هل مازال من حقنا أن نتشرف بعروبتنا؟ سؤال بديهي تصرخ به خارطة غارقة في بحر من المجازر والتطرف الديني والمذهبي، والتخلف العلمي والحضاري، وسط صمت متواطئ من حكام وانظمة ينتمي اغلبها الى االعصور الوسطى. من غزة حيث ذبح مئات الاطفال والنساء والمسنين بدم بارد طوال اربعة اسابيع، الى العراق حيث توغل ميليشيا داعش في دماء الابرياء، وتقطع رؤوسهم، وتنتهك اعراضهم باسم «الدين»، مرورا بسورية وليبيا واليمن، حيث لا تتوقف انهار الدماء. اينما ولينا وجوهنا في هذه الخارطة العربية تصفعنا رائحة الدم وأهوال المآسي الانسانية.
لقد أصبحنا «أمة من النازحين او اللاجئين»، نصف الشعب السوري إما نازح مشرد داخل ارضه أو لاجئ لدول الجوار. مئات الآلاف من العراقيين يهيمون على وجوههم في الشمال هربا من قوات داعش. الالاف من العرب يلقون بأنفسهم يوميا في «سفن الموت» من الشواطئ العربية في شمال افريقيا طلبا لـ»الجنة الاوروبية الموعودة». يدفعون كل ما يملكون من اموال ويفضلون المخاطرة بأرواحهم على حياة اصبحت بالنسبة لبعضهم أسوأ من الموت نفسه.
اصبحنا «أمة من الطائفيين والعنصريين». اغلب الصراعات العسكرية والسياسية العربية اليوم يمكن بسهولة تفسيرها على اساس طائفي. لم نعد نحارب من اجل الحق والعدل، بل من اجل الطائفة والقبيلة. حتى بعض المثقفين من غير الدينيين اصلا، لا يستطيعون ان يخلعوا رداء الطائفية. بعض عمليات التطهير الطائفي، كما في العراق، او العنصري كما في السودان، تكاد تكون غير مسبوقة في تاريخ البشرية. اصبحت المحاصصة الطائفية العامل الحاكم في تشكيل الحكومات وتوزيع المناصب السياسية والخدمات الاقتصادية والحياتية في اكثر من بلد عربي. اصبحنا رهينة لدى صراعات دينية تاريخية عفا عليها الزمن. في فيديو منسوب لاحد المتطرفين من اعضاء داعش، يبرر عدم تدخل التنظيم او حتى ادانته للمجازر في غزة بأن «اهلها من الشيعة، وليس عندهم راية او امير». اصبح التكفير، وما يستتبعه من استحلال للدم والعرض والمال، ثقافة مزدهرة في كثير من بلادنا.
اصبحنا «امة من المنافقين» الذي يستخدمون الدين ويطوعونه لتحقيق مصالح مادية او سياسية ضيقة لاعلاقة لها بالمقاصد الكبرى المعروفة للشريعة الاسلامية، واهمها حفظ النفس، بل ان الخطاب الديني نفسه اصبح «مسوغا للعنف او الفاشية المقدسة» ضد الابرياء لمجرد الاختلاف في العقيدة. ولعل ما يحدث حاليا للمسيحيين والايزيديين في العراق من قتل وتهجير وسبي للنساء وبيعهن في سوق النخاسة، دليل واضح على مدى الاجرام الذي يرتكب في حق الاسلام وباسمه معا. وباسم الدين ايضا يجري «تقنين» للهمجية والظلامية والاجرام، عبر ما يسمى بـ»المحاكم الشرعية» التي اقامتها داعش في سورية. وحتى في البلاد التي تنتنشر فيها «مظاهر التدين»، تزدهر فيها المفاسد الاخلاقية والاجتماعية والاقتصادية كما اثبتت دراسة اجتماعية.
اصبحنا «امة من المتخلفين عن ركب الحضارة الانسانية» تعيش على تصدير المواد الخام واستيراد كل شيء تقريبا، من الغذاء والدواء الى «التكنولوجيا العالية التصنيع». لم نعد قادرين على تقديم اسهام يذكر للحضارة الانسانية. بعض الدول التي كانت في نادي «العالم الثالث» معنا حتى الامس القريب انضمت الى صدارة السباق الاقتصادي العالمي. في عام 1969 كان نصيب دخل الفرد من الناتج القومي في مصر أعلى منه في كوريا الجنوبية، والامثلة كثيرة. ومع التفاقم المتوقع للمشاكل الاقتصادية حتى في بعض الدول الغنية بالثروات النفطية، لا يمكن للمراقب الا ان يتوقع صعود التطرف الذي يستفيد من تعقيد الازمات الحياتية وغياب العدالة الاجتماعية.
انه وضع مأساوي مركب يجعل الخارطة العربية تبدو كنقطة سوداء او قانية كالدم في عالم يسابق الزمن في انطلاقه نحو افاق جديدة من التقدم الحضاري. ولا يمكن حتى مجرد توصيفه في عجالة كهذه. الأسوأ هو هذا الاتفاق الضمني على وضع رؤوسنا في الرمال وكأن هذه الاهوال تحدث في جزر بالبحر الكاريبي وليس قلب العالم العربي. المطلوب مقاربة علمية شاملة بدون خطوط حمراء لهذا الوضع المتفجر الذي يعود بنا الى عصور الجاهلية والظلام. لا مفر من مكاشفة صادقة ومعالجة علمية حقيقية للاصول الدينية التي يستغلها اولئك الارهابيون لتبرير جرائمهم. ولابد من طرح كل الاسئلة مهما كانت صادمة، اذا كانت تسهم في انقاذ حياة الابرياء. يجب العمل على تقويض الاساس الفكري لهذا الارهاب الجديد، وعزله امام الشباب بشكل خاص. يجب الرد على من يقولون «لماذا تستغربون ما يقوم به داعش؟ ألم يقطع خالد بن الوليد رأس مالك بن نويرة واستخدمها في الطهي قبل ان (يصطفي) زوجته لنفسه لمجرد انه (ظنه) مرتدا؟
وحتى تحدث هكذا مكاشفة لا يمكن، ولا يجب، لاي عربي اليوم ان يقبل الخطاب التقليدي الذي يتغنى بالعروبة وامجادها، بينما يتنفس اجواء مسمومة بروائح الدم والحقد والطائفية والتخلف والنفاق.
٭ كاتب مصري من اسرة «القدس العربي»
خالد الشامي