يقول المثل المعروف «الضرب في الميت حرام». ويبدو أن هناك نوعا من الضرب الرمزي لمن بلغوا مراتب الموتى، قد يكون ضروريا ومفيدا للأحياء حتى يثبتوا في بعض المرات قدراتهم في التخلص من الأوهام وجدارتهم في الاستمرار بالبقاء بمعزل عن اي ارتباط أو تعلق خرافي بها.
وربما كان ما فعله العاهل المغربي محمد السادس في العاصمة الإثيوبية اديس ابابا هو من قبيل ذلك الضرب والتقريع الضروري والمفيد لبلاده، ولباقي الأعضاء الخمسة لاتحاد المغرب العربي، بعد ان تأكد القاصي والداني ان ذلك الاتحاد الذي يستعد في السابع عشر من الشهر الجاري لاطفاء شمعته الثامنة والعشرين، قد تحول الى جسد مخرب ومعطوب غير قادر على اعطاء أي اشارة تدل على أن هناك املا ولو ضئيلا في انه ما يزال على قيد الحياة. ولاجل ان يحقق غايته تلك فقد اختار الملك المكان والزمان بدقة.
ففيما كان يعلن من أعلى منبر القمة الافريقية عن عودته الى بيته الافريقي، وجد أن الفرصة سنحت حتى يشعر جيرانه الاقربين بانه سوف يحزم امتعته ويغادر على الاقل رمزيا بيته المغاربي المتصدع والآيل للسقوط والانهيار. صحيح ان ذلك البيت صار منذ وقت طويل متروكا ومهجورا وغير قادر على أن يكون مكانا مناسبا لتجمع الاخوة الخمسة والتقائهم على طاولة واحدة، فالكل يعلم انهم تفرقوا وتوزعوا الى بيوت اخرى وجدوها أكثر تماسكا ورفاهية منه، ولكن مجرد تقادمه وبقائه على تلك الصورة الكئيبة والبائسة لم يعد مناسبا، لا لطموحات المملكة ولا لحاجتها الملحة لتجمع اقليمي يصون مصالحها ويحقق لها قدرا من الحصانة والسبق في مواجهتها المزمنة والمستمرة مع جارتها الجزائر. ما لفت الانظار هنا انه وبقدر ما كانت كلمات محمد السادس في ذلك الخطاب مليئة بالعواطف والمشاعر الجياشة ازاء افريقيا، التي وصفها بقارته وبيته فقد جاء استطراده حول الاتحاد المغاربي مليئا بالاشارات القاتمة والسلبية والمشحونة بقدر كبير من المرارة. قال في فقرة لخصت تلك الحالة القصوى من اليأس والقنوط الذي تعدى حدود التحفظ الدبلوماسي المعتاد «ظل المغرب يؤمن دائما بانه ينبغي قبل كل شيء ان يستمد قوته من الاندماج في فضائه المغاربي. غير انه من الواضح ان شعلة اتحاد المغرب العربي انطفأت ،في ظل غياب الايمان بمصير مشترك. فالحلم المغاربي الذي ناضل من اجله جيل من الرواد في الخمسينيات من القرن الماضي يتعرض اليوم للخيانة. وما يبعث على الاسى ان الاتحاد المغاربي يشكل اليوم المنطقة الاقل اندماجا في القارة الافريقية، إن لم يكن في العالم أجمع». مضيفا «في الوقت الذي تصل فيه المعاملات التجارية البينية الى عشرة في المئة بين بلدان المجموعة الاقتصادية لدول غرب افريقيا، وتسعة عشر في المئة بين دول مجموعة التنمية لدول افريقيا الجنوبية، فإن تلك المبادلات تقل عن ثلاثة في المئة بين البلدان المغاربية. وفي السياق نفسه بينما تشهد المجموعة الاقتصادية لشرق افريقيا تطورا ملحوظا في اقامة مشاريع اندماجية طموحة، وتفتح دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب افريقيا مجالا حقيقيا لضمان حرية تنقل الاشخاص والممتلكات ورؤوس الاموال، فإن التعاون الاقتصادي بين الدول المغاربية يبقى ضعيفا جدا. والمواطنون في البلدان المغاربية لا يفهمون هذا الوضع، وإذا لم نتحرك ولم نأخذ العبرة من التجمعات الافريقية المجاورة، فإن الاتحاد المغاربي سينحل بسبب عجزه المزمن عن الاستجابة للطموحات التي حددتها معاهدة مراكش التأسيسية منذ ثمان وعشرين سنة خلت».
كانت اللوحة بالغة السواد والقتامة ودلت بشكل قطعي على حالة الفشل الذريع للاتحاد. وربما كانت هذه المرة الاولى التي يشن فيها مسؤول مغاربي مثل ذلك الهجوم الحاد على منظمة اقليمية ما تزال قائمة حتى الان، وموجودة في مقرها الرسمي في عاصمة بلاده. فلم يسبق للقادة المغربيين ان قالوا بمثل ذلك الوضوح انه لا وجود على الارض لذلك الفكر والحلم و الهدف والمصير الواحد، ولا حتى للمصالح المالية والاقتصادية التي بمقدوها ان تجمع المغاربيين وتوحدهم. فما الذي يبقى بعد ذلك اذن حتى يستمر الاتحاد في الوجود؟ وما الذي يمكن ان يجعل قادته يتمسكون به زمنا اخر بعد ان فقد كل المبررات المنطقية والعملية لوجوده؟ هل هي النوستالجيا التي تجعلهم يتعلقون باحلام وردية خطرت ذات مرة في اذهان بعض زعماء ورموز الكفاح ضد المستعمر؟ ام ان الحسابات والمعادلات قديمة؟
ما لم يذكره الملك في تلك اللوحة وقد يكون الاخطر والاهم، ان الفكرة في حد ذاتها سقطت وانهارت تماما، ولم تعد تجذب أو تشد اهتمام الاجيال الجديدة أو حتى تعني شيئا لهم. فقد اعتادوا على مر السنوات الاخيرة على مشهد الحدود المغلقة بين المغرب والجزائر، وعلى حالة الحرب الصامتة بينهما، إما بسبب نزاع الصحراء أو نتيجة للصراع على مواقع النفوذ الإقليمي. ولم تعد حالة الخوف والقلق المتبادل التي تسيطر مثلا على علاقات تونس وليبيا وعلاقات موريتانيا والمغرب تثيرهم أو تجعلهم يشعرون بالضيق والحيرة ازاءها، فضلا عن ان يفكروا في تصحيحها وتعديلها. انهم لا يحسون على الاطلاق ان هناك هوية مغاربية موحدة. وكل ما ربتهم عليه دولهم وحشرت ادمغتهم به هو تلك المقولات الشوفينية المعروفة من قبيل «الجزائر اولا» و»تونس اولا» و»المغرب اولا» و»ليبيا اولا» و»موريتانيا اولا»، ولم يقل لهم احد من قبل ان المغرب العربي الكبير هو ايضا الاول ولا حتى اخبرهم انه الثاني.
صحيح ان هناك بنودا في القوانين والدساتير مثل الدستور التونسي تنص صراحة على ان البلاد «جزء من المغرب العربي تعمل على تحقيق وحدته وتتخذ كافة التدابير لتجسيمها» ولكن النصوص شيء والتطبيقات على الارض شيء اخر مختلف تماما.
فقد زرع الاستعمار ثم النخب التي حكمت من بعده حالة من الشك والارتياب العميق وعدم الثقة المستمرة بين الشعوب. فلا المغربي صار يرتاح للجزائري ولا التونسي ظل يطمئن لليبي ولا الموريتاني تخلص من حساسيته الزائدة للمغربي. وفيما مضت دول المغرب الكبير في الانفتاح على العالم الخارجي، وركبت موجة الانفتاح على العالم، لم تستطع ان تتخلص من القيود البيروقراطية التي ربطت بينها بل قوتها تحت مبرر الهواجس والتحديات الامنية المستجدة. وظل التوتر الصامت بين الجارين الكبيرين المغرب والجزائر يلقي ظلاله الكثيفة على مسار الاتحاد فيما عجز الاخير عن احتواء الخلاف الصعب والمزمن بينهما. وبغض النظر عما اذا كانت براغماتية الرباط هي التي دفعتها الان لان تضع حدا لقطيعة طويلة مع بيتها الافريقي، وعما اذا كانت قد كسبت او خسرت من وراء عودتها اليه فان تلك الحركة في حد ذاتها قد تشرع الأبواب أمام آفاق أخرى للتفكير في مآلات التعاون المغاربي. فقد خرج المغرب من الاتحاد الافريقي، لكنه مد جسوره مع قارة افريقيا وقوّاها بشكل جعلها ارسخ واوسع مدى مما فعله معظم اعضائه. وثبت ان الخروج من منظمة قارية كبرى لم يكن نهاية العالم، وأن الأهم من حيازة مقعد في أديس ابابا كان الاستفادة من الاسواق والمشاريع والمنافع المشتركة مع البلدان الأفريقية. فمغادرة البيت عادت بالنهاية بالنفع على المغرب. إذ ربما لو حافظ على عضويته لما استطاع ان ينسج تلك الشبكة القوية والواسعة من العلاقات التي جعلت أغلب الدول الاعضاء تصوت لصالح رجوعه. ان الخروج هنا كان محفزا اضافيا لكسب الافارقة والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو لماذا لا يكون الخروج ايضا من اتحاد المغرب العربي محفزا للمغاربيين حتى يستعيدوا شيئا من عافيتهم وصلابتهم المفقودة؟
ربما كان اختلاف الازمنة والظروف عاملا مهما في فهم وتفسير الجرأة التي امتلكها الملك الراحل الحسن الثاني قبل اكثر من ثلاثين عاما في اعلان خروجه من الاتحاد الافريقي، والحرج الذي قد يشعر به قادة المغرب العربي اذا ما فكروا في مغادرة اتحادهم ودفن معاهدة مراكش التي وقعوها قبل ثمان وعشرين عاما. لكن اليس من الافضل نفض الشعارات والاوهام والاستعاضة عنها بقطع خطوات ولو محدودة في اتجاه اهداف واضحة ومحددة تخدم الشعوب؟.
ألم يحن الوقت لدفن اتحاد عجز عن ايجاد حل ولو جزئي لمشكلة الصحراء وظل يراقب بلا حول ولا قوة نزيف الدماء في ليبيا، ولم يقدم ولو فرصة أو أملا ضئيلا لملايين المغاربيين المسحوقين والبسطاء؟ لقد بات المغرب الكبير في مفترق طرق فإما ان يكرم اتحاده الميت بدفنه نهائيا للتطلع الى ما بعده وإما أن تدفن آخر آمال شعوبه وطموحاتهم تحت ضغط واقع اقليمي ودولي بالغ الوعورة والتعقيد. والمؤكد ان أيا من الخيارات التي ستكسب في النهاية ستكون مفتاحا لتغييرات اخرى قد يعرفها المشهد المغاربي على المدى القريب والمتوسط.
كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية