نيويورك – «القدس العربي»: هذه هي الحرب الثالثة والأعنف التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة منذ سيطرة حركة حماس على القطاع عام 2007. وفي كل مرة تشن إسرائيل الحرب على القطاع تستخدم أسلحة جديدة وتستهدف المدنيين والبنى التحتية وتفشل في كسر شوكة المقاومة. لكن العملية الأخيرة التي سميت «الجرف الصامد» والتي إستمرت ثلاثين يوما تختلف كثيرا عن سابقاتها من عدة زوايا:
– لم يكن هناك هدف واضح أمام إسرائيل لهذه الحرب. ففي البداية كانت انتقاما لمقتل المستوطنين الثلاثة الذين خطفوا قرب الخليل ثم لإنهاء خطر الصواريخ وأخيرا لتدمير الأنفاق ونستطيع أن نؤكد أن الأهداف الثلاثة لم تكن واضحة المعالم وأن مسلكية إسرائيل العسكرية لم تكن لتحقيق هذه الأهداف بل للضغط على المدنيين كي ينفضوا من حول المقاومة والذي حدث هو العكس.
– إستهدفت إسرائيل بشكل غير مسبوق المدنيين من نساء وأطفال ومسنين. كما إستهدفت كافة المراكز والمؤسسات كالمدارس الدولية والمساجد والمستشفيات والعيادات والجامعات وحتى البيوت العادية حيث أبيدت فيها عائلات بكاملها. حرب لم تكن فيها خطوط حمراء ولم تأبه إسرائيل لأي نقد دولي وكأنها كانت متيقنة من أن رد المجتمع الدولي لن يرتقي فوق مستوى التعبير عن القلق أو الإدانة الخجولة. حرب تميزت بسلسلة من المذابح المريعة والتي تضاف إلى قائمة طويلة من المذابح التي تميز تاريخ اسرائيل منذ البداية.
– لقد جاءت هذه الحرب في ظل أوضاع عربية غير مسبوقة من التمزق والصراعات الداخلية وشيطنة التيارات الإسلامية ونجاح الردة على الثورات العربية. وفي نفس الوقت جاءت هذه الحرب على خلفية رأب الصدع الفلسطيني وقيام حكومة التوافق الوطني بعد فشل جولة المفاوضات الأخيرة التي رعاها وزير الخارجية الأمريكية والتي وعد أنها ستؤدي إلى نتائج ملموسة بعد تسعة أشهر ليتبين له وللعالم أن إسرائيل لا تريد أن تلتزم باستحقاقات عملية السلام وغير مستعدة لتقديم أي تنازل حقيقي لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
– لقد فوجئت إسرائيل والسلطة الفلسطينية والدول العربية التي دعمت الموقف الإسرائيلي بشكل مباشر أو غير مباشر بصلابة المقاومة الفلسطينية وقدرتها العالية على إلحاق الأذى بالقوات الغازية وتكبيدها خسائر فادحة بالإضافة إلى ضرب منظومة الأمن الإسرائيلي في العمق من أقرب نقاط التماس في سيديروت وأسدود وعسقلان وحتى تل أبيب والقدس وحيفا. لقد هرب سكان المستوطنات الجنوبية بشكل كبير وتذوق كثير من السكان تجربة الهرولة إلى الملاجئ. وإضافة إلى تحسين الأداء القتالي فقد فاجأت الكتائب الفلسطينية إسرائيل باستخدام طائرة دون طيار وتطوير منظومة الصواريخ المحلية الصنع وكل هذا بإمكانات محدودة من شعب محاصر مجوع يتعرض لأبشع أنواع العقوبات في التاريخ في أكبر سجن جماعي يشترك في حراسته بالإضافة إلى العدو التاريخي، ذوو القربى وكما هو معروف أن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة. إن هذه الحرب كانت أقرب إلى حرب جنوب لبنان عام 2006 من حيث المفاجآت والبسالة وهزيمة العدو، عسكرييه ومدنييه فعليا ونفسيا، مع الأخذ بعين الاعتبار المساحة الكبيرة التي كان يتحرك فيها حزب الله والدعم الخلفي له وضمان خطوط الإمدادات وهي أشياء تفتقدها فصائل المقاومة في غزة.
– لقد قاتلت الفصائل مجتمعة كما أن السلطة الفلسطينية وسعت حركتها في كل إتجاه كي توقف الحرب وتحولت إلى وسيط بين الأقطاب الإقليمية والتي اصطفت بشكل تناحري مع طرفي الصراع. لقد كان للموقف الموحد عسكريا على الأرض وسياسيا على المستويين الإقليمي والدولي أثر كبير في التفاف الشعب الفلسطيني حول المقاومة بحيث فرض موقفا متقدما من السلطة الفلسطينية (خطاب عباس يوم 22/7) رغم أن التجاوب مع الحرب على غزة في الضفة الغربية كان ضعيفا بينما كان غائبا في معظم عواصم العرب المشغولة بقضاياها الداخلية.
– هذه هي الحرب الأولى التي تخسر فيها إسرائيل الرأي العام على المستوى الدولي وخاصة في أوروبا الغربية وأمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا. إن المواقف المتقدمة للعديد من الدول في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وعلى مستوى المجتمع المدني في أوروبا الغربية والولايات المتحدة يجب أن يستثمر وبسرعة كي لا نعود إلى المربع الأول. إسرائيل الآن مكروهة ومعزولة لا تجد من يقف إلى جانبها إلا بعض وسائل الإعلام الأمريكية المعروفة مثل «فوكس نيوز» واللوبيات الصهيونية التي تجد عملها الآن أصعب من ذي قبل وصور مجازر الأطفال تملأ صفحات وسائل التواصل الاجتماعي. فبعد 22 يوما من الحرب دخل على موقع تويتر «غزة تتعرض للهجوم» 11 مليون مغرد بينما دخل على موقع «إسرائيل تتعرض للهجوم» نصف مليون مغرد.
إلى أين نذهب من هنا؟
هذه الحرب، مع أن نهاياتها ما زالت مفتوحة على كل الاحتمالات، يجب أن تقنع الأطراف الفلسطينية جميعها بضرورة إعادة النظر في إستراتيجياتها للمستقبل القريب والبعيد. وسنتعرض للمطلوب عمله من قبل الطرفين الأساسيين السلطة الفلسطينية وحركة حماس.
السلطة الفلسطينية
نود أن نرى الرئيس الفلسطيني محمود عباس والسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية كلها تتصرف على أساس أن هناك أوضاعا أفضل أفرزتها هذه الحرب وأن صواريخ حماس لم تكن عبثية بل أصابت العدو الإسرائيلي في عمقه وتجمعاته السكانية وهدمت كثيرا من المسلمات وأثبتت أن الفلسطيني إذا ما أتيحت له فرصة الاشتباك مع العدو فإنه ينتصر عليه بالشجاعة والصبر والإيمان والاستعداد العالي للتضحية. عباس يعرف قبل غيره أن حكومة نتنياهو مثل غيرها من الحكومات الإسرائيلية لا تريد أن تقدم تنازلات عبر المفاوضات بل تريد المفاوضات من أجل إعطاء إنطباع أن هناك عملية سلمية وتحت هذا الغطاء تريد الحكومات الإسرائيلية جميعها أن تسلب الأرض وتبني المستوطنات الجديدة وتسمن المستوطنات القائمة وتهود القدس وتحاصرها وصولا إلى تقسيم الحرم الشريف وتستمر في بناء الجدار وتعتقل الناشطين وتبقي على الأسرى وتقتل بهدوء كافة من في عرفها يشكلون خطرا أمنيا عليها وتبقي الاقتصاد الفلسطيني مربوطا بها وتستمر في حصار غزة وإغلاق المعابر إلى ما لا نهاية. هذا هو الوضع النموذجي الذي إستغلته إسرائيل أبشع إستغلال منذ 13 أيلول/سبتمبر 1993 وإلى الآن تحت مظلة المفاوضات. هذا الوضع يجب أن ينتهي مرة وإلى الأبد.
على السلطة الفلسطينية أن تتصرف كأنها دولة خاضعة للاحتلال وتسعى لتحرير أرضها بكافة الوسائل وعلى رأسها المقاومة بكافة أشكالها. المقاومة ستبقى ضرورة مطلقة للحفاظ على الوجود الفلسطيني ما دام هناك إحتلال. عندما ينتهي الاحتلال وتقوم الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة والمترابطة جغرافيا والقابلة للحياة وعاصمتها القدس الشريف والخالية من بقع الجدري الاستيطانية، يأتي حينها الحديث عن سلاح الدولة وقدراتها الدفاعية والأمنية ولكن ليس قبل ذلك.
السلطة عليها التوجه للإنضمام إلى كافة الوكالات والمنظمات والصناديق الدولية على طريقة الانضمام لليونسكو بتاريخ 31 تشرين الأول/أكتوبر 2010 وليس على طريقة الإنضمام للمعاهدات الدولية فقط. نتمنى أن تنضم فلسطين لليونسيف ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة والوكالة الدولية للطاقة الذرية والاتحاد العالمي للاتصالات وبرنامج الغذاء العالمي وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة وصندوق الأمم المتحدة للسكان ونظام روما الأساسي لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية لعام 1998 وغيرها الكثير. هذه الخطوات لا تحتمل التأجيل. فالمطلوب تضييق الخناق على إسرائيل وعزلها ومزاحمتها في كل المحافل الدولية وجرجرتها إلى المحكمة الجنائية الدولية وبدون تردد.
إن الارتقاء بالموقف السياسي ليصل إلى مستوى التضحيات التي دفعها الشعب الفلسطيني في غزة هو ما يعزز الوحدة الوطنية الفلسطينية كما كان جليا أثناء إحتدام المعارك في حرب الثلاثين يوما. الوقت الآن مناسب تماما ولا وقت للتسويف أو التأجيل وإلا ستصل قوى الضغط والتهديد والإبتزاز وليّ الذراع للقيام بدورها التخريبي وتنتهي الأمور إلى «بعزقة» نتائج الحرب وتعميق الشروخ في الجسد الفلسطيني.
حركة حماس
لقد أثبتت هذه الحرب أن الشعب الفلسطيني مقتنع تماما بجدارة المقاومة وضرورتها والحفاظ عليها. فقد شاهدت الحركة التي كانت تعاني كثيرا قبل هذه الحرب كيف يلتف الشعب الفلسطيني حولها عندما تشتبك مع العدو وكيف ينفض عنها عندما تمارس سلطة قمعية تفرض أيديولوجيتها على الشعب الذي ليس بحاجة إلى الأسلمة أو الأخونة.
حماس يجب أن تصنف نفسها فقط كفصيل وطني فلسطيني ذي أهداف فلسطينية وذي مرجعية إسلامية (على طريقة الجهاد الإسلامي). إن الابتعاد عن حركة الإخوان المسلمين كحركة سياسية لها أهداف أكبر بكثير من قضية فلسطين سيعزز من مصداقية الحركة وينأى بها عن الخلافات العربية ويقوي حضورها في الساحة الفلسطينية ويحسن علاقاتها مع كافة دول الجوار والذين إستخدموا غطاء العلاقة مع الإخوان المسلمين ليلحقوا الأذى بالشعب الفلسطيني بشكل عام وقوى المقاومة بشكل خاص.
حماس مدعوة للانضواء تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية ليس بشكلها الحالي بل بعد إعادة هيكلتها وتنقيتها من كل عناصر ورموز الفساد الذين يعرفهم الشعب الفلسطيني واحدا واحدا وبمساهمة من كل الفصائل كي تستوعب الجميع وتقود معركة التحرير.
إن التقاء السلطة مع حركة حماس وبقية الفصائل ضمن إطار منظمة التحرير الفلسطينية حول التوجه الرئيسي في هذه المرحلة وهو إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس دون التفريط في الحقوق التاريخية والعمل على تحقيق هذا الهدف الأسمى بكافة الوسائل وعلى رأسها المقاومة، ستجد إلتفافا شاملا من الشعب الفلسطيني والشعب العربي وستتحصن م.ت.ف. من التدخلات العربية وتحدث تغييرا نوعيا في إستراتيجية الفلسطينيين نحو تحرير وطنهم المحتل بالمقاومة والعمل السياسي والدبلوماسي والمقاطعة والعقوبات والمحاكم الدولية في الوقت نفسه وستجد هذه الاستراتيجية دعما شاملا من معظم دول العالم وستـنـصاع حفنة الدول المتبنية للموقف الإسرائيلي واحدة بعد الأخرى كما فعلت عندما إقترب نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا من نهايته. لقد كابرت مارغريت ثاتشر، رئيسة وزراء بريطانيا آنذاك، وصديقها العزيزالرئيس الأمريكي رونالد ريغان في قطع علاقتيهما مع بريتوريا ولكن عندما وجدا أنهما وحيدان في دعم نظام الفصل العنصري تراجعا وانضما إلى العالم بأسره الذي لفظ نظام الأبارثهايد…. وهذه فرصة تاريخية أن يتم دفن نظام أبارثهايد آخر أكثر دموية وهمجية ورعونة في التاريخ.
عبد الحميد صيام