هل كشف هجوم إسطنبول الضعف الذي أحدثته حملة التطهير ضد أتباع «غولن» في الأمن والاستخبارات؟

حجم الخط
1

إسطنبول ـ «القدس العربي»: منذ محاولة الانقلاب الفاشل التي ضربت تركيا في الخامس عشر من تموز/ يوليو الماضي سعى كبار المسؤولين الأتراك إلى التأكيد على أن حملة التطهير المتواصلة حتى اليوم ضد أتباع فتح الله غولن في أجهزة الدولية التركية ستؤدي إلى رفع كفاءة عمل أجهزة الدولة لا سيما الأمن والاستخبارات والجيش والقضاء.
لكن ومنذ ذلك الحين تلقت البلاد سلسلة من الضربات والهجمات الإرهابية غير المسبوقة الأمر الذي دفع العديد من المراقبين إلى التأكيد على أن حملة التطهير التي طالت عشرات الآلاف من المتهمين بالولاء لـ«غولن» لا سيما في أجهزة الشرطة والاستخبارات والقضاء أدت إلى إحداث فجوة في أداء أجهزة الدولة وضعف في التواصل فيما بينها ونقص كبير في الكفاءات والمتخصصين.
فالهجوم الأخير الذي استهدف ملهى «رينا» وأوقع 39 قتيلاً وعشرات الجرحى، ووقع في قلب المدينة السياحية وفي أبرز مناطقها الحيوية وعلى بعد مئات الأمتار من تفجير بيشيكتاش الذي لم يمر عليه أكثر من ثلاثة أسابيع ومكتب رئاسة الوزراء الواقع بجانب قصر «دولما يهتشي» التاريخي هناك. وفي اعتبارات الزمان، وقع الهجوم ليلة رأس السنة وفي ظل تهديدات إرهابية من الدرجة الأولى رفعت على أثرها جميع أجهزة الأمن التركي جاهزيتها ونشرت 17 ألف رجل أمن، وقالت وسائل إعلام تركية إن الأمن تلقى تحذيرات محددة من قبل الاستخبارات الأمريكية بإمكانية وقوع هجوم ليلة رأس السنة.
وعلى الرغم من جميع هذه الاعتبارات المتعلقة بالزمان والمكان والظروف لم تتمكن أجهزة الأمن التركية من إفشال الهجوم أو الحد من نتائجه الدموية، لكن ما بات يطلق عليه «الضعف الأمني» أو «الفشل الأمني» لم يتوقف عند هذا الحد، بل أضيف إليه فشل جميع دوائر الدولة في التعرف على هوية القاتل إلا بعد قرابة 100 ساعة على وقوع الهجوم.
حيث أكد، أمس الأربعاء، وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أنه تم تحديد هوية منفذ الهجوم على النادي الليلي في إسطنبول ليلة رأس السنة، دون الإعلان عن أي تفاصيل تتعلق بجنسية أو اسم المُنفذ الذي ما زال لليوم الخامس على التوالي طليقاً وسط خشية كبيرة من تنفيذه هجوماً آخراً أو محاولة الفرار إلى سوريا.
وعقب محاولة الانقلاب نفذ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حملة تطهير واسعة ضد كل المشتبه بمشاركتهم في محاولة الانقلاب أو الولاء لفتح الله غولن، وتركزت هذه الحملة التي شملت فصل أو اعتقال أكثر من 120 ألف موظف في أجهزة الشرطة والأمن العام والجيش والاستخبارات بالإضافة إلى سلك القضاء والمدعين العامين.
وبغض النظر عن ولاءاتهم أو التهم الموجهة إليهم، يؤكد مراقبون أن الأشخاص الذين طالتهم حملة التطهير من أبرز الكفاءات والمختصين في مجال عملهم والقيام باعتقالهم أو فصلهم بشكل مفاجئ ودون إحلال كفاءات بديلة في مواقعهم أحدث صدمة كبيرة في عمل أجهزتهم وأدى إلى ضعف كبير في أدائها وكفاءة عملها، بالإضافة إلى الضعف الكبير الذي طال دوائر التواصل بين هذه الأجهزة فيما بينها لا سيما أجهزة الأمن والقضاء.
ويصف كُتاب أتراك منتسبي «جماعة فتح الله غولن» في الدولة التركية أنهم كانوا بمثابة منظومة كاملة ويشكلون دولة متكاملة داخل الدولة وهذه المنظومة هي من كانت تتحكم في زمام الأمور، وبناءاً على ذلك أدى تدمير هذه المنظومة إلى إحداث هزة كبيرة جداً في عمل دوائر الدولة الأمنية والتقنية والقضائية، تحتاج إلى ترتيبات كبيرة ووقف طويل من أجل التعافي من آثارها.
أكبر الاتهامات بالضعف طالت جهاز الاستخبارات العامة الذي يقوده «هاكان فيدان» الرجل القوي المقرب من الرئيس أردوغان والذي بقي في منصبه على الرغم من فشل الجهاز في الكشف المبكر عن محاولة الانقلاب، حيث يتم العمل حالياً على إحداث تغييرات جوهرية هيكلية في تركيبة وطبيعة عمل الجهاز وتحويله إلى وكالتين للاستخبارات الداخلية والخارجية.
كما تم إجراء مئات التنقلات والإقالات لكبار مدراء الأمن في معظم المحافظات التركية إلى جانب تغيير وزير الداخلية وتعيين سليمان صويلو الذي حاول، الثلاثاء، التقليل من الاتهامات بالتقصير لوزارته عبر تقديمه إحصاءات عن إحباط عشرات الهجمات الإرهابية خلال الفترة الماضية.
وقال صويلو في إفادته أمام البرلمان إن بلاده أحبطت 339 هجوما للتنظيمات الإرهابية في تركيا، خلال عام 2016، موضحاً أن «من بينها 313 عملية لـ بي كا كا و22 لـ داعش، و4 لمنظمات يسارية متطرفة، وتم ضبط 247 قنبلة، و61 سيارة مفخخة، و23 انتحاريا مشتبها بهم، كما تم القبض على 42 عنصرا إرهابيا». ولفت إلى أنه «تم إحباط 80 عملية كبيرة خلال الأشهر الثلاثة الماضية»، بالإضافة إلى «حظر دخول 52 ألف و72 شخصا ينحدرون من 145 دولة إلى تركيا، للاشتباه بصلتهم بالمنظمات الإرهابية».
وفي ساعة متأخرة من مساء الثلاثاء وافق البرلمان التركي على طلب الحكومة تمديد حالة الطوارئ لثلاثة أشهر جديدة في البلاد وأكد نائب رئيس الوزراء التركي نعمان قورتولموش أن الحكومة ما زال أمامها الكثير من العمل من أجل إتمام تطهير أجهزة الدولة من أتباع غولن.
وبينما تتركز الاتهامات الموجهة لجهاز الاستخبارات على الفشل في الحصول على معلومات عن الهجمات قبيل تنفيذها، تتهم أجهزة الأمن بعدم القدرة على منع الهجوم من خلال الإجراءات الأمنية المطبقة على الأرض، في حين يُتهم القضاء والمدعين العامين بالضعف في إجراء التحقيقات والتأخر في التوصل إلى هوية منفذ الهجوم.
ويعتبر القضاء أكثر الأجهزة التي طالتها حملة التطهير بعد أجهزة الأمن، حيث تم اعتقال وفصل آلاف المدعين والمدعين العامين والقضاة وعينت الحكومة مقربين منها في مواقعهم، وعلى غرار الدوائر الأخرى في الدولة، تجري عمليات توظيف لخريجين جدد لسد الفراغ الذي أحدثته عمليات التطهير.
وعلى صعيد التحقيقات المتواصلة حول الهجوم الأخير، اعتقلت السلطات التركية 20 مشتبهاً جديداً في ولاية إزمير غرب البلاد، وأوضحت مديرية أمن قونيا وسط البلاد أن «الذين ألقي القبض عليهم في إزمير يشكلون 3 عائلات فرت من قونيا بعد الهجوم»، لافتةً إلى أن «العائلات الثلاث كانت على ارتباط بالمشتبه به بتنفيذ الهجوم الذي توصلت التحقيقات إلى أنه قدم إلى قونيا في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي»، ولفتت ولاية إزمير في بيان لها أنه «يُعتقد أنهم أقاموا في ولاية قونيا في نفس المنزل مع المشتبه به» وأنهم من داغستان وتركستان الشرقية (إقليم شينجيانغ شمال غربي الصين)، وسوريا.
وتبين من التحقيقات أن منفذ الهجوم استقل سيارة أجرة عقب تنفيذه الهجوم إلى منطقة «زيتين بورنو» في اسطنبول ومن هناك ذهب إلى أحد المطاعم التي تعود لأشخاص من «الأيغور» واستلف من أحد العاملين هناك مبلغاً من المال لدفع أجرة التاكسي قبل أن يختفي عن الأنظار، وعلى ما يبدو أن هذه آخر حلقة توصلت إليها التحقيقات حتى الآن.

هل كشف هجوم إسطنبول الضعف الذي أحدثته حملة التطهير ضد أتباع «غولن» في الأمن والاستخبارات؟

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية