارجنتيني ليونيل ميسي لاعب كرة قدم خارق، بل هو أسطورة حية ما زال يزاول مهنته أمامنا ونرى ماذا بامكانه ان يفعل، على عكس أساطير سمعنا عنها ولم نعايشها او حتى نرها داخل المستطيل الأخضر، مثل بيليه ويوهان كرويف وحتى دييغو مارادونا.
هذا الأخير، الذي يتزاحم مع البرازيلي بيليه على اللاعب الأفضل في تاريخ اللعبة، يدرك ان احراز لقب مع منتخب بلادك سينقلك مباشرة من مرتبة النجومية الى قائمة الأساطير الضيقة، وهو فعل ذلك مع منتخب الارجنتين في 1986، بجهود شبه فردية، بفضل موهبته الخارقة، وهو نفسه ما يطالب به مواطنه ميسي، بل ذهب الى أبعد من ذلك واعتبر ان نجم برشلونة الاول يلقى من الاشادات والتدليل ما لا يستحقه، وطالب الجميع بالكف عن هذه المهاترات. هذا كلام قوي من رجل جريء، واعتقد انه لو جاء من رجل آخر للاقى سيلاً من النقد ولأتهم بالغيرة والحسد من موهبة ميسي، لكن كونها جاءت من نجم سابق غيور على منتخب بلاده فان كثيرين بات عليهم ان ينصتوا بتمعن واهتمام.
الغريب ان كثيرين يشعرون بهذا الامر، لكن قلة، أو حتى لا أحد، جاهر بهذه الحقيقة، لكن لغرابة الأمر فان أكثر شخص أشار بوضوح الى رفضه هذا التدليل كان… ميسي نفسه.
فهو رفض في أكثر من مناسبة ان يتسلم جائزة أفضل لاعب في مباراة أو بطولة، كونه يدرك انه لم يكن في مستواه المعهود او انه لم يحقق شيئاً يقوده الى الفوز بأي جائزة، وفعلاً هذا كان أمراً محرجاً، ليس له، لانه هو نجم لا يلاحق الألقاب الشخصية، وهذا ليس اطراء بل حقيقة، فعندما يختاره المنظمون أفضل لاعب في المباراة النهائية لكوبا أميريكا، أو أفضل لاعب في مونديال 2014 في البرازيل، فانه يدرك انه لم يكن يستحق الجائزة، وبالتالي كان يرفض تسلمها، وكأنه يرفض التدليل والاطراءات المبالغ بها من الانصار والمنظمين.
في الواقع كثيراً ما أتساءل لماذا ميسي هو أفضل لاعب في العالم؟ ماذا يجعله الافضل؟ ماذا يفعل في الملعب كي نطلق عليه لقب «الاسطورة» و»الساحر»؟
في الواقع، الأرقام المخيفة التي حققها، ان كانت تخص الالقاب او تسجيل الاهداف تتحدث عن نفسها، لكن سأكون أكثر دقة في تفسير موهبة هذا النجم مثلما لم نقرأها من قبل:
تخيل انك لم تسمع أبداً بليونيل ميسي، وذهبت الى الملعب لتشاهد برشلونة او منتخب الارجنتين يخوض مباراة. وانت على المدرجات ستشاهد لاعباً ضئيل الحجم، ربما يبدو كسولاً وغير عابث بمجريات الأحداث، ولا يساهم في الشق الدفاعي ولا يركض مثل زملائه لكسر هجمات الخصوم، وقد يطول هذا الأمر دقائق طويلة، وربما يستمر حتى الشوط الثاني، حينها ستقف وتصرخ وتستغرب لماذا المدرب لا يغير هذا اللاعب الكسول؟
هنا نصل الى لحظة الحقيقة، وان سبب وجود ميسي في أرض الملعب ليس للدفاع ولا لمساندة زملائه، بل لتحين لحظة سحرية لا يقوم بها سواه، وهي ان تأتيه الكرة ويفتح الثغرات في دفاع الخصوم بلمسة او لمستين وبحركات زئبقية سريعة، تقود كرته الى هدف، اما ان يسجل بنفسه مثلما فعل مئات المرات، او يصنع فرصا مباشرة للتسجيل، او تقود كرته في النهاية الى ارباك الخصوم، وهذا بالضبط هو ما يبرع به ولا يضاهيه أحد في ما يفعله، وحين ترى هذا الامر تدرك لماذا يسمى «الساحر»، بل تطالب بلحظتها ان يتم اختياره أفضل لاعب في المباراة، علماً أن هذه اللحظات تحدث مرات قليلة خلال المباراة، قد لا تتعدى خمس او ست مرات، وحتى مدافعو الفريق الخصم يدركون هذا الامر ويعلمون ما بامكان ميسي فعله لكن لا يستطيعون فعل أي شيء لايقافه.
وطبعاً هذه المهارات الخارقة، قد لا تحدث طيلة مباراة كاملة، وقد يبدو ميسي هادئاً خلالها، وهنا يتم انتقاد من يختاره أفضل لاعب في المباراة بسبب اسمه وسمعته، وهذا بالضبط الذي ينتقده مارادونا، وهو ما يسمي التدليل المبالغ به، ولهذا يدرك ميسي نفسه انه كلما ارتدى فانلة المنتخب الارجنتيني فانه كي يقبل بجائزة اختياره أفضل لاعب في المباراة أو في البطولة، فانه يتعين عليه ان يكون رفع كأس البطولة أيضاً بقيادته الارجنتين الى اللقب.
خلدون الشيخ