أبدى الرئيس عبد الفتاح السيسي رأيه في حالة الدولة المصرية من خمسين عاما مضت، وربطها بنكسة 1967.. وقال لم يبق منها غير بقايا دولة.
وهنا نختلف مع رأي الرئيس؛ خاصة ونحن نشعر بتوجهه المخالف لمنطلقات وروح الجمهورية الأولى، أما موقفه من الدولة الراهنة فهو أقرب إلى التجريب (البراغماتي)، المتغير، ومن المفترض فيه الانضباط والسياق المنطقي.. وأن تكون السياسة الراهنة محكومة ببوصلة ثورتي يناير ويونيو وأهدافهما وهو الشيء غير القائم حتى الآن.
في يناير رفع الثوار أربعة أهداف هي: 1) العيش، 2) الحرية، 3) العدالة الاجتماعية، 4) الكرامة الإنسانية. وأضافت ثورة يونيو هدفين آخرين؛ هما الاستقلال الوطني وإحياء الدور العربي والإقليمي.. والبوصلة لدى الجندي ومع البحار وفي حوزة الطيار تحدد الاتجاه وتضبط المسار.. وهي نفس وظيفتها في السياسة وإدارة الدولة؛ تضبط مشروعات وخطط وتصريحات وتصرفات المسؤولين، ولا تكون غامضة أو مرسلة، ولا عامة، أو على طريقة الكلمات المتقاطعة، ولا تُبنى للمجهول ولا برد الفعل.
وهناك من لا يحرص على وجود مثل هذه البوصلة، ويستغني عنها؛ اعتمادا على ما تقدمه مراكز اتخاذ القرار في عواصم الغرب الكبرى.. وينحصر جهده هو تقديم «أوراق اعتماد» دورية تثبت الولاء والالتزام بما تقرره هذه العواصم، وهي ذات موقف شبه ثابت من مصر والمنطقة العربية؛ منذ إعلان الرئيس الأمريكي الراحل ريتشارد نيكسون في 1974 بأن واشنطن «لن تسمح بظهور ناصر جديد»!!.. ولم يكن القصد شخص عبد الناصر، بل كان القصد هو النهج والتوجه والطريق الذي سلكته مصر والمنطقة العربية في خمسينات وستينات القرن الماضي.. وما زال البعض يقدم هذه الأوراق.
ومن أبرز مقدميها يأتي محمد البرادعي؛ الرافض للثورات التحررية والاجتماعية، والمنحاز لـ»الفوضى الخلاقة»؛ منذ انضمامه لـ»مجموعة الأزمات الدولية» فيما قبل ثورة يناير 2011، وهي مجموعة ملتزمة بخط المحافظين الجدد، ومؤيدة للمسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة، ومناصرة لسياسة «العمال الجدد» في بريطانيا في عهد رئيس وزرائها الأسبق توني بلير.
وبالنسبة لرأي الرئيس السيسي فليس هناك من ينكر الثمن الفادح الذي تم دفعه ثمنا للهزيمة العسكرية في سنة 1967، وكانت نكسة كبرى بكل معنى الكلمة، وحدوث نكسة بهذا الحجم كشفت طبائع الدول ومعادن الرجال، وتم التعامل معها ومواجهتها بإرادة قوية، ووحدة وطنية صلبة، وتماسك شعبي متين، وكلها معطيات عززت عوامل رفض الهزيمة، وعدم الاستسلام لها، والإصرار على المقاومة المسلحة. وذلك خيب ظن غولدا مائير رئيسة وزراء الدولة الصهيونية وقتها ووزير الحرب لديها موشيه ديان، وقد انتظرا بجوار الهاتف طويلا لصوت قادم من القاهرة معلنا الاستسلام والقبول بالشروط المعدة لإنهاء حالة الحرب.. وطال الانتظار حتى وضعت حرب 1973 أوزارها، وقبل السادات بالشروط التي رفضها عبد الناصر بعد الهزيمة، وأجهض بذلك الانتصار العسكري في 1973!!.
ولم يكن ممكنا لذلك المجهود السياسي والاقتصادي والعسكري والتعبوي أن يتحقق ببقايا وأشلاء دولة؛ على حد وصف الرئيس السيسي للحالة من 50 عاما. والدولة القادرة هي التي نجحت في إعادة بناء وتنظيم القوات المسلحة، وأهلتها للقيام بمسؤوليتها في تحرير الأرض وإزالة آثار العدوان؛ وبها صمد الشعب، ووجد أشقاء يشدون من أزره، ويسارعون بتقديم كل ما يمكنهم من دعم سياسي واقتصادي وعسكري وبشري ومعنوي، وانعكس ذلك على الموقف التاريخي لمؤتمر القمة العربي بالخرطوم (آب/أغسطس 1967) والقرارات التي صدرت عنه، ولاءاته الشهيرة؛ لا تفاوض.. ولا اعتراف.. ولا صلح.. ولا تفريط في القضية الفلسطينية.. وقرار تعويض الدول المتضررة من العدوان.. «مصر وسوريا والأردن وفلسطين».
وتحملت دولة ذلك الزمان أعباء وتكاليف تلك المرحلة الصعبة، واعتمدت على «اقتصاد الحرب»، وخصصت أكثر من 40٪ من ميزانيتها للمجهود الحربي؛ في نفس الوقت لم تتخل عن استمرار التنمية الشاملة، وكيفتها مع مقتضيات المقاومة والاستعداد للحرب في أي لحظة. وزادت من استثمار الموارد البشرية وتعبئة الطاقات الوطنية والمحلية بكفاءة، وعوضت العجز الذي سببته النكسة. وتمكنت حتى أيلول/سبتمبر 1970 من وضع خطة كاملة لتحرير الأرض على مراحل؛ تنتهي بالمعركة الفاصلة والنصر.
كانت المرحلة الأولى هي »الصمود»، وبدأت من حزيران/يونيو 1967 إلى آب/أغسطس 1968، والثانية »الردع» من أيلول/سبتمبر 1968 حتى شباط/فبراير 1969، والثالثة »الاستنزاف»، وكانت أخطر وأهم الحروب في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، وأكد الخبراء الاستراتيجيون في مصر وخارجها على أن حرب الاستنزاف كانت علامة فارقة في تاريخ العسكرية العربية؛ وبدأت من آذار/مارس 1969 واستمرت إلى تموز/يوليو 1970 مع قبول »مبادرة روجرز» لوقف إطلاق النار.. وحققت هذه الخطة أهدافها بنجاح كبير.. ولم يتبق منها إلا المرحلة الأخيرة لتحرير الأرض وإزالة آثار العدوان، وقبل أن تبدأ رحل جمال عبد الناصر في ظروف ما زالت تثير الجدل!!
ومع كثافة الضغوط السياسية والاقتصادية والنفسية خرجت مظاهرات الطلاب والشباب احتجاجا على الأحكام التي صدرت ضد المتسببين في الهزيمة، وقدر رئيس الدولة الظروف النفسية التي يمر بها الشباب.. فالتقى برؤساء اتحادات الطلاب، ودعا إلى عقد دورة خاصة للمؤتمر القومي للاتحاد الاشتراكي العربي؛ بحثت مطالب الشباب والطلاب.
وصاغ من شعاراتهم وهتافاتهم بيان 30 آذار/مارس، وأقر ذلك البيان رؤية حاكمة للمراجعة والمحاسبة والتصحيح، وكان أساسا لإعادة ترتيب البيت الداخلي.. ويشير المؤرخ وأستاذ التاريخ المعاصر بجامعة حلوان عاصم الدسوقي، حسب ما نشرت صحيفة «المصري اليوم» في ذكرى 30 آذار/مارس 2015 أن ذلك البيان كان «أحد ثمار استيعاب الرئيس عبد الناصر لغضب الطلاب احتجاجا على الأحكام التي صدرت بحق كوادر سلاح الطيران بسبب ضرب (إسرائيل) المطارات المصرية فلما كانت غضبة الطلاب أعلن عبد الناصر تأييده لغضبهم وأعلن إعادة المحاكمة، وأصدر أوامره لشعراوي جمعة (وزير الداخلية) بعدم المساس بالطلبة أو إطلاق الرصاص، وقال جملته الشهيرة الشعب يريد وأنا معه»
أكد البيان على أهمية قيام دولة عصرية تقوم على العلم والتكنولوجيا، ونص على كفالة الحريات، بجانب تنظيم وحشد كل القوى الشعبية، وبوسيلة الديمقراطية وعلى أساسها؛ وراء أهداف النضال القريبة والبعيدة، ووراء واجب المعركة، واستكمال بناء المجتمع الاشتراكى الذى تحقق منه الكثير وقتها.
هذا بالإضاف إلى أن الدولة تمكنت من رعاية وتهجير سكان مدن القناة إلى داخل الوادي والدلتا، ومعهم عدد من مواطني سيناء تأميناً لهم من القصف العشوائي، الذي كانت تقوم به الدولة الصهيونية، ووصل عدد المهجرين إلى أكثر من 700 ألف مواطن، بجانب أحد عشر ألف مواطن من سيناء. وأعادت دولة ذلك الزمان بناء مؤسساتها ومنظماتها وهيئاتها ومصالحها على أسس جديدة تلافت بها ترهلا أصاب بعض قطاعاتها، وهي التي اعتمدت على خريجي الجامعات والمعاهد العليا في بناء القوات المسلحة الجديدة.
وتمكنت بذلك من التعامل مع فنون وتقانة الحرب الحديثة.. وبهذا التحول وكفاءة التدريب وسرعة الاستيعاب تهيأت البلاد لنصر عسكري محقق في تشرين الأول/اكتوبر 1973، لكن للأسف أضاعته السياسة وتخاذل رئيس الدولة وتسليمه بشروط واشنطن وتل أبيب!!.
واستطاعت مصر بذلك الدور البارز لدولة قادرة أن تطبق مبدأ «يد تبني.. ويد تحمل السلاح»؛ أقامت العديد من المشـروعات الكبرى، واستكملت بناء السد العالي، وأنشأت أكبر مصانع الألومنيوم في مدينة نجع حمادي في محافظة قنا جنوب الصعيد، وطورت من المصانع القائمة لتنتج العديد من احتياجات القوات المسلحة ومتطلباتها.. وهذا قليل من كثير تضيق به هذه المساحة.. والسؤال موجه للرئيس السيسي.. هل كان في مقدور »بقايا دولة» أن تنجز هذا وتتحمل أعباء مرحلة من أصعب المراحل في التاريخ العربي المعاصر؟!
٭ كاتب من مصر يقيم في لندن
محمد عبد الحكم دياب