منذ بدأت الحرب في بلادنا، التي تدخل الآن شهرها الثامن، وبما فرّخته من حروب صغيرة واقتتال داخلي، ونحن في عزلة خانقة عن العالم لا نسمع سوى القليل مما يجري فيه، فقد تعطلت الكهرباء نهائياً في كل البلاد وتعثرت وسائل التواصل، ولا تكاد تؤدي وظيفتها إلاَّ بين حين وآخر. لذلك لم يكن غريباً أن لا أسمع بوفاة صديقي الكاتب الكبير عبد التواب يوسف، إلاَّ بعد رحيله بأسابيع، بل أعترف بأنني لم أتيقن بعد من حقيقة وفاته، لأن الذين نقلوا إليّ الخبر الحزين اتضح لي من خلال ترددهم في رواية النبأ أنهم غير متأكدين ولا واثقين من مصادر معلوماتهم. ولهذا أجدني متردداً غير قابل لتصديق النبأ، ولا أكف عن ترديد السؤال الذي صار عنواناً لهذا الحديث وهو: هل مات عبدالتواب يوسف حقاً؟ وكنت منذ مدة طويلة أظن أن الموت لن يقترب منه احتراماً له وتقديراً للملايين من محبيه، وفي طليعتهم ملايين من أطفال الأمة العربية، الذين كتب لهم ألف كتاب كل واحد منها يسعى إلى فتح نافذة في جدار المعرفة المحاط بأسوار من الإهمال والحرمان وعدم الاهتمام.
كما كنت أظن أن عبد التواب نفسه سيقاوم الموت في هذه اللحظات المعتمة والمبتلاة بالحروب والدماء، حتى ينجلي غبار المعارك الشوهاء وتغسل الأمطار ما اختزنه تراب الوطن العربي من دماء الأخوة الأعداء، وتستعيد الأرض العربية صفاءها ونقاءها وأمنها، وإن كان أصدقاء آخرون له ولي يخالفونني الرأي ويظنون، بل يعتقدون أن هذا هو الوقت المناسب للموت وفي المناخ العربي الكئيب ما يستدعي الموت، ويجعل كل مبدع حساس حريصاً على أن يسلم الروح فوراً ليكف عن متابعة المشهد المرعب الذي لم يكن تصور مثله يدور في خلد أي مواطن عربي يمتلك ذرة من الوعي السليم، أو تخيل أن مثل هذا الذي حدث سيحدث ولو في الكوابيس. أمة عظيمة تأكل بعضها وتدمر القدر الضئيل من الإمكانات التي توفرت لها خلال عقود من الكدح والنضال، وأن تتجرع في بداية القرن الواحد والعشرين ما لم يسبق لها أن تجرعت مثله في القرن العشرين وفي قرون سابقة.
عبدالتواب يوسف كاتب خاض كثيراً من المغامرات في عالم الكتابة من الصحافة إلى المسرح إلى البرامج الإذاعية والتلفزيونية، لكنه وجد نفسه في قبضة الكتابة للأطفال بعد أن تناساهم المبدعون إلاَّ قلة منهم لا تكاد تذكر. وفي هذا المجال ألقى عبدالتواب أشرعته وأبحر في عالم الطفولة غير مهتم بشهرة أو يحركه طمع بمكسب، وإنما تدفعه نفس مفعمة بالطيبة وقلب لا يعرف الكراهية. وفي محراب الطفولة والأطفال أنفق ثلاثة أرباع عمره وقدّم للأجيال الجديدة هذا الكم من الكتب الفريدة في تنوعها ومستواها، تناولت الماضي والحاضر، وقدمت نماذج زاهية من الموروث، وأخرى من العصر الحديث. وما أجمل وأهم أن يتركز عمل المثقف المبدع حول عمل يحبه ويعطيه جهده وخلاصة تجاربه. وهذا ما قام به عبدالتواب يوسف، فقد عكف على مناجاة الطفل، يكتب له ويستثير الكامن من وعيه، ويضع بين يديه تاريخ وطنه الثقافي والعلمي، بلغة سهلة مبسطة يجد فيها الطفل متعته وفائدته، مع مراعاة أن تواكب سني عمره ابتداءً من المراحل الأولى للطفولة حتى الصبا.
لم يكن جهداً عادياً هذا الذي تولى القيام به كاتب الأطفال عبدالتواب يوسف، فقد أنجز موسوعة واسعة متنوعة من الحكايات والأساطير والمعلومات والتعريف بالشخصيات التاريخية والمعاصرة، مع ترجمة العديد من روائع القصص العالمية الخاصة بالأطفال. وكان بيته بمثابة بيت للطفل العربي بكل ما يحمله المعنى من دلالات. علماً بأنه كان قبل أن يشرع في الكتابة للطفل قد درس كل ما كُتب عن الطفل وللطفل في اللغة العربية، وكثيراً مما كتب عنه وله في أهم اللغات الأجنبية. ومن حسن حظه أن كانت زوجته الأستاذة نبيلة راشد «ماما لبنى» متخصصة في شؤون الطفل ورئيسة تحرير مجلة «سمير» للأطفال، المجلة المتميزة التي أسهمت في ترشيد الأطفال وظلت تصدر عن دار الهلال بكل ما كانت تمتلكه هذه الدار من إمكانات وكفاءات علمية وأدبية وفنية. ولم يذهب جهد عبدالتواب سدى فقد جعله يتبوأ مكانة عالية في أوساط المهتمين بالطفولة وهيأه لنيل العديد من الجوائز المعنوية والمادية، وعضواً مشاركاً في كل المؤتمرات العربية والدولية الخاصة بالطفولة، وفتح أمامه أبواب العالم لرحلات مكنته من التعرف على كثير من كتّاب الأطفال في أوروبا وأمريكا، حيث أدرك مدى العناية التي يلقاها الطفل من خلال المكتبات الخاصة به والموجودة في كل مكان.
جمعتني بالصديق الراحل لأول مرة دورة دراسية عن البرامج الخاصة للإذاعة، انعقدت في مدينة الخرطوم في أوائل الستينيات تحت إشراف منظمة اليونسكو، واستمرت أكثر من أربعة شهور كانت من أجمل المحطات في حياتي، وقد ضمت زملاء من معظم الأقطار العربية: مصر، سوريا، العراق، المغرب، تونس، ليبيا، الأردن، السعودية، الكويت، السودان. وكان عبدالتواب يوسف حاضراً في الدورة الدراسية عن مصر وكنت أصغر المشاركين سناً وأكثرهم تلهفاً إلى المعرفة واستيعاب الظروف الجديدة. وبعد أيام من بدء الدورة صرنا أصدقاء تجمعنا علاقة حميمة من الود والتفاهم ووحدة النظر إلى واقعنا العربي، الذي كان – يومذاك- يشق طريقه نحو التحديث والخروج من زمن التخلف والجهل. وربما كان كل واحد منا يجازف في تشريح الواقع الراهن في بلده، وكانت الأوضاع في بلداننا تختلف في أمور وتتشابه في أمور. ولعل غياب الحرية بمعناها الشامل والأوسع هو المجال الجامع. كما كان عبدالتواب يوسف أكثرنا وعياً وإحاطة بالمخاطر التي تهدد الوطن العربي، وفي مقدمتها الكيان الصهيوني والاستعمار الجديد.
عند نهاية الدورة الدراسية لم تعد لي رغبة في العودة إلى بلدي، وبعد أن يئست من الالتحاق بجامعة الخرطوم، التي تقوم بتدريس كل المواد المقررة على الطلاب باللغة الإنكليزية فقد عمدت إلى تحويل تذاكر العودة من الخرطوم إلى صنعاء، لتكون من الخرطوم إلى القاهرة بمساعدة كريمة من عبدالتواب الذي عمل المستحيل في القاهرة على تمكيني من الالتحاق بكلية الآداب جامعة القاهرة، إلاَّ أن الصعوبة التي وقفت في وجهي كانت بسبب عدم وجود منحة مالية، في الوقت الذي كان فيه عشرات الطلاب اليمنيين تائهين في شوارع القاهرة يحاولون الضغط على السفارة والحكومة اليمنية لتخصيص عدد من المنح الهزيلة التي تساعدهم على البقاء ومواصلة دراستهم في الكليات التي كانوا قد انتسبوا إليها. ولا أنسى أن عبدالتواب يوسف وعدني بأن يساعدني مادياً في حدود إمكاناته المحدودة فشكرت له تعاطفه الصادق وآثرت العودة إلى صنعاء مهما كانت العواقب على أمل أن يأتي المستقبل بأكثر مما نحلم به، لاسيما وقد كانت البلاد في حالة مخاض وترقب وانتظار لثورة شعبية يقودها صغار الضباط بعد أن ضاقت النفوس من طغيان الاحتلال الأجنبي في جنوب البلاد وبطش الحكام في شمالها.
قامت الثورة المعجزة وانفتحت أبواب البلاد على الجهات الأربع وأصبح السفر إلى القاهرة سهلاً ميسراً واللقاء بالصديق عبدالتواب ممكناً وصار بيته ملتقى ليس لي وحدي وإنما لعشرات اليمنيين الذين لم تكن زيارتهم للقاهرة تكتمل إلاَّ بزيارته والتحدث إليه في قضايا الأدب والإبداع وفي أحدث تطورات الواقع السياسي، وكنا على مدى اثني عشر عاماً (هي فترة دراستي الجامعية والعليا في القاهرة ) لا نفترق إلاِّ أياماً معدودة وقد ربطتني بأولاده منذ كانوا أطفالاً مشاعر الأبوة. وهم هشام يوسف الذي صار سفيراً لبلاده في الخارج، ثم ناطقاً باسم الجامعة العربية، ولبنى يوسف التي تتولى الآن رئاسة قسم اللغة الإنكليزية في كلية الآداب جامعة القاهرة. وعصام يوسف الكاتب الروائي الذي نالت روايته الأولى «ربع جرام» شهرة واسعة وحققت في التوزيع وإعادة الطبع نسبة عالية وصلن إلى الطبعة السادسة عشرة.
ذلك هو عبدالتواب يوسف الكاتب والإنسان الذي ترفع عن المناصب وأخلص لرسالته من البداية إلى النهاية. وأتصوره في أيامه الأخيرة تلك التي سبقت الممات – إن كان قد مات حقاً- عاكفاً على كتابة حكاية جديدة يسعد من خلالها طفلاً عربياً يتطلع بشغف شديد إلى ما يكتبه «بابا عبدالتواب» وهذا هو الاسم الأبرز الذي اشتهر به الصديق عبدالتواب بين قرائه من الأجيال المتعاقبة على مدى أكثر من خمسين عاماً هي الفترة الزمنية التي كان الطفل خلالها هاجس هذا الكاتب الكبير وشغله الشاغل ومصدر إلهامه واهتمامه الأول والأخير.
أديب يمني
عبدالعزيز المقالح