كل ما يحتمل بديلا لا يعول عليه، وكل ما يكون تعويضا صرح للهشاشة وآيل للزوال، حكمتان بنقش شيخ طاعن في الحقيقة والنصاعة، بكسرة عظم على جدار، ومضي طعنة في الأفق المضمد بالتراب والحنين، وعارفا بيقين من يتبعه أن للأرواح حكمة تنوء بها الأرض هناك وتبوء بها الجدران هنا. وما بين هنا وهناك بون شاسع بحجم كاف الكينونة والسور وغياب المعنى عن المكان.
هناك.. تمر الأعياد سراعا ومن يحتفي بها كمن يستظل بغيم ربيع، هناك.. يكون العيد صعبا، كسيحة هي الروح ومشلولة اليد تناهز الأجراس، تعجز أن تعايد أحدا ممن ألِفتَ وجوههم مرغما كل هذا الوقت، صاروا ملتصقين بنظرتك أكثر من زوجتك وأطفالك، بين جدرانك الأربعة تغدو وجوههم جدرانا تحاصرك وقد تُضيِّق عليك، إذ تعيدك كلما خرجت من العتمة إلى عالمها، وقد تكون مرآتك إن نهضت فتكسرك، في أي عيد تحتاج لفاصل زمني أو هوة تعبرها ما بين ترقبه وحلوله، هناك.. إبان تحجرنا قبالة بعضنا انتظارا للحظة ما قبل العيد وبدئه؛ كأن كلا منا يستشعر روحه قطعة مسروقة على عجل، يخبؤها في أصغر زاوية أو جيب، لئلا تُرى ثم يهرب بها/ إليها متسللا لداخله وينهار كسد على سهوب الذكريات، العيد.. أهله، ضحكات أطفاله، رحلة الذهاب للقبور صباحا، تدفق أهل القرى؛ وقد توافدوا يتفقدون موتاهم قبل لسعة الشمس، يقرأون سورة ياسين، ينثرون السكاكر والدعاء كنذر أخير، يرفعون أياديهم للحياة بيضاء من غير سوء، سوى أن الإثم في الحلم يأتي ويذهب كما دورة الروح في مد وجزر، إمّا فاضت أو انعتقت من وحل باريها، يودِعون نصائب القبور، قبلات لموتاهم ويقفلون عائدين، أطفال القرية الذين تأخروا في السهر قبالة ثيابهم الجديدة انتظارا للعيد، حناء الجمر على قصب الأكف لِبَناتٍ من قطا، اجتمعن بضفائر مبللة للتو بمَحلب الصبح وعطره الأخضر، كم يكون الجمال شاهقا عندما يكون بسيطا بدائيا وبكرا.
نذرا فنذرا كبرتنا الأمهات، ولندرك ضياءهن نتأمل الصغار رتقا ليفاعتنا الفائتة، الآن، هنا.. لا صغار يشذرون سمعنا بجرس، يبتلع الحلم الخيال أصواتهم الخفيفة وجملهم المتلعثمة في المعايدة، في هذا الضيق والاكتظاظ، تغدو تسمية المكان مبالغة شاسعة، لا وقت لنا ولا مكان تحت شمس حياة نجسها بالأصابع ونعدها بالأنفاس لنلحظ ارتباك أغانيهم، أمانيهم الخجولة، وتشوقهم للسكاكر التي نقدمها على الأبواب، لا جيران يطرقون بابنا القِبليَّ المفتوح على ساحة دار تعبق بالقهوة المرة بالهال وحلوى العيد، قطع «الكليجة» المشغولة بأكف الأمهات العتيقة كنذورهن، ولا شاي العصاري ولا صدح أغان عراقية تنوح بلحن فراتي عميق، عتابا وموليا، ناي ورباب، وللفرات إرث من البوح لكأنه يسرد سيرة الفانين على الضفاف وينذر حكمته للمراثي التي لم يدركها أحد، لم أجد سوى في بئر الروح العتيقة ما يُدلي على سؤال الحزن، لست أدري لِم َينبجس الحزن لدى أبناء الفرات حتى في الفرح، وللربابة صدر يئن بالذكرى وعشقِ قوسٍ أوتارُهُ خصلة ناعمة من ذيل فرس لن تعود، هي كما الريح التي بثت وجدها للبرديِّ الذي سقطت أوراقه فانثقبت أضلاعه نايات ونَوح.
ويحدث إن كانت الريـــح غربية في الشام، مواتية لاتجاه الصوت أن يتسلل لأسماعنا صوت أذان بعيد، فنصمت ونبحر في الصوت والذكرى، ينكزني صديقي المسيحي شريك حصتي في المكان الضيق بعيون مخنوقة يقول: كم كان الصوت جميلا وأخنقه، تغافلت عنه أو كنت غارقا في النوم، بلحظة يخرج أحدنا عن سياق الشطح البعيد لدواخله؛ يرمي حجرا على كذبة الماء الراكد ويقول: كل عام وأنتم بخير، ينفرط عنقود من دمع ودمع الرجال غال، يخرج كل منا من عالمه الحميم ويواجه الجملة بمجاملة الرد، ومحاولة بث الروح فيها، ولأن العيد لحظة يشترك فيها الجميع ملتصقين بإنسانيتهم الشفيفة والحمقاء أيضا، يحصل أن يقول معتقل لأحدث سجّان: كل عام وأنت بخير.. فقط ليشعر بأن هناك وجها وعالما آخر مازال قادرا على التواصل معه عيانا.
٭ شاعر سوري
أحمد الشمام