هل نحن أصحاب العيد أم أضحيته؟

حجم الخط
18

عاد حجاج بيت الله الحرام اليوم إلى منى لرمي الجمرات وتأدية صلاة عيد الأضحى المبارك (قبل أن يعودوا إلى مكة لأداء آخر مناسك الحج وهو طواف الوداع).
وإذا كان متعذرا على كل المسلمين أن يؤدوا هذا الركن الخامس في الإسلام، فإن مئات الملايين منهم منتشرون في بقاع الأرض كافّة يُفترض أن يكونوا هم أيضاً يحتفلون بهذا العيد الكبير ذي المعاني الدينية الكثيرة ذات الجذور العميقة في الثقافة الإسلامية.
لكنّ هذا للأسف غير صحيح.
لا يعود الأمر إلى عوادي الزمان وتقلّباته الاعتيادية التي كانت تجتاح بلدان العالم كلّها وليس بلاد المسلمين فقط كأهوال الطبيعة من زلازل وعواصف وبراكين وجائحات ومجاعات، والغزوات التي هي سنن التصقت بالجنس البشريّ منذ بدء الحضارات.
لا يحتاج ذو البصيرة كثير تفكّر وتأمّل في أحوال المسلمين وشعوبهم ليرى أنّ عددهم الهائل الذي يقارب 1.62 مليار نسمة (وهو ما يعادل 23٪ من سكان العالم) لا يقابله وزن حضاريّ فاعل.
لقد فقدت أقطاب العالم الإسلامي الكبرى فاعليتها وتعثّرت مشاريعها وتراجع أثرها مقارنة بدول أخرى كانت أقل شأناً حضاريّاً، أو اقتصادياً، أو سياسياً منها، ويصحّ ذلك على الدول ذات التعداد السكاني الكبير، كإندونيسيا (204 ملايين)، وباكستان (178 مليونا) وبنغلاديش (148 مليونا)، أو ذات الوزن السياسي والثقافي المعتبر، كمصر، والديني ـ الاقتصادي الخطير، كالسعودية.
ترزح بعض بلدان المسلمين، كفلسطين، وأفغانستان، وسوريا، والعراق، واليمن، وليبيا، تحت وطأة حروب واحتلالات وجوائح ودمار مريع يتشارك في صنعه الاحتلال الاستيطاني والاستبداد الوحشيّ والتدخّلات الإقليمية والأجنبية.
ليست كلّ هذه الكوارث من صنع المسلمين أنفسهم فكثير منها إرث للمرحلة الاستعماريّة التي أدّت للكارثة الفلسطينية، ولتقسيم الهند (التي ما زالت رغم ذلك تحتوي أكبر عدد من المسلمين في العالم) لتتأسس باكستان وبنغلادش، وبعدها للحروب الدموية المستمرة في أفغانستان، ولاحقاً لاحتلال العراق.
لكنّ الإرث الاستعماري الهائل لا يعفي دول المسلمين وحكوماتها وأنظمتها من المشاركة الفاعلة في الكارثة العظمى التي نعيشها، فالأغلبية الكبرى من نخب الدول الإسلامية دخلت في دائرة مغلقة من الصراع مع الغرب الاستعماري انتهت عمليّاً باستقلالات مشوّهة ونخب مستلبة ودكتاتوريّات قارّة، بعضها حمى ظهره بالتحالف مع الغرب، وبعضها الآخر بالتحالف مع الاتحاد السوفييتي، لكنّ المشروعين حافظا على الاستبداد كنمط حكم ودمّرا بذلك الإمكانيات الحقيقية لمشاريع إسلامية كبرى، تحافظ على هويّات شعوبها الثقافية ولكنّها تشارك في سباقات السياسة والاقتصاد والحضارة.
الأمثلة القليلة التي خرجت عن هذين النمطين، كما هو حال تركيّا، وإلى حدّ ما إندونيسيا، ماليزيا (وإلى حدّ أقلّ المغرب)، هي تأكيد للقاعدة، وهي كلّها تحمل، بالضرورة، إشكاليّات الولادة الصعبة ومخاطرها، كما أنها تتأثر بمحيطها الضاغط الذي تحكمه آليات الاستبداد والتبعية.
يسوءنا كثيراً، أن الانحدار المريع في أحوال العالم الإسلامي وصل إلى أن الإسلام نفسه صار، في كل أنحاء العالم، بقوّة دفع العنصرية الغربية، وتوحش عدد كبير من حكومات البلدان المسلمة، أشبه بالتهمة.
يسوءنا أيضاً أن يصبح الحجّ، أحد أركان الإسلام، موضوعاً للاستغلال السياسي والتعسّف بحق الراغبين في الحج.
حين نشاهد ما يحصل من مجازر للمسلمين في كل أنحاء العالم نتساءل، هل نحن أصحاب العيد، أم نحن الأضحية نفسها؟

هل نحن أصحاب العيد أم أضحيته؟

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية