هل مازالت السعودية  قلقة من تسلل «الفوضى المدمرة» اليها عبر «داعش»؟

حجم الخط
4

الرياض – «القدس العربي»: لابد من الاشارة أولا الى ان السعودية هي الدولة الأشد ارتياحا وسرورا من التحالفات الإقليمية والدولية التي تشكلت  لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» ومن الحرب التي بدأت تشن على هذا التنظيم.
ولابد من القول ان العربية السعودية عاشت خلال الشهور الستة الماضية حالة قلق وصلت الى حد الخوف من تنامي قوة «داعش» وسيطرته على أراض واسعة في العراق وسوريا واقامة «دولة» كان من الممكن ان تصبح جارة للحدود السعودية مع العراق، ومن الممكن ان تتوسع الى لبنان.
وحالة القلق السعودي الشديد ليس فقط من تمدد «دولة داعش» في العراق وسوريا ولبنان، ولكن من ان يصدر «داعش» للمملكة الارهاب عبر مئات من الشباب السعودي – الذي غررت به أفكار «السلفية الجهادية «فخرج بحثا عن «الجهاد» في صفوف «داعش» ـ بالتعاون مع تنظيم «القاعدة في جزيرة اليمن» المستوطن في اليمن جنوب السعودية.
وترى السعودية ان «داعش»هو الأداة الرئيسية لخلق الفوضى في العالم العربي والمنطقة لاعادة رسم خريطتها وفق تقسيمات جغرافية طائفية ومذهبية وعرقية، فها هو «داعش» كرس الإنقسام الجغرافي العرقي والمذهبي في العراق، وهو يحاول في سوريا وصولا الى لبنان، ومن المؤكد ان المملكة من الممكن ان يأتيها الدور بعد ذلك، وخصوصا اذا مانجح تقسيم اليمن بين الحوثيين الطامحين للسيطرة على شمال اليمن لاعادة حكم الزيدين اليه.
والمراقب المتابع لما يجري في السعودية أخذ يسمع كثيرا  بعض المسؤولين السعوديين يتحدثون عن مخطط «الفوضى المدمرة» في المنطقة، ويرون ان هذا المخطط يستهدف خلق حالة عامة من الفوضى التي تدمر كيانات ودولا قائمة، ليبنى على انقاضها كيانات جديدة ولترسم خريطة جغرافية جديدة.
لذا لاحظنا ان القيادة السعودية ركزت كل جهودها خلال الشهور القليلة الماضية على تحصين جبهتها الداخلية وتحصين حدودها، وشددت السلطات الأمنية السعودية من اجراءات حماية الوضع الداخلي من أي اختراقات لتنظيمي «القاعدة» و»داعش وأخذت تلاحق أصحاب الأفكار السلفية المتطرفة التي تؤيد «السلفية الجهادية» وتعمل على دفع الشباب السعودي للتطوع للجهاد مع «داعش» والقاعدة، وفي الحقيقة حققت السلطات الأمنية نجاحات هامة في ذلك.
ولكن هذا لم ينه القلق السعودي من تصدير الفوضى المدمرة لها عبر «داعش» و»القاعدة» ، ومن هنا أخذت السعودية تلح على ضرورة تكوين تحالف دولي لمحاربة «داعش» ومحاولات تمددها الى مناطق أخرى في المنطقة، وحتى الى بقية العالم. ومن أجــــل ذلك كرر العــــاهل الســـعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز  تحذيره حين التقى سفراء 42 دولة في جدة الشهر الماضي  التحذير من انتشار الارهاب في العالم مشيرا الى ان ارهاب «داعش» سينتقل الى اوروبا وأمريكا خلال شهرين.
وكان العاهل السعودي يوجه رسالة واضحة للادارة الأمريكية بشكل خاص، وفي الحقيقة ان الذي حرك واشنطن ليست تحذيرات خادم الحرمين الشريفين، بقدر ان «داعش» بدأت تتقدم للوصول الى كردستان حيث تتواجد للولايات المتحدة العديد من المصالح والمرافق الأمنية والعسكرية، والذي فاقم الامور تصرفات  «داعش» الوحشية  في المناطق التي سيطر عليها وقطع رقبتي الصحافيين الأمريكيين، وكل هذه التصرفات أوجدت ضده «نقمة»عالمية قلبت الرأي العام الأمريكي وجعلت الحلفاء يضغطون من أجل التصرف للجم هذه الوحشية وضربها، طبعا بالاضافة الى المخاوف من ان يصدر «داعش» من جاءوا للتطوع عنده الى الغرب لينشروا الارهاب.
ولا شك ان الرياض كانت هي من أشد المستفيدين من تغول «داعش» ومن السخط العالمي عليه، فتصرفات «داعش» جعلت الإدارة الامريكية ترى انه لم يعد هناك مجال سوى شن حرب «عالمية» على «داعش» من خلال تشكيل تحالف إقليمي ودولي يتولى كل طرف فيه مسؤولياته، والسعودية مستعدة لان تتحمل أكبر قدر من المسؤولية في ذلك، خصوصا ان السعودية ترى ان الهدف من التحالف الإقليمي والدولي الذي بدأ بالتشكل في اجتماع «جدة» وتكرس في اجتماع «باريس» لدول التحالف لا يجب ان يتوقف عند القضاء على» داعش».
وهذا مايؤكده خطاب وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل في مؤتمر باريس لدول التحالف الاسبوع الماضي حين قال « إن التهديد الذي يمثله تنظيم «داعش» قد تجاوز في جغرافيته العراق والشام وبات يشكل خطراً يهددنا جميعاً ويستدعي منا محاربته والتصدي له بروح جماعية تقي دولنا مخاطره ونتائجه ، ولان القضاء على «داعش» له تداعياته، وله مطالبه ، وأول هذه المطالب دعم قوى المعارضة السورية «المعتدلة»  بالتدريب والسلاح المتطور، حتى تتغير معادلات القوة العسكرية في سوريا لمصلحة المعارضة. 
وهذا أهم ماتريده الرياض من التحالف الدولي وكان الأمير سعود الفيصل واضحا بذلك حين  قال في نفس الكلمة «وحيث أن هذا التنظيم – «داعش» – قد وجد في أرض سوريا أرضاً خصبة للتدريب وتلقي العتاد والتحرك بحرية دونما عرقلة أو ضوابط، فلابد لأي استراتيجية لضرب « داعش»من أن تشمل أماكن تواجده على الأرض السورية. وترى الرياض ان هذا سيتم عبر دعم المعارضة السورية، وعبر عن ذلك وزير خارجيتها بنفس كلمته حين دعا الى» توفير كل أشكال الدعم الضروري للمعارضة السورية المعتدلة المتمثلة في الائتلاف الوطني لتمكينها من التصدي المزدوج لتنظيم «داعش» ولنظام يعمل على تغذية هذا التنظيم والاستفادة منه لضرب المعارضة السورية المشروعة».
ويرى مراقبون ان تغيير معادلات القوة العسكرية في سوريا، سيرغم النظام السوري على القبول بحل سياسي أساسه خطة مؤتمر جنيف -1، أي ان تقام حكومة انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية، أو الذهاب الى خيار اسقاط النظام.
ويبدو ان الادارة الأمريكية اشترطت لقيادة التحالف الذي سيحارب»داعش» ان تكون هناك مسؤوليات مشتركة لكل الدول الاعضاء فيه وأولها السعودية التي لها دور اساسي ومحوري بمحاربة «داعش» اقليميا ، ليس من خلال التمويل وتوفير الغطاء العربي السياسي لهذه الحرب، بل ايضا المساهمة بمحاربة «داعش» فكريا وتمويليا واحتضان المعارضة السورية عسكريا وبشكل مباشر.
والسعودية لم تمانع القيام بأي دور حتى ولو كان تدريب قوات المعارضة السورية على أرضها ـ ولأول مرة تقبل الرياض بمثل هذا الامر، منذ صراعها مع النظام الشيوعي في جنوب اليمن –  والمطلوب ايضا من السعودية ان تعمل على محاربة المنظومة الايديولوجية والثقافية التي انبثق منها تنظيما «داعش « و«القاعدة»، وهي منظومة لا تعتمد فقط على افكار السلفية الجهادية، بل على أفكار مذهبية تكفيرية.
واذا كانت السلطات السعودية قد بدأت منذ السنوات القليلة الماضية بمواجهة الترويج للفكر الجهادي الا انها لم تنجح بذلك تماما (والدليل استمرار انتشار الفكر السلفي الجهادي والتكفيري في أوساط الشباب السعودي المحافظ واستمرار هروب بعض هؤلاء للالتحاق مع «داعش» وغيره)، لانها لم تتعامل مع المسألة على أساس ان هذه منظومة ايديولوجية وثقافية تغلغلت في أوساط التيارات الدينية المتشددة ، وانه من أجل اقتلاعها لا يجب الاعتماد فقط على علماء المؤسسة الدينية الرسمية فقط ، لان الشباب أصحاب الافكار المتطرفة لن يستمعوا لما تقوله هيئة كبار العلماء بل يستمعون لمشايخهم الذين يروجون لأفكار التكفير المذهبية والطائفية.  

سليمان نمر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية